الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

شهادة البكالوريا.. كيف تصنع الأسرة بيئة داعمة للنجاح والاستقرار النفسي؟

Author
إيمان عبروس 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعيش الكثير من الأسر الجزائرية هذه الأيام على وقع الاستعدادات لامتحان شهادة البكالوريا، أحد أبرز المواعيد التربوية في مسار التلاميذ، لما يمثله من محطة حاسمة نحو التعليم العالي وآفاق مهنية جديدة.

ويكتسي هذا الاستحقاق أهمية خاصة تجعله محل متابعة واهتمام من الأسرة والمدرسة والمجتمع، بالنظر إلى انعكاساته على مستقبل المترشحين وتطلعاتهم العلمية.

وفي خضم هذه الأجواء، تبرز أهمية المرافقة الأسرية باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في الأداء النفسي والمعرفي للمترشحين.

وحرصا منها على تحقيق النجاح والرغبة في توفير أفضل الظروف للمراجعة، تصبح الأسرة مطالبة بإيجاد التوازن بين الدعم والتحفيز من جهة، والحفاظ على الراحة النفسية للتلميذ من جهة أخرى، بما يساعده على خوض الامتحان في أجواء من الثقة والاطمئنان.

تحولات اجتماعية غيّرت طبيعة العلاقة بين الأولياء والأبناء

في هذا السياق، أكد الدكتور فوزي بن دريدي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الشريف مساعدية بسوق أهراس، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن المجتمع الجزائري عرف خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وقيمية عميقة انعكست بشكل مباشر على طبيعة العلاقات داخل الأسرة، وعلى أساليب مرافقة الأولياء لأبنائهم في مختلف المراحل الدراسية.

وأوضح المتحدث أن التلميذ في العقود الماضية كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية وتحمل المسؤولية، حيث اعتمد بشكل أساسي على جهوده الذاتية في التحصيل الدراسي، مع وجود دعم عائلي بسيط يقتصرعلى توفير الظروف الملائمة للمراجعة والمتابعة العامة لمساره التعليمي.

وأشار إلى أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها الأسرة الجزائرية ساهمت في ظهور أنماط جديدة من المرافقة الأسرية، حيث تحولت المتابعة في كثير من الأحيان إلى رقابة مكثفة ومستمرة، لا سيما خلال المراحل التعليمية الحساسة وعلى رأسها امتحان شهادة البكالوريا.

ويرى المتحدث أن هذا الأسلوب قد ينعكس سلبا على التلميذ، من خلال خلق ضغوط نفسية إضافية تزيد من مستويات التوتر والقلق، في وقت يكون فيه المترشح في أمس الحاجة إلى الشعور بالثقة والهدوء والاستقرار النفسي.

الدعم النفسي مفتاح النجاح

وأكد الدكتور بن دريدي أن أكثر ما يحتاجه المترشح خلال فترة الامتحانات هو الدعم النفسي والمعنوي، من خلال تشجيعه على بذل أقصى ما يستطيع وفق قدراته الحقيقية، مع ترسيخ ثقافة الاجتهاد والرضا بالنتائج التي تعكس مستوى الجهد المبذول.

وأوضح أن مطالبة التلميذ بتحقيق معدلات مرتفعة أو نتائج تفوق قدراته الفعلية قد تخلق لديه شعور بالخوف من الفشل، وهو ما يؤثر على تركيزه ويضعف أداءه خلال الامتحان.

وأضاف أن بعض الأسر أصبحت تنظر إلى نتائج البكالوريا من زاوية المقارنة الاجتماعية والتنافس بين العائلات، الأمر الذي يضاعف حجم الضغوط المسلطة على الأبناء، ويحول الامتحان من فرصة لإثبات الكفاءات إلى مصدر للقلق والتوتر.

كما يرى المتحدث أن السلوك الأكثر عقلانية يتمثل في ترك التلميذ يعمل وفق إمكاناته وقدراته، مع توفير مناخ إيجابي يساعده على استثمار معارفه ومهاراته بأفضل شكل ممكن.

البكالوريا حدث أسري واجتماعي بامتياز

من جهتها، أكدت زهرة فاسي، خبيرة في تقويم النظام التربوي، في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، أن امتحان شهادة البكالوريا أصبح يشكل حدثا بارزا داخل الأسرة الجزائرية ومحيطها الاجتماعي، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها هذا الموعد في الوعي الجماعي للمجتمع.

وأوضحت أن الاهتمام الكبير الذي يحيط بالمترشحين يعكس أهمية الامتحان ودوره في رسم ملامح المستقبل الدراسي والمهني للشباب، غير أن الإفراط في القلق والمتابعة المستمرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر على الحالة النفسية للمترشح.

وأشارت إلى أن العديد من التلاميذ يعيشون خلال هذه المرحلة تحت ضغط نفسي كبير نتيجة كثرة الأسئلة المتعلقة بالامتحان والتوقعات المرتفعة التي يضعها المحيط الأسري والاجتماعي، وهو ما قد يؤثر على قدرتهم على التركيز والاستيعاب.

