الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

سوناطراك توسع نشاطها في الساحل الإفريقي بشحنة بوتان إلى تشاد

Author
صبرينة عيلان 31 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعلنت مجموعة سوناطراك عن تحميل أول شحنة من غاز البترول المسال “البوتان” نحو ميناء دوالا بالكاميرون، على أن يتم نقلها برا إلى تشاد، في مؤشر جديد على انتقال التعاون الجزائري الإفريقي من مرحلة التفاهمات السياسية والدبلوماسية إلى مرحلة المشاريع الاقتصادية الميدانية ذات البعد الاستراتيجي.

وتحمل هذه العملية، التي جاءت ثمرة محادثات بين سوناطراك والشركة التشادية “غازكوم” الموزع المحلي للمنتجات البترولية، أبعادا تتجاوز مجرد تصدير شحنة طاقوية نحو دولة إفريقية شقيقة، إذ تعكس توجها جزائريا واضحا نحو بناء فضاء اقتصادي إفريقي مترابط يقوم على التكامل الطاقوي واللوجستي، ويعزز حضور الجزائر كشريك اقتصادي موثوق في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

الجزائر تعيد رسم الخريطة الطاقوية الإفريقية

ويأتي هذا التطور في سياق ديناميكية سياسية واقتصادية متسارعة بين الجزائر وتشاد، يقول الخبير في الطاقة، أحمد طرطار، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، والذي توج خلال الأشهر الأخيرة بتوقيع سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شملت قطاعات الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة والبنى التحتية والنقل والاستثمار، ضمن رؤية مشتركة تهدف إلى ترسيخ شراكة استراتيجية طويلة المدى بين البلدين.

كما تعكس هذه الخطوة الطاقوية الجديدة توجها جزائريا أوسع نحو تعزيز التعاون جنوب – جنوب، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعرفها القارة الإفريقية، والرهانات المرتبطة بالأمن الطاقوي والتنمية الاقتصادية وربط الأسواق الإفريقية بشبكات نقل وتموين جديدة.

ويؤكد هذا المسار أن الجزائر لم تعد تكتفي بدورها التقليدي كمصدر للطاقة، بل باتت تتحرك ضمن مقاربة شاملة تقوم على تصدير الخبرة التقنية، ومرافقة الدول الإفريقية في تطوير قدراتها الطاقوية، والمساهمة في بناء سلاسل إمداد إقليمية قادرة على ضمان استقرار التموين وتحقيق التنمية الاقتصادية المشتركة.

وتكتسي هذه العملية، حسب الخبير أحمد طرطار، أهمية خاصة بالنسبة لسوناطراك، كونها تمثل أول تجربة لتأسيس علاقة مباشرة مع موزع محلي في منطقة الساحل الإفريقي، بما يفتح الباب أمام توسيع النشاط التجاري الجزائري داخل الأسواق الإفريقية، خاصة في مجال غاز البترول المسال والمنتجات الطاقوية ذات الطلب المتزايد.
ويأتي ذلك امتدادا لمسار تعاون متصاعد بين الجزائر وتشاد، تعزز بتوقيع بروتوكول اتفاق للتعاون في قطاعي المحروقات والمناجم نهاية سنة 2025، ثم توقيع ثلاث اتفاقيات جديدة في جانفي 2026 خلال معرض “سيميكا تشاد”، وصولاً إلى مخرجات الدورة الرابعة للجنة المشتركة الجزائرية التشادية التي عكست إرادة سياسية قوية لتحويل التقارب الثنائي إلى شراكات اقتصادية عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة.

وفي ظل هذا الحراك المتسارع، تبدو الجزائر وكأنها تعيد رسم خريطة حضورها الاقتصادي في إفريقيا، عبر توظيف قطاع الطاقة كرافعة استراتيجية لتعزيز التكامل القاري، وفتح ممرات جديدة للتجارة والاستثمار، وبناء شراكات قائمة على تبادل المصالح والخبرات، بما يعزز مكانتها كقوة طاقوية وإقليمية فاعلة داخل القارة الإفريقية.
كما أكد الخبير في الطاقة، أحمد طرطار، أن التحركات الجزائرية المتسارعة داخل القارة الإفريقية تعكس توجها استراتيجيا عميقا لإعادة بناء فضاء اقتصادي إفريقي متكامل، تكون فيه الجزائر فاعلا محوريا وقوة إقليمية مؤثرة في معادلات الطاقة والتنمية والتعاون الاقتصادي داخل القارة السمراء.

وأوضح طرطار أن الجزائر لم تعد تتحرك فقط بمنطق الشراكات الثنائية التقليدية، بل أصبحت تعتمد رؤية جيو-اقتصادية واسعة تقوم على ربط الأمن الطاقوي بالتكامل الإفريقي، وربط الاستثمارات الكبرى بمشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، في إطار تصور شامل يهدف إلى تحويل إفريقيا من قارة مصدّرة للمواد الخام إلى فضاء اقتصادي منتج ومترابط.

وأشار المتحدث إلى أن هذا التوجه الجزائري يأتي في سياق التحولات العالمية المتسارعة في سوق الطاقة، والبحث الدولي المتزايد عن مصادر جديدة وآمنة للغاز والطاقة، خاصة بعد الأزمات الجيوسياسية التي أعادت رسم خريطة التوازنات الطاقوية العالمية، ما جعل من الجزائر رقما أساسيا في معادلة الأمن الطاقوي الإفريقي والمتوسطي.

