السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

شباب إفريقيا.. من ثروة ديموغرافية إلى قوة لصناعة المستقبل

Author
ربيعة خطاب 12 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتزامن إحياء اليوم الدولي للشباب، هذا العام، مع مرحلة دقيقة تمر بها القارة الإفريقية التي تواجه تحديات متشابكة، تتراوح بين البطالة وارتفاع معدلات الفقر وضعف فرص الاندماج الاقتصادي، واتساع الفوارق الاجتماعية، إلى جانب تداعيات الأزمات الأمنية والسياسية والنزاعات التي لا تزال تؤثر في عدد من الدول الإفريقية. وفي ظل هذه التحولات يبرز الشباب باعتبارهم القوة الديموغرافية الأكبر في القارة والعنصر الأكثر ارتباطا بمستقبل التنمية والاستقرار والاندماج الإفريقي.

وفي هذا السياق، جاءت رسالة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، بمناسبة اليوم الدولي للشباب، لتضع مسألة تمكين الشباب في صلب أولويات العمل القاري، حيث شدد على أن الشباب الإفريقي لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم قادة المستقبل فقط، بل باعتبارهم شركاء وقادة فاعلين في الحاضر. وهو طرح يعكس الحاجة إلى تجاوز الخطاب التقليدي الذي يكتفي بتعداد طاقات الشباب دون توفير الآليات التي تسمح لهم بتحويل هذه الطاقات إلى مشاريع وفرص ومبادرات مؤثرة في المجتمعات والاقتصادات الإفريقية.

ويطرح هذا التوجه تحديا أكبر أمام الحكومات والمؤسسات الإفريقية، يتمثل في الانتقال من الاعتراف النظري بدور الشباب إلى بناء سياسات عملية تستثمر في التعليم والتكوين والمهارات الرقمية وريادة الأعمال والتشغيل، وتفتح أمام الشباب مساحات حقيقية للمشاركة في صناعة القرار. كما أن تمكين الشباب لا ينفصل عن قدرة الدول الإفريقية على خلق اقتصادات منتجة قادرة على استيعاب الملايين من الشباب الذين يدخلون سوق العمل سنويا، وتحويل النمو الديموغرافي من ضغط اجتماعي واقتصادي إلى قوة تنموية.

وتكتسب الدعوة إلى تعزيز الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات والشباب أهمية خاصة في هذا السياق، لأن معالجة تحديات الشباب لا يمكن أن تقع على عاتق المؤسسات العمومية وحدها. فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تسمح بتطوير المهارات وخلق فرص العمل ودعم المؤسسات الناشئة وتوسيع الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

كما أن الرهان يتجاوز الجانب الاقتصادي ليشمل المشاركة السياسية والاجتماعية للشباب وتعزيز حضورهم في المؤسسات وصناعة السياسات المتعلقة بمستقبل القارة. فالشباب الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان إفريقيا لا يمكن أن يبقوا خارج دوائر القرار التي تحدد مستقبلهم ومستقبل مجتمعاتهم.

ومن هنا تطرح تصريحات رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي سؤالا جوهريا حول قدرة الاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء على تحويل شعار تمكين الشباب من خطاب سياسي، بمناسبة اليوم الدولي للشباب، إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ، وهل تستطيع القارة الاستفادة من طاقتها الشبابية الهائلة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية ومجتمعات أكثر استقرارا وقارة أكثر اندماجا؟

وفي هذا السياق، يرى حسن دنقس، خبير الدراسات الاستراتيجية، أن تحويل قضية الشباب من خطاب سياسي إلى سياسة فعلية يتطلب إدماجها ضمن صلب الخيارات الاقتصادية والتنموية للدول الإفريقية، وليس التعامل معها كملف اجتماعي منفصل عن بقية القطاعات.

ويؤكد حسن دنقس أن الرهان الإفريقي الحقيقي يتمثل في تحويل الكتلة الشبابية الكبيرة التي تمتلكها القارة إلى قوة إنتاجية قادرة على دفع النمو الاقتصادي، بدلا من أن تتحول الزيادة الديموغرافية إلى ضغط متزايد على سوق العمل والخدمات العامة. ويشير إلى أن إفريقيا تمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من طاقاتها البشرية، إذا رافق النمو السكاني استثمار حقيقي في التعليم والتكوين والمهارات وخلق فرص العمل. فوجود عدد كبير من الشباب لا يمثل في حد ذاته ميزة اقتصادية، ما لم تتوفر السياسات التي تسمح بتحويل هذه الطاقة البشرية إلى إنتاج وابتكار ومشاريع ومؤسسات قادرة على خلق الثروة.

ويوضح حسن دنقس أن البداية يجب أن تكون من إصلاح منظومة التعليم والتكوين وربطها بصورة مباشرة باحتياجات الاقتصادات الإفريقية. فالمطلوب، حسب تقديره، هو تجاوز نموذج تعليمي ينتج شهادات دون أن يضمن بالضرورة امتلاك المهارات المطلوبة في سوق العمل، والانتقال نحو منظومة أكثر ارتباطا بالمهن الجديدة والقطاعات الاقتصادية الواعدة. ويشمل ذلك تطوير التكوين المهني والتقني والاستثمار في المهارات الرقمية، ورفع قدرات الشباب في مجالات الصناعة والزراعة الحديثة والطاقة والاقتصاد الرقمي والخدمات التي يمكن أن توفر فرصا واسعة للتشغيل.

