الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

“شرشبيل” حين خرج من الشاشة

Author
زينب أمهز 09 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

إذا أردنا تأصيل الشرّ، فبنظري ربّما كان أول خيطٍ له حين تمرّد إبليس على الأمر الإلهي، فامتنع عن السجود لآدم، لا مجرّد عصيانٍ وحسب، إنّما كبرياء استعلن على الطاعة، فكان في ذلك كسرٌ لأول انسجامٍ بين الإرادة الإلهية والإرادة المخلوقة. ومن هذا الصدع الأول، تسلّل الشرّ كمنهجٍ يتكاثر، ثمّ حين وسوس لآدم، فغادر الجنّة، وبدأت الحكاية على الأرض حيث الامتحان والاختيار.

ثمّ ما لبث هذا الشرّ أن تجلّى في صورته الإنسانية الأولى، حين استبدّ الحسد بقلب قابيل، فغلبه الطمع، وأطفأ نور الأخوّة، فرفع يده على أخيه هابيل، لتُسفك أول قطرة دمٍ على وجه الأرض، وكأنّ التاريخ منذ تلك اللحظة يسير على حدّ هذا الجرح الأول.

وهكذا، لا يبدو الشرّ طارئًا على الإنسان، بل ممتدًا في جذور الحكاية البشرية، متغلغلًا في أعماق النفس الّتي جُبلت على ازدواجٍ دقيق؛ فهي ميدانٌ يتنازع فيه النور والظلمة، الخير والشر، الصفاء والكدَر. غير أنّ الإنسان، في جوهره، ليس أسيرًا لهذا الصراع، بل هو سيّد اختياره، يزرع في داخله ما يشاء أن يحصد، ويُنمّي من البذور ما يقرّر أن يسقيه.

فالسيطرة ليست حتمًا للشرّ ولا قضاءً للخير، بل هي ثمرةُ إرادةٍ ترجح كفّةً على أخرى؛ فإذا غذّى الإنسان جانب النور، أشرقت روحه واتّسعت إنسانيته، وإذا استسلم لعتمته، تمدّد فيه الشرّ حتى يستولي عليه. وهنا تكمن المأساة، وهنا أيضًا يكمن الخلاص.

أذكر حين كنّا صغارًا، كان الشرُّ بسيطًا… محدودَ الملامح، واضحَ الهيئة. كنّا نراه في وجه “شرشبيل” وهو يطارد السنافر، وفي مكائد القطّ في توم وجيري، وفي قسوة زوجة الأب في سندريلا…

كان الشرُّ آنذاك حكايةً تُروى، صورةً على شاشة، لا ندبةً في القلب. كنّا نخافه قليلًا… ثم نضحك، نغلق التلفاز، فنُغلق معه كلّ الشرور. لكنّنا كبرنا… فاكتشفنا أنّ الشر لم يكن يومًا حبيس الحكايات، وأنّه لم يمت بانتهاء الحلقة، بل خرج من الشاشة… وسكن الحياة. لم يعد شرشبيل مجرّد شخصية، ولا القسوة مجرّد دورٍ تمثيلي، بل صار للشر وجوهٌ كثيرة، نراها… ونصطدم بها… ونعيشها. ليته بقي كما عرفناه صغارًا… واضحًا، ساذجًا، يُهزم في نهاية كلّ حلقة.

لكنّه اليوم أكثر تعقيدًا… يختبئ في كلّ التفاصيل، وفي يومياتنا، ويتسلّل إلينا دون موسيقىٍ تحذيرية، ودون نهايةٍ عادلة. فما عدنا نشاهده… بل بتنا نعيشه. والسؤال هنا، هل هيمن الشر على العالم؟ وما دور المثقف في محاربته؟

إنّ المعضلة الأعمق ليست في تعريف الشر، بل في الإحساس به. فالإنسان عجولٌ بطبعه، ضيّق الأفق أمام لحظته، واسع التذمّر أمام ألمه؛ يرى في كلّ ما يؤذيه شرًّا مطلقًا، ولو كان في باطنه بذرة نجاة. كم من خسارةٍ بدت انهيارًا، فإذا بها بداية تشكّل! وكم من ألمٍ حسبناه لعنة، فإذا به يوقظ فينا ما كان نائمًا من وعيٍ وبصيرة! لكنّ الإنسان، في استعجاله، لا يمنح الزمن فرصة الكشف، فيحكم قبل أن تتجلّى الحقائق.

وفي زماننا هذا، يبدو المشهد أكثر قتامة من أيّ وقتٍ مضى. الحروب تتكاثر كأنّها عدوى، والدماء تسيل كأنّها لغة العالم الجديدة، والإنسان يُختزل شيئًا فشيئًا إلى رقمٍ في نشرات الأخبار، أو إلى صورةٍ عابرةٍ في ذاكرةٍ مثقلة. هنا، يتسلّل إلينا السؤال كطعنةٍ صامتة: أحقًّا هيمن الشر؟ أم أنّنا نحن الذين فقدنا القدرة على رؤية ما تبقّى من الضوء؟

إنّ ما نشهده اليوم ليس هيمنةً كونيةً للشر بقدر ما هو تضخّمٌ لآثاره. فالشرّ، بطبيعته، صاخبٌ، فاضحٌ، يفرض حضوره بقوة، بينما الخير هادئٌ، يعمل في الخفاء، لا يطلب ضجيجًا ولا يلهث خلف الاعتراف. لذلك يبدو الميزان مختلًّا في أعيننا، لأنّ صوت الخير خافتٌ في زمنٍ يعشق الصخب.

ومع ذلك، لا يمكن تبرئة الواقع. فالشر الذي نراه ليس وهمًا، بل نتيجة تراكماتٍ صنعها الإنسان بيديه: حين جعل من المادّة إلهًا، ومن المصلحة معيارًا وحيدًا، ومن القوة حقًّا مشروعًا. هناك، بدأ الإنسان يتخلّى عن معناه، وينقلب على فطرته، ويعيد تشكيل العالم وفق رغباته لا وفق إنسانيته. فلم يعد يسأل: هل هذا عادل؟ بل: هل هذا مفيد؟ ولم يعد يرى في الآخر إنسانًا، بل وسيلةً أو عائقًا.

ومن هنا، لا يعود الشر لغزًا غامضًا، بل نتيجة واضحة: إنّه ثمرة انحراف الإنسان عن ذاته، وانفصاله عن جوهره، وتمرّده على القيم الّتي تمنحه معناه. إنّه يبدأ صغيرًا، كفكرةٍ مبرّرة، أو كتنازلٍ بسيط، ثمّ يكبر حتى يغدو نظامًا، ثمّ يتحوّل إلى واقعٍ مألوف، وهنا تكمن الكارثة: حين لا يعود الشر صادمًا، بل عاديًّا.

خرجَ “شرشبيل” من قوقعة الشاشة… لا كما عرفناه، كائنًا هزليًا يطارد السنافر، بل خرجَ متضخّمًا، متوحّشًا، وقد تخلّى عن بساطته القديمة. لم يعد ذلك الشرير الكرتوني الذي كنّا نستهزئ به، ولا ذاك الذي يختبئ خلف ذرائع واهية، كأنّه ناسكٌ يطارد الخطايا السبع. بل صار كيانًا آخر… أكثر قتامة، وأكثر اتّساعًا. خرج وقد تشرّب كلّ شرور العالم، كأنّ في عروقه تجري لعنة “دراكولا”، ظمأٌ لا يرتوي، ونَهَمٌ لا يشبع من دماء الأبرياء. لم يعد فردًا… بل قوّة طاغية، تسعى للهيمنة، وتطحن كلّ من يقف في طريقها بلا تردّد.

وشرشبيل هذا… لا يُشبه ذاك الذي عرفناه، حتى ليخيّل إليك، وأنت تحدّق في هذا العالم، أنّ الخير صار استثناءً عابرًا، وأنّ الشر… هو المشهد الوحيد الذي لا يغيب.

لكن، ومع كلّ هذا السواد… ومهما بدا الخير وحيدًا، عاريًا من النُّصرة، متكئًا على صبره فقط، فإنّه لا يُهزم. سينتصر… لا لأنّ الطريق سهل، بل لأنّه الحقّ، ولأنّ جذوره أعمق من كلّ طغيان.

مهما طال الليل، ومهما عظمت التضحيات، يبقى فينا إيمانٌ لا ينطفئ، هذا إيماننا الرّاسخ، إنّ الدماء لن تذهب سدى، بل ستنبت ريحانًا… وشقائقَ نعمان، وأنّ الأرض، وإن أثقلها الظلم، لا تنسى كيف تُزهر. سيولد تمّوز من رماده، ويعود أدونيس من غيابه، ويخرج الخضر والمسيح… والقائم، كرموزٍ وأشخاص تتجدّد في كلّ زمن، تحمل في يدها وعد الخلاص، وفي عينيها نار اقتلاع الطغيان من جذوره. فصبرًا… صبرًا يليق بهذا الوعد، فما يرونه بعيدًا… نراه قريبًا.

في هذه اللحظة تحديدًا، يولد الدور الحقيقي للمثقف. فالمثقف ليس شاهدًا محايدًا على هذا الخراب، ولا مجرّد ناقلٍ له، بل هو ضميرٌ يقظ، وعينٌ ترى ما يُراد لها ألا ترى، وصوتٌ يعلو حين يُطلب منه الصمت. إنّه ذلك الذي يرفض أن يتكيّف مع القبح، أو أن يبرّر الانحراف، أو أن يعتاد ما يجب أن يُرفض.

وهنا أستذكر قول الإمام علي بن أبي طالب: “حينما سكت أهلُ الحقِّ عن الباطل، ظنَّ أهلُ الباطل أنهم على حق”، لذا لا يليق بالمثقف أن يقف مكتوفَ اليدين متفرّجًا، لئلّا يلتبس الحقُّ بالباطل. فأدنى ما يملكه وأعظمه أثرًا أن يصدح بكلمة حقٍّ في وجه الجور والطغيان؛ فهي سلاحه الذي لا ينفد، وصوته الذي لا يخبو، والكلمةُ الصادقةُ وإن بدت يسيرةً، فإن لها وقعًا يهزّ الساحات، وشهادةً تُدَّخر له يوم القيامة.

فمن مهام المثقف أن يكشف الأقنعة، أن يعرّي الزيف، أن يقول ما يُخشى قوله، وأن يضع الإنسان أمام حقيقته، مهما كانت موجعة. فالمعركة مع الشر ليست معركة سلاح فقط كما قلنا، بل معركة معنى وصراع وعي.

غير أنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحوّل المثقف نفسه إلى جزءٍ من المشكلة: حين يصمت خوفًا، أو يساوم طمعًا، أو يبرّر ضعفًا. عندها، لا يخسر دوره فحسب، بل يساهم في ترسيخ الشر، لأنّ صمته يمنح الظلم شرعية، وتردّده يفتح الطريق أمام المزيد من الانحدار.

ولذلك، فالمثقف الحقيقي هو من يختار أن يكون في صفّ الإنسان، في صفّ الحقيقة والقيم، لا في صفّ المصلحة والسلطة والمكاسب.  هو من يقاوم بكلمته، لأنّه يملك الإيمان بأنّ الكلمة قادرة على التغيير، وأنّ الوعي بداية كلّ تحوّل.

ورغم كلّ هذا السواد، يبقى الأمل قائمًا، بوصفه حقيقة يؤكّدها التاريخ. فما من ظلامٍ دام، وما من طغيانٍ استمرّ، وما من شرٍّ انتصر إلى الأبد. لأنّ في داخل الإنسان شيئًا عصيًّا على الانطفاء، شيئًا يعود كلّما حاولت الحياة أن تسحقه، شيئًا يُصرّ على النهوض، حتى من تحت الركام.

فالشرّ، مهما تعاظم، يظلّ طارئًا. أمّا الخير… فهو الأصل، وإن تأخّر ظهوره.

رابط دائم
https://elayem.news/fe0yf