أنبوب الغاز العابر للصحراء مشروع لإعادة تشكيل موازين الطاقة في إفريقيا

أكد طرطار أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مرورا بالنيجر، يمثل واحدا من أهم المشاريع الاستراتيجية في القارة الإفريقية، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضا من الناحية الجيوسياسية.

وأوضح أن هذا المشروع العملاق لا يتعلق بمجرد نقل الغاز نحو الأسواق الأوروبية، بل يشكل مشروعا قاريا لإعادة دمج الاقتصادات الإفريقية داخل شبكة مصالح مشتركة، بما يفتح المجال أمام الدول الإفريقية للاستفادة من ثرواتها الطبيعية وتحويلها إلى أدوات للتنمية والاستقرار.

وأضاف أن الجزائر تسعى من خلال هذا المشروع إلى تكريس مفهوم السيادة الطاقوية الإفريقية، عبر منح الدول الإفريقية القدرة على استغلال مواردها وتسويقها ضمن شراكات متوازنة تحفظ المصالح المشتركة، بعيدا عن منطق التبعية الاقتصادية التقليدية.

كما شدّد على أن مشروع الأنبوب العابر للصحراء سيمنح دول الساحل الإفريقي فرصا تنموية غير مسبوقة، سواء من خلال عائدات العبور أو عبر خلق مناطق استثمارية جديدة ومشاريع صناعية وخدماتية مرتبطة بالطاقة والنقل واللوجستيك.

وأكد طرطار أن الجزائر تدرك جيدا أهمية منطقة الساحل في المعادلات الاقتصادية الدولية، خاصة مع تصاعد الاهتمام الأوروبي والإفريقي بهذه المنطقة باعتبارها ممرا استراتيجيا للطاقة والتجارة، وهو ما يفسر تكثيف الجزائر لتحركاتها الاقتصادية والدبلوماسية داخل هذا الفضاء الحيوي.

وأشار إلى أن الجزائر نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية مع عدد من الدول الإفريقية، على غرار تشاد والنيجر ونيجيريا والكونغو ودول الساحل، عبر اتفاقيات تعاون ومناطق اقتصادية مشتركة ومشاريع استثمارية متبادلة، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء كتلة اقتصادية إفريقية متماسكة.

البنية التحتية الجزائرية بوابة إفريقيا نحو التكامل الاقتصادي

وفي سياق حديثه عن البعد التنموي للمقاربة الجزائرية، أوضح أحمد طرطار أن الجزائر تراهن بقوة على مشاريع البنية التحتية باعتبارها حجر الأساس في تحقيق التكامل الاقتصادي الإفريقي.

وأكد أن مشاريع الربط القاري التي أطلقتها الجزائر، مثل طريق الوحدة الإفريقية، وطريق تندوف الزويرات الرابط بين الجزائر وموريتانيا، تمثل شرايين اقتصادية جديدة ستعيد تشكيل حركة التجارة داخل القارة الإفريقية.

وأوضح أن هذه المشاريع لا تقتصر على تسهيل تنقل السلع والبضائع فقط، بل تهدف أيضا إلى خلق فضاءات اقتصادية متكاملة تسمح باندماج الأسواق الإفريقية وربطها بالموانئ الجزائرية الكبرى المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

وأضاف أن طريق تندوف – الزويرات يفتح آفاقا نحو أسواق غرب إفريقيا، خاصة موريتانيا والسنغال ودول الساحل، كما يمنح الجزائر موقعا محوريا في حركة التجارة العابرة للقارة.
كما أبرز أهمية مشاريع السكك الحديدية التي تعمل الجزائر على تطويرها لربط الجنوب بالشمال ثم بالعمق الإفريقي، معتبرا أن النقل الحديدي سيكون مستقبلا إحدى أهم أدوات التكامل الاقتصادي الإفريقي، بالنظر إلى قدرته على تسهيل حركة السلع والمواد الأولية وتقليص تكاليف النقل.

وأشار طرطار إلى أن هذه البنية التحتية ستساهم أيضا في دعم مشاريع الطاقة والصناعة والتبادل التجاري، بما يسمح بخلق ديناميكية اقتصادية جديدة داخل القارة الإفريقية.

وبخصوص الأبعاد السياسية والاقتصادية للتحرك الجزائري، أكد الخبير في الطاقة أن الجزائر تعمل على ترسيخ نموذج جديد للتعاون الإفريقي يقوم على التضامن الاقتصادي والشراكة المتوازنة، بعيداً عن الهيمنة أو الاستغلال.

وأوضح أن المساعدات الجزائرية والدعم التقني الموجه نحو دول الساحل يعكس رغبة حقيقية في بناء مستقبل اقتصادي مشترك، خاصة بالنسبة للدول التي تواجه تحديات تنموية واقتصادية معقدة.
وأضاف أن الجزائر تسعى إلى نقل خبراتها وتجاربها في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكوين والخدمات التقنية إلى الدول الإفريقية، بما يساعدها على استغلال مواردها الطبيعية وتحقيق تنمية مستدامة.

وأكد طرطار أن هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الإفريقية الجديدة القائمة على تعزيز التجارة البينية، وتشجيع المقايضة والتبادل التجاري، وتقليص العراقيل التي تعيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية، خاصة الدول المتجاورة.

وأشار إلى أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها خلال المعارض الإفريقية البينية، وآخرها الدورة الرابعة التي احتضنتها الجزائر، تؤكد وجود إرادة سياسية واقتصادية حقيقية لبناء فضاء اقتصادي إفريقي متكامل قادر على مواجهة التحديات الدولية.