ويضيف حسن دنقس أن معالجة البطالة لا يمكن أن تعتمد فقط على قدرة القطاع العام على توفير الوظائف، بل تتطلب خلق بيئة اقتصادية تسمح للقطاع الخاص والشباب أنفسهم بالمساهمة في إنتاج فرص العمل. ويرى أن تسهيل وصول الشباب إلى التمويل ومرافقة المؤسسات الناشئة وتبسيط الإجراءات الإدارية أمام المبادرات الاقتصادية تمثل عناصر أساسية في هذه المعادلة. كما يشدد على أهمية توفير منظومة متكاملة ترافق الشاب منذ مرحلة اكتساب الفكرة والمهارة وصولا إلى إنشاء المؤسسة والحصول على التمويل ودخول السوق ثم التوسع والمنافسة.

ومن جهة أخرى، يرى حسن دنقس أن نجاح سياسات تمكين الشباب لا ينبغي أن يقاس بعدد المبادرات والبرامج التي تعلنها الحكومات والمؤسسات، وإنما بالنتائج التي تحققها على أرض الواقع. ويشير في هذا السياق إلى ضرورة وضع مؤشرات دقيقة تسمح بقياس عدد الوظائف التي تم خلقها ونسب اندماج الشباب في سوق العمل وعدد المؤسسات الناشئة التي تم إنشاؤها ومدى قدرتها على الاستمرار والنمو. ويعتبر أن الانتقال إلى هذا النوع من التقييم سيسمح بتحديد السياسات الناجحة وتصحيح الاختلالات بدل الاكتفاء بخطاب عام حول أهمية الشباب ودورهم في المستقبل.

وبخصوص العلاقة بين التعليم وسوق العمل، يؤكد حسن دنقس أن العديد من الاقتصادات الإفريقية تعاني من فجوة واضحة بين مخرجات المؤسسات التعليمية واحتياجات المؤسسات الاقتصادية. ويرى أن معالجة هذه الفجوة تتطلب شراكة فعلية بين الحكومات والجامعات ومراكز التكوين والقطاع الخاص، بحيث يشارك أرباب العمل في تحديد التخصصات والمهارات المطلوبة وفي تصميم برامج التكوين والتدريب. ويعتبر أن التدريب الميداني يمكن أن يشكل حلقة وصل مهمة بين التعليم والتوظيف، من خلال منح الشباب خبرة عملية قبل دخولهم سوق العمل ورفع جاهزيتهم للاندماج في المؤسسات.

كما يشدد حسن دنقس على ضرورة تطوير تخصصات جديدة تواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعرفها القارة والعالم. ويشير إلى أن مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والخدمات الرقمية ستحتاج، خلال السنوات المقبلة، إلى أعداد متزايدة من الكفاءات. ولذلك فإن الاستثمار في هذه المجالات يجب ألا ينظر إليه فقط كاستثمار في التكنولوجيا، بل كوسيلة لبناء جيل جديد من المهارات القادرة على المنافسة داخل الأسواق الإفريقية والعالمية.

وفيما يتعلق بريادة الأعمال، يرى حسن دنقس أن دعم المؤسسات الناشئة ينبغي ألا يتوقف عند مرحلة إطلاق المشروع، بل يجب أن يشمل مختلف مراحل تطوره. ويؤكد أن الشاب يحتاج إلى التكوين والمرافقة والحاضنات والتمويل والوصول إلى الأسواق حتى يستطيع تحويل فكرته إلى مؤسسة مستدامة. كما يمكن للاتحاد الإفريقي، وفق رؤيته، أن يؤدي دورا مهما في توسيع المجال الاقتصادي أمام الشباب من خلال تسهيل انتقال المشاريع والمهارات بين الدول الإفريقية، وخلق فرص للوصول إلى أسواق أكبر من السوق الوطنية.

أما على المستوى السياسي، فيرى حسن دنقس أن تمكين الشباب لا يكتمل دون منحهم مساحة حقيقية في صناعة القرار. فالمشاركة الشبابية، حسب تصوره، ينبغي ألا تختزل في المنتديات والفعاليات الرمزية، بل يجب أن تتحول إلى مشاركة مؤسساتية تمكن الشباب من المساهمة في صياغة السياسات التي تمس مستقبلهم. ويشدد على ضرورة فتح قنوات منتظمة للحوار بين المؤسسات والشباب وتعزيز حضورهم في الهيئات الاستشارية والمنتخبة والبرامج التنموية مع توفير آليات تسمح لمبادراتهم بالوصول إلى التمويل والبيانات والأدوات التي تساعدهم على التأثير.

ويؤكد حسن دنقس في هذا السياق أن العلاقة بين تمكين الشباب والاستقرار السياسي والاجتماعي والتنمية علاقة مباشرة. فالشاب الذي يحصل على تعليم جيد ويمتلك مهارة وفرصة عمل ويجد مساحة للمشاركة في الحياة العامة، يكون أكثر قدرة على المساهمة في بناء مجتمعه وعلى تحويل طاقته إلى قيمة مضافة. ومن هذا المنظور فإن الاستثمار في الشباب لا يمثل مجرد سياسة اجتماعية، وإنما استثمارا في الاستقرار والاقتصاد ومستقبل الدول الإفريقية.

ويلفت حسن دنقس إلى أن القارة الإفريقية تقف أمام فرصة حقيقية لتحويل ثروتها البشرية إلى محرك للنمو والابتكار، إذا تمكنت من الانتقال من مرحلة الخطاب حول الشباب إلى مرحلة العمل معهم. ويؤكد أن المطلوب هو بناء سياسات طويلة المدى تقوم على التعليم والتكوين والتشغيل وريادة الأعمال والمشاركة في القرار وتوفر للشباب الوسائل التي تمكنهم من صناعة مستقبلهم. فالمسألة، حسب حسن دنقس، لا تتعلق فقط بإعداد الشباب الذين ستقودهم إفريقيا في المستقبل، بل بقدرتها على تحويل شباب اليوم إلى قوة منتجة ومبتكرة وفاعلة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة.