السبت، 17 أكتوبر 2026 — 4 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

شيء ما يحدث لساعة الطبيعة.. أكتوبر الذي نسي فصله

Author
الأيام نيوز 01 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

كما في كل عام، يأتي أكتوبر في موعده المعتاد، ويطوي التقويم شهر سبتمبر، لكن الطبيعة لا تتبع دائما هذه الدقة. قد تتأخر شجرة في إنهاء موسمها، أو يغير طائر موعد رحيله، أو تظهر حشرة أبكر مما اعتادت، لأن لكل من هذه الكائنات إشاراتها التي تضبط علاقتها بالفصل. وهكذا يبقى أكتوبر في مكانه على التقويم، بينما تتحرك المواعيد من حوله؛ حتى إن السؤال قد لا يكون متى يبدأ أكتوبر، بل ماذا بقي من أكتوبر الذي عرفناه؟

ومع حلول اليوم الخميس، أول أيام أكتوبر، يتقدم الخريف في نصف الكرة الشمالي وتقصر ساعات النهار وتتجه نباتات كثيرة نحو المراحل الأخيرة من موسم نموها، بينما يستقبل النصف الجنوبي الربيع بطول نهار متزايد ودورة جديدة للنمو.

صنعت حركة الأرض حول الشمس وميل محورها هذا الإيقاع، وتعلمت الكائنات الحية التقاط إشاراته؛ فتنمو الأشجار ثم تدخل السكون، وترحل الطيور، وتضبط الحشرات دورات حياتها، فيما ترتبط الزراعة بمواعيد المطر والحرارة والبرودة.

غير أن الاحترار العالمي بدأ يغير توقيت عدد من هذه الأحداث، من دون أن تتغير الحركة الفلكية التي تصنع الفصول. وهنا تنشأ المفارقة: يصل الشهر في موعده، لكن بعض العلامات التي عرفها الإنسان معه قد تسبقه أو تتأخر عنه، وقد تختلف استجابة النباتات والحيوانات حتى داخل المