السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

شتلة ريحان وشجيرة دفلى في خيمة.. إضاءة على مجموعة “التل والبحر شاهدا” للقاص “علاء عثمان أبو جحجوح”

Author
جبر جميل شعث 23 سبتمبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

لعلّنا لا نضيف جديدًا أو نأتي باكتشاف إذا ما قلنا: إنّ القصة القصيرة لا تحتمل الشرح والتفصيل والإطالة، والزوائد البلاغية. فالقصة القصيرة ترتكز أساسًا على الحدث الواحد والمشهديّة الوامضة في مكان مُحدِّد وزمان محدد؛ حيث لغة التكثيف والإيحاء والتلميح، مع النزوع إلى الترميز الشفيف، الذي يفضي إلى دلالات الألفاظ دون تعمية أو إبهام.  وفي هذا السياق، نستأنس برأي التأويلي الفرنسي “بول ريكور” الذي عدّ “الرمز نافذة نطلّ منها على عالم المعنى، فيغدو الرمز وسيطا شفّافا ينمّ عمّا وراءه”.

كل ذلك أصبح من بدهيّات هذا النوع الأدبي الصعب الجميل، ولكننا سُقنا هذه التوطئة على سبيل التّذكرة، فضلاً عن أنها أحد ثوابت طريقتنا حين نقارب عملا أدبيا ما، والعمل الذي بين أيدينا، هو مجموعة قصصية: “التل والبحر شاهدًا”، الصادرة عام 2022 عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين، للقاص “علاء أبو جحجوح”، وهي العمل القصصي الثاني له بعد عمله القصصي الأول “قمر وجسد مظلم” الذي تناولناه نقديًا بعد صدوره عام 2021 عن دار “تجوال للثقافة والفنون” في غزّة.

لا يبتعد القاص في مجموعة “التل والبحر شاهدًا” كثيرًا عن أسلوبه في مجموعته الأولى، من حيث اعتماده على اللقطة السينمائية حين يصف الأشياء والأماكن ومظاهر الطبيعة بلغة تقترب من الشعرية قبل الدخول في متن موضوع قصته.. وصفًا شفيفًا لا تعمُّد فيه، لا تكلف ولا استقصاء، وهذا ما يجعله من صميم العمل القصصي.

وإذا ما سُئلنا وبالفعل نحن قد سُئلنا، هل مجموعة “التل والبحر شاهدًا” شكّلَت تطورًا في لغة وأسلوب وموضوعات وتكنيكات الكاتب؟ نقول كما أسلفنا: لم يبتعد كثيرًا فيما يخصّ اللغة والأسلوب، وكذلك موضوعات جلّ القصص، فمن هذه الزاوية بقي الكاتب يدور في دائرة الهمّ بل الهموم الوطنية الفلسطينية على اختلافها، وهذا مُبرّر وغير مذموم بحكم شَرطَي الزمان والمكان اللذين يحكمان بدورهما الكاتب، بل ويتحكّمان فيه أحيانا.

ولكن هناك قفزتين قفزهما الكاتب، وشكّلَتا تطورًا في التكنيك القصصي لديه، بل قد يُحسبان له في سجلّ نبذ التقليدية في كتابة القصة القصيرة، وإثبات مَلمح تجديدي، ربما لم يسبقه فيه أحد على الأقل في “قطاع غزة”، فيما قرأته لكُتّاب (قدامى ومحدثين)، وهذا زعمٌ لا أثبته على سبيل الحكم القاطع، حتى لا نُتَّهم بالتحيّز، ونُرمى بالتزيُّد. أما الأول فهو الحوار الذي يتّخذ مستويات شتى له (قصة المجذاف)، فالحوار كتكنيك في هذه القصة يتنقل وبسلاسة بين القارب والزوجة والبحّار، في مزج حواري قد يُضلِّل القارئ غير المُدقّق ويخلط بين المتحاورين، هذا فضلًا عن الحوار الذي ينتقل من البحر إلى البرّ والعكس… وقبل هذا الحوار بين البحّار والريّس وفي الثنايا بين الأمّ المُتبرّمة وأطفالها المنتظرين.

والثاني هو إلزام نفسه بما لا يلزم في بعض قصص المجموعة، حين يبدأ قصته التالية بجملة نهاية القصة السابقة عليها، كحجر أساس يبني عليه القصة الجديدة. وقد وظّف الكاتب عنصر الحوار في جميع قصصه توظيفًا يتناسب جماليًّا مع أحداث ومواقف ومشاهد القصص، لم يجعله طويلا ولم يمطّ فيه، ولم يجعل منه باعثًا للتوتر في الحدث المركزي، بالرغم من أن بعض الأحداث كانت ساخنة دراميًّا وتراجيديا.