الهدوء داخل البيت أساس الاستقرار النفسي

وشددت الخبيرة التربوية على أهمية توفير جو من الهدوء والسكينة داخل البيت خلال الأيام التي تسبق الامتحان، معتبرة أن الاستقرار النفسي يمثل أحد أهم عوامل النجاح.

وأكدت أن الأسرة قادرة على لعب دور إيجابي من خلال توفير أجواء مريحة تساعد التلميذ على التركيز، مع تجنب النقاشات المثيرة للتوتر أو إظهار مظاهر القلق والانفعال أمامه.

كما دعت الأولياء إلى اعتماد أسلوب التشجيع والتحفيز بدل التركيز على النتائج، بما يعزز ثقة الأبناء بأنفسهم ويمنحهم شعورا بالأمان النفسي خلال هذه المرحلة الحساسة.

تنظيم المراجعة وفق إيقاع متوازن

وفيما يتعلق بالتحضير الأكاديمي، أوضحت زهرة فاسي أن تنظيم أوقات المراجعة وفق برنامج متوازن يعد من العوامل المهمة التي تساعد على تحسين الأداء الذهني والحفاظ على التركيز.

وأشارت إلى أن المراجعة خلال ساعات النهار تمنح التلميذ قدرة أكبر على الاستيعاب والاسترجاع، خاصة عندما تتم وفق برنامج شخصي يتلاءم مع خصوصيات كل مترشح واحتياجاته المعرفية.

كما أكدت أهمية منح فترات راحة منتظمة تسمح باستعادة النشاط الذهني والجسدي، بما يضمن الحفاظ على مستوى جيد من التركيز خلال فترة التحضير للامتحان.

النوم والتغذية عنصران أساسيان للنجاح

ولفتت المتحدثة إلى أن النوم الكافي يشكل عاملا أساسيا في تعزيز الذاكرة وتحسين القدرات الذهنية، مشيرة إلى أن السهر المتواصل خلال الأيام الأخيرة قبل الامتحان قد ينعكس سلبا على التركيز والاستيعاب.

وأكدت أن الحصول على ساعات نوم منتظمة يساعد الدماغ على تثبيت المعلومات وتنظيمها، بما يرفع من فرص استرجاعها أثناء الامتحان.

كما شددت على أهمية الالتزام بنظام غذائي صحي ومتوازن، مع الحرص على تناول الوجبات المنزلية التي تضمن سلامة الغذاء وتجنب أي طارئ صحي قد يؤثر على جاهزية المترشح خلال فترة الامتحانات.

الحذر من النصائح المضللة عبر مواقع التواصل

وفي ظل الانتشار الواسع للمحتويات الرقمية، حذرت خبيرة تقويم النظام التربوي من الانسياق وراء الإعلانات والنصائح غير العلمية المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تلك المتعلقة بالمكملات الغذائية والمنشطات والفيتامينات.

وأوضحت أن اللجوء إلى أي دواء أو مكمل غذائي ينبغي أن يتم بناء على استشارة طبية متخصصة، حفاظا على صحة التلميذ وضمانا لسلامته.

وأضافت أن بعض المحتويات الرقمية قد تساهم في نشر معلومات مغلوطة تخلق مزيدا من القلق لدى المترشحين، في حين أن التحضير الجيد والتنظيم السليم للمراجعة يبقيان العاملين الأكثر تأثيرا في تحقيق النتائج المرجوة.

الأسرة والمدرسة.. شراكة من أجل النجاح

يرتبط نجاح التلميذ في امتحان البكالوريا بمنظومة متكاملة تتقاسم فيها الأسرة والمدرسة أدوارا متكاملة، أساسها توفير الدعم النفسي والتربوي الملائم.

فالأسرة تساهم في بناء الثقة والاستقرار النفسي، بينما تضطلع المؤسسة التربوية بدورها في التأطير البيداغوجي وتوجيه التلاميذ نحو أفضل أساليب التحضير والمراجعة.

كما تبرز أهمية الخطاب الإيجابي الذي يركز على قيمة الاجتهاد والمثابرة، ويعزز لدى التلميذ الشعور بأن الامتحان محطة مهمة في مساره الدراسي ضمن مسار طويل من التعلم والتكوين.

إذن تجمع آراء المختصين على أن النجاح في امتحان البكالوريا لا يرتبط فقط بحجم المراجعة والتحصيل العلمي، بل يتأثر أيضا بالاستقرار النفسي وجودة المرافقة الأسرية. فكلما نجحت الأسرة في توفير مناخ من الثقة والطمأنينة والتشجيع، ازدادت قدرة المترشح على استثمار معارفه ومهاراته في أفضل الظروف.

ومع اقتراب موعد الامتحان، يبقى الرهان الحقيقي في تحقيق التوازن بين الاجتهاد الدراسي والدعم النفسي، بما يسمح للتلميذ بخوض هذه المحطة المفصلية بثقة وهدوء واستعداد جيد لمستقبله الأكاديمي.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي