سيف الإسلام القذافي.. هل هو قائد الغد المنتظر في ليبيا؟

عاد سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، إلى واجهة الأحداث في ليبيا بإعلانه رسميا الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل.

واستعاد سيف الإسلام القذافي، مؤخرا، زخما إعلاميا بظهوره المفاجئ في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، بعد اختفاء دام عشر سنوات منذ المشهد الأخير له وهو يُقتاد مكبل اليدين عقب شهر من مقتل والده على يد الثوار.

ويعوّل نجل معمر القذافي على سنوات العمل السياسي التي قضاها في الخفاء، لنيل ثقة الشعب الليبي ودعمه للوصول إلى كرسي الرئاسة.

وحسب متابعين فإنه من المتوقع أن يكون سيف الإسلام، الذي تقف وراءه قوّة انتخابية كبيرة، مرشحاً بارزاً للفوز بالمنافسة على رئاسة ليبيا، حيث إنّ له أنصارا في كل من المنطقة الغربية والجنوب وفي المنطقة الشرقية، وكذلك في المنطقة الوسطى للبلاد.

وخلال ذلك، بدأت مختلف القبائل الليبية الموالية للنظام السابق داخل البلاد وأنصار القذافي من المهاجرين خارج البلاد اجتماعات مكثفة من أجل تعبئة الليبيين للتصويت لصالح سيف الإسلام القذافي وإعداد البرنامج الانتخابي الخاص به.

وكان أنصار القذافي بدأوا منذ سنوات في مساع حثيثة لترتيب عودة سيف الإسلام القذافي للمشهد السياسي عبر تشكيل حزب “الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا”، الذي يضمّ عدّة قيادات شعبية وتشكيلات اجتماعية وعسكرية أعلنت كلّها تأييدها لنجل الرئيس الليبي الراحل حتى يلعب دوراً رئيسياً في مستقبل القرار الليبي.

على الأرض، يظهر أنصار النظام السابق تفاؤلاً أكثر من أي وقت مضى بالعودة إلى السلطة عن طريق محاولة دفع الليبيين إلى انتخاب سيف الإسلام القذافي رئيساً للبلاد، مستغلين في ذلك حالة الاضطراب التي تعيشها ليبيا حالياً، وعدم نجاح الأطراف السياسية الموجودة على الساحة في إحراز أي تقدّم بالبلاد.

لكن هذا الأمر لن يكون سهلاً في ظل وجود الثوار الذين أطاحوا بنظام معمر القذافي في مراكز القيادة الآن، وطموحهم في الاستمرار بالسلطة، سواء في الغرب الليبي (خاصةً مصراتة التي حاربت كتائب القذافي وفقدت العديد من أبنائها خلال المواجهة العسكرية) أو شرق ليبيا (خاصةً في بنغازي المدينة التي انطلقت منها شرارة العنف وعانت لاحقاً من انتشار الجماعات الإرهابية، قبل تحريرها من قبل الجيش الليبي).

وتعتبر شرائح كبيرة داخل ليبيا، في شخص سيف الإسلام قائد الغد المنتظر، وصاحب مهمة لمِّ شمل الليبيين بعد فرقة ونزاع، والقادر على تحقيق مصالحة واسعة بين الأطراف المتناحرة لتوحيد كامل التراب الليبي.

ويعد سيف الإسلام الابن الثاني من أبناء القذافي التسعة، وهو الأكثر حظا بينهم، ورغم أنه لم يتولَّ أي منصبٍ رسمي، إلا أن الكثيرين اعتبروه فعليا الشخص الأكثر نفوذا في البلاد، والوريث الشرعي لحكم أبيه، بينما رآى الغرب في زيه الأنيق ولسانه الإنجليزي الطليق، وآرائه الإصلاحية المخالفة لسياسة والده، طريقهم الوحيد لتحويل ليبيا من الاستبداد المعادي للغرب إلى الليبرالية دون ثورة شاملة.

ويرى مراقبون أن عودة إسلام القذافي إلى الحكم تعتبر الفرصة الأخيرة من اجل إنهاء شتات أسرة القذافي وعودة الإخوة وأبناء العمومة إلى البلاد من جديد بعد سنوات الشتات والغربة، وبارقة الأمل لقبيلته “القذاذفة” لاستعادة كرامتها التي أطاحت بها ثورة 14 فبراير/شباط فأردتهم غرباء بعد أن سادوا البلاد لأربعة عقود ونيف بلا منازع.

حظوظ سيف الإسلام في الوصول إلى السلطة لا يستهان بها، بعدما نجح في إعادة صياغة علاقته بالقبائل الليبية في الجنوب والشرق، كما استعادت قبيلته “القذاذفة”، وهي أكبر القبائل الليبية وأكثرها تسليحا، نفوذها على المنطقة الجنوبية كافة، واستعاد أبناؤها الوظائف الحكومية التي فقدوها عقب سقوط القذافي.

وفي أعقاب حرب طرابلس، انشقت قبيلة القذاذفة عن قوات حفتر، وشكلت جزءا مهما من سردية هزائمه، وهي أزمة كبيرة يواجهها حفتر، لا سيما أن قاعدة أنصاره في الشرق هم أنصار النظام السابق.

وإلى جانب “القذاذفة”، يتمتع نجل القذافي بدعم قبيلة “البراعصة” التي تنحدر منها والدته في شرق ليبيا أيضا، والتي توسطت سابقا في مساعي إطلاق سراحه وتأمين تحركاته وإجراء اتصالاته مع القبائل الأخرى، وكل هذه القبائل لديها امتداد عميق ووثيق مع قبائل داخل الجنوب الجزائري.

وبالنظر إلى الوضع السياسي الهش الذي تعيشه ليبيا، والدعم الداخلي الذي يلقاه، تظهر البصمة الخارجية واضحة في رسم معالم صورة الرئيس القادم، بدعم محتمل من قوى دولية وإقليمية في مقدمتها روسيا وإيطاليا وفرنسا ومصر، حيث بذلت دائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكبر الخاسرين من سقوط القذافي، تحركات علنية لإعادة نجله مجددا إلى الحياة السياسية.

وظهر اتساع دائرة نفوذ سيف الإسلام في الوفد الذي أرسله عام 2018 لبحث تسوية سياسية للخروج من الأزمة، والذي روجت له روسيا عبر استضافة الوفد على شاشات قنوات رسمية، باعتبارهم يمثلون نجل القذافي، أحد أطراف المصالحة الليبية.

إلى جانب روسيا، فاجأت إيطاليا الجميع بتصريحها بأنها لا تُمانع وصول نجل القذافي إلى رئاسة ليبيا عبر الانتخابات، في وقت كشفت فيه تقارير عن تواصل المخابرات المصرية مع سيف الإسلام.

ومن غير المستبعد أن يستثمر سيف الإسلام القذافي في خلافات خصمه خليفة حفتر مع الجزائر لكسب ود هذه الأخيرة التي تؤكد في كل مرة على أن الحل السياسي داخل حدود ليبيا لن يكون دون تجاهلها.

من جهة أخرى، يمثل الرجل في الأخير وجها أكثر قبولا مقارنة بحكومة طرابلس المرتبطة هي الأخرى بالإسلام السياسي المتعثر إقليميا، والمرتبطة أيضا بالوجود العسكري التركي غير المريح لفرنسا وأوروبا.

وتبقى عودة سيف الإسلام القذافي إلى الساحة السياسية وتوليه أول منصب رسمي في البلاد، مرهونة بتأشير المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا على ملف ترشحه للرئاسيات والتخلص من ملاحقة الجنائية الدولية.