لم يقدر الكاتب أن يهرب من التاريخ، تاريخه الشخصي على المستوى العائلي، (جده الشهيد خالد)، ولا المكاني (عسقلان الكنعانية/ قرية الجورة المهجرة سنة 1948، تل ريدان المشرف على شاطئ بحر خانيونس…).

لقد حكمته بل تحكَّمَت به النوستاليجا، هنا في قصة “التل والبحر شاهدًا” وهي عنوان المجموعة، والتي عدّها الكاتب واسطة عقد المجموعة، وهذا رأيه ولسنا ملزمين بالضرورة بالتوافق معه على ذلك. لقد سرد لنا القاصّ هنا بانفعال وحماسة حكاية ثلاثة بحّارة اختطفهم الاحتلال وادّعى أنه أرجعهم وجعل أهل القرية يبحثون عنهم بما فيهم الزوجة المنتظرة على أمل أن يعود زوجها (خالد) لكنه لم يعد، وإنما وجدوه مدفونًا في (تل ريدان) على شاطئ في خانيونس.

كان يمكن لهذه القصة أن تكون مُتناصّة مع قصة “بنيلوبي” اليونانية و”أوديس” البطل الملحمي في ملحمة هوميروس. كان يمكن توظيف تلك الحكاية / الأسطورة، لكن يبدو أنّ القاص لم يقرأ أو يطّلع على أوديسة (هوميروس) الذي عاد فيها (أوديس) إلى زوجه الوفية، وعاد بطلًا مُؤسطرًا بعد أن تخلّص من أعدائه كافة.

يشتهر أهل “جورة عسقلان” في فلسطين الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بأنهم مُروّضي بحرٍ وفُلك، وآكلون نهمون للسمك، ومن باب الدعابة يقال عنهم: إنهم يصنعون من رؤوس السّمك عوّامة، والعوّامة حلوى مُكورة ذهبيّة اللون، لذيذة الطعم، مُقرمشة تؤكل ساخنة.

ربما لهذا حضرت جلّ مفردات معجم البحر في قصص الكاتب: التل، البحر، المجذاف، الريس، الفلك، القارب، السمك، النورس، الزلف، الشباك، إلخ..  إنك وأنت تقرأ في قصص “علاء” تزكمك رائحة البحر، وتلفحك شمسه، ويلسعك هواؤه الليلي البارد، ويتطاير رذاذه عليك، وتلتصق رماله الرخوة بقدميك.

لا نستطيع أن ننكر ما حققته قصص “علاء أبو جحجوح” الطويلة نسبيًّا، على مستويات الموضوع والبنية والجماليات (المجذاف، التل والبحر، فيض من الذكريات، علي مصطفى، العيون الأربع…).

إن القصة القصيرة هي القصة القصيرة، إن طالت ماعت وانفلشت، وصار صعبًا لملمتُها؛ وعليه فإن قصصه الأخيرة (طرف المنديل، زهرية اللون، صورة للذكرى، أقرب للشمس) كانت بنيتها أكثر تراصًّا وتماسكًا، وجمالياتها أكثر بروزًا، وموضوعها أكثر جرأة في الطرح. فيها اجتمع الرمز الشفيف والتكثيف والإشارة والإلماح وتوتر الموقف، وفيها تخلّص القاص من زوائد البلاغة، وهذر الكلام..

إن قصص المجموعة، زوّدتنا بجرعات كافية من متعة التلقّي، وفي الوقت نفسه جعلتنا نفكر في مسألة أخرى: وهي التنبؤ والاستشراف، فهل كان الكاتب الذي عاش أجداده وآباؤه حقيقة، تجربة التهجير والنزوح يفكر بأنه سيتعرض للتجربة ذاتها هو وعائلته بعد صدور كتابه بنحو سنة، وبعد تدمير منزله، ما اضطره لنصب خيمة على تلٍّ صغير هو ما تبقّى من سافية عظيمة، قرب بحر خانيونس… ليشهد التل والبحر معا، مرتين على مآله المأساوي كما شهدا مرة قبل ستة وسبعين سنة ونيف على مآل الأجداد والآباء.

لقد غرس القاص علاء “أبو جحجوح”، في رمال خيمته، ريحانة وشتلة وردة الدفلى، فهل هي دعوة لتقبّل الحقيقة على مرارتها، أم هي دعوة لتأمل الجمال الحيّ في الريحانة ووردة الدفلى؟