الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

شباب مصر.. ثروة وطنية تحتاج إلى استثمار حقيقي

Author
صالح السقا 06 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يمثل الشباب المصري أكثر من مجرد فئة عمرية في المجتمع، إنه الثروة الحقيقية التي يزخر بها الوطن، والركيزة الأساسية التي يقوم عليها مستقبل التنمية والتقدم. في وقت تعاني فيه العديد من الدول الغربية واليابان وكوريا الجنوبية من تدهور ديموغرافي وانهيار في النمو السكاني، تظل مصر في موقع متميز بفضل شبابها المتجدد، وهي نعمة تستحق أن تُستثمر بحكمة ووعي.

تشير الأرقام والإحصائيات الرسمية إلى أن حجم هذه الثروة الهائل يستدعي وقفة جادة. وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الشباب في الفئة العمرية (18 – 29 سنة) في مطلع عام 2025 نحو 21.3 مليون نسمة، بنسبة 19.9% من إجمالي السكان، منهم 51.9% ذكور و48.1% إناث. هذا العدد الكبير ليس مجرد رقم، بل هو طاقة بشرية هائلة تنتظر من يوجهها ويستثمرها في بناء الدولة.

ولكن، يبقى السؤال الأهم: هل استثمارنا في هذه الثروة الوطنية بمستوى يليق بحجمها؟ وهل المنظومة التعليمية والاقتصادية مؤهلة لتحويل هذا الكم الهائل من الشباب إلى قوة فاعلة ومنتجة؟

تحديات تواجه طاقات الشباب

تشير مؤشرات سوق العمل إلى وجود فجوة واضحة بين أعداد الشباب والفرص المتاحة. فبينما يسجل معدل البطالة العام في مصر انخفاضا ملحوظا ليصل إلى 6% في الربع الأول من عام 2026، وهو أدنى مستوى تاريخي له ، إلا أن هذه النسبة تخفي واقعا أكثر تعقيدا لدى فئة الشباب.

ففي عام 2024، بلغ معدل البطالة بين الشباب (18-29 سنة) 15.3%، وهو أعلى بكثير من المتوسط العام، مع وجود فجوة كبيرة بين الجنسين حيث سجلت البطالة بين الشابات 37.8% مقابل 9.9% بين الذكور. هذا التفاوت يعكس تحديات هيكلية في سوق العمل، أبرزها ضعف مشاركة المرأة الاقتصادية، وعدم التوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.

التعليم.. حجر الزاوية في الاستثمار الأمثل

لا يمكن الحديث عن استثمار حقيقي في الشباب دون التطرق إلى جودة التعليم والتدريب. فالتعليم هو الأداة التي تشكل عقول الشباب وتمنحهم مهارات القرن الحادي والعشرين، وهو ما أكدت عليه رؤية “مصر 2030” التي تضع بناء الإنسان في صميم أولوياتها.

وتشير الأرقام إلى أن عدد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي بلغ 3.8 مليون طالب في عام 2024. ورغم ضخامة هذا الرقم، إلا أن التحدي يكمن في جودة المخرجات. فالتوزيع بين الكليات النظرية والعملية يظهر ميلا واضحا نحو النظري في الجامعات الحكومية، حيث بلغت نسبة المقيدين في الكليات النظرية 72.7% مقابل 27.3% فقط في الكليات العملية والعلمية. هذا الخلل يحتاج إلى مراجعة جادة لتوجيه الشباب نحو التخصصات المطلوبة في سوق العمل المستقبلي، والتي تقوم على المهارات التطبيقية والتكنولوجية.

ثروة وطنية في خطر الهدر

إن الفشل في استثمار هذه الثروة البشرية قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل على المستوى الاجتماعي والأمني أيضا. فالشباب الباحث عن فرصة عمل يائسا قد يكون فريسة سهلة للأفكار المتطرفة، أو قد يضطر إلى المجازفة بحياته في رحلة هجرة غير شرعية بحثا عن مستقبل أفضل، وهي الظاهرة التي نسمع عنها بين الحين والآخر والتي تعكس يأسا حقيقيا. وهنا يبرز السؤال المصيري: كيف نوفق بين تمتع مصر بـ “نعمة تجدد الشباب” وبين تحويل هذه النعمة إلى طاقة إنتاجية حقيقية، بدلا من أن تتحول إلى عبء أو خطر يهدد استقرار المجتمع؟

بوادر أمل وفرص واعدة

رغم التحديات، هناك خطوات جادة تبشر بمستقبل أفضل. فقد أطلقت الدولة مبادرات طموحة مثل قمة “ستارت 2026” التي شارك فيها نحو 30 ألف طالب وطالبة من مختلف الجامعات، إلى جانب أكثر من 300 شركة، ووفرت آلاف المنح التدريبية. هذه الفعاليات تمثل نموذجا عمليا لربط الشباب بسوق العمل وتأهيلهم بالمهارات المطلوبة.

كما أن انخفاض معدل البطالة العام إلى أدنى مستوياته تاريخيا يشير إلى أن الاقتصاد المصري بدأ يمتص جزءا أكبر من القوى العاملة. ومع استمرار الجهود في تطوير البنية التحتية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز بيئة ريادة الأعمال، يمكن امتصاص الملايين من الشباب الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنويا.

استثمار اليوم لبناء الغد

شباب مصر هم عنوان المستقبل، وهم القادرون على دفع عجلة التقدم والابتكار في المجتمع. الاستثمار فيهم ليس ترفا، بل ضرورة حتمية لتحقيق التنمية المستدامة. هذا الاستثمار يتطلب سياسات متكاملة تشمل تطويرا جذريا في التعليم والتدريب ليكون مواكبا لمتطلبات العصر، وتحفيزا للقطاع الخاص لخلق المزيد من فرص العمل اللائقة، وتشجيعا لثقافة العمل والإنتاج والابتكار، إلى جانب تذليل العقبات التي تواجه الشابات للانخراط في سوق العمل.

إن استثمار هذه الثروة الشبابية اليوم هو الضمانة الأكيدة لبناء مصر الغد، دولة قوية ومتقدمة، تنعم بالاستقرار والازدهار. فالشباب ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات، بل هم طاقة الحاضر وأمل المستقبل، ونحن مطالبون جميعا – حكومة ومجتمعا – بأن نمنحهم الفرصة ليحققوا إمكاناتهم، لأنهم بالفعل “ثروة وطنية تحتاج إلى استثمار حقيقي”.

Author صالح السقا
دكتور في القانون، مدير المؤسسة المصرية للدراسات الإستراتيجية