الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

شو.. بالع راديو؟!

Author
وحيد حمود 27 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

كانوا حين يريدون زجري وإسكاتي، يصرخون صرخة رجلٍ واحد: “شو بالع راديو”!. بتلك الجملة فقط كنت أترنّح كسكران وتتقطّب شفتاي فكأنهما منشرا غسيل متعاركان إثر اصطدامهما بثوبٍ مبتلّ. لم أكن قادرًا على أن أخبرهم بالحقيقة، فالراديو الذي يذكرونه أمامي، تصيبني لفظته بغثيانٍ غير محمود العواقب، مع رجفةٍ في اليد وخفقات قلبٍ سريعة، ذلك ما سمّاه العلماء “فوبيا”. من يدري؟ ربّما كانت فوبيا، ولكنّني تحسّنت مع مرور الوقت ولم تعد تلك التشنجات تأتيني بالحجم نفسه.

لست أنكر أنّني كنت – ولا أزال – ثرثارًا في لحظات السعادة الشديدة أو الحزن الشديد، وصموتًا كصنم في باقي الأوقات. إنّها متلازمة لم أجد لها تبريرًا علميًّا دقيقًا بعد، وربّما لن أجد، إذ إنّني لا أبحث أصلًا عن تبرير نفسي، هذا أنا وكفى.

منذ صغري، ترعرعت على أنّني لا أملك سوى الكلمات، لا ألعاب في طفولتي إلا التي أجدها مرميّةً بعد أن انقصف عمرها أو أصابها خلل ما، أو عانت من تشوّه خَلقي إثر عضّةٍ من كلب جارنا أو ابنه الذي لم يكن يقلّ كَلَبًا عن الكلب نفسه. لطالما وجدت الكتب مرميّةً وهي بحالٍ جيّدة، فتوصّلت إلى قاعدتي التي لا أزال مؤمنًا بها: كلّ شيء له ثمن إلا الكلمات، إنّها مجّانيّة، ولكن المهتمّين بها قليلون، وأنا مهتم.

في سن السادسة عشرة، كانت المرّة الأولى التي أنتقل فيها من مدينتي طرابلس اللبنانية إلى العاصمة بيروت، ولم يكن الانتقال بصفة دائمة أو من أجل رحلةٍ مسلّية، إنما من أجل العمل في شركةٍ لتركيب “ستاندات” المعارض. يقولون إنّ الطريق تعلّمنا أكثر من الحدث نفسه، وقد صدقوا بذلك كل الصدق، فالاستيقاظ عند الرابعة فجرًا والفرار من السرير إلى منطقة التل حيث تتجمّع باصات النقل إلى بيروت، كان من أسوأ الكوابيس التي لا تزال محفورةً في دماغي إلى اليوم.

في الخامسة من صباح كلّ يوم صيفي كان موعد الانطلاق، أركض ككلبٍ مسعور لكي ألحق بالباص قبل أن ينطلق، ألهث أمام صوت الرجل الواقف على الباب مناديًا بصوته الأجشّ كالمذياع: “بيرو.. بيرو.. بيرو.. بيرو..”.  هكذا من دون انقطاع، بنفَسٍ واحد، ومن دون أن يلفظ التاء، ففي تلك المنطقة يأكل الرجال أيّ شيء يمتّ إلى الأنوثة بصِلة، ولو كانت تاء التأنيث فلا بأس.

أجلس بقرب النافذة، أنظر إلى بائع الكعك الواقف على يمين الباص خلف عربته صائحًا: “كعّووووووووكة… كعّوووووووكة”. هذا راديو آخر أستمع إليه كلّ صباح، ثمّ أنتقل بأذنيّ إلى شخير الناس الذين يكبرونني بعقدين من الزمن على الأقل، وتصفعني رائحة العرق المتعفّن الذي يهبّ كلما رفع أحدهم يده من أجل شيء، فأُصاب بتلبّكٍ معويّ يجعلني كمن ابتلع حبّة “كبتاغون” فطار النوم من عينيه. في الطريق الطويل، كان الباص وكأنّه يتعلّم القفز لا السير، فيصيب المعدة بخضّاتٍ طويلة الأمد أظنّها تشبه عمليات المغص التي تصيب الحبالى قبل إخراج مولودهنّ، لكنّها لم تكن تجعلني سوى أكثر شحوبًا، في حين أنّها تُخرج من أحد النائمين ضرطةً يُسمع دويّها في الباص فتجد الآخرين يصيحون: افتحوا الشبابيك، بدأ القصف الكيماوي. يضحك أحدهم ويقول: “ولوووو عمَيتنا، شو متروّق عضام!” لم أكن أدري ما المضحك في الأمر.

في كلّ هذه المشاهد الرومنسية التي كنت أحياها كلّ يوم، كان صوت فيروز يخرج من المذياع: “تبقى ميّل تبقى اسأل/ متل الأوّل ضلّ اسأل/ الله لا يشغلّك بال/ وديلي منك مرسال… اسأل”.

أسدّ أنفي بباطن كفّي، وأقول: أين يا فيروز أنتِ أين.. لترَي آهِ لو ترَين/ شبحًا باسط اليدَين.. يسكب الهواء جدولَين جاريَين.

أكاد أجزم بأنّ كلّ الناس يحبّون فيروز حبّا جمّا، وأنا منهم، لكنّني في تلك الحالة كنت أشتمها وأشتم السائق وأشتم الذي تخاطبه عبر المذياع وأكفر بلغة الموسيقى كلها.

تخيّل أن تخرج من فم المذياع عبارات فيروز الناعمة يرافقها صوت ضراطٍ من آخر الباص أو رياحٍ خمسينيّة عفِنة من مؤخرة أحد النائمين.

كنت أستسلم في نهاية المطاف وأحاول أن أغفو كما الباقين ريثما نصل إلى الشركة، لكنّ صوت فيروز يعيد إلى الميت يقظته فجأةً حين يرفع السائق الصوت على أغنيةٍ لها مكانةٌ في قلبه: “وينن.. وينن.. وين صواتن وين وجوهن وينن/ صار في وادي بيني وبينن.. إيييييه وينن”. فأستيقظ قلقًا من غفوةٍ أحاولها لكي أشتم في سرّي مجدّدًا المذياع وفيروز والسائق “أبو كرش” كما كنت أسمّيه.

شهورٌ وسنوات مرّت، وظلّت تلك الحالة ترافقني، تقضّ مضجعي وتُقلق راحتي كلمات فيروز المحبّبة إلى قلبي كلما خرجت أمامي فجأةً، أعود إلى الباص في المخيّلة وتنقبض معدتي، وأحسّ أنّني سأفرّ إلى حيث لا صوت يُسمع. ذلك الراديو ابتلعته ولم أستطع أن أتقيّأ آثاره إلا بعد حين.

فيروز حبيبتي! أحبّكِ. ولكنّها الحياة، والحياة ليست راديو.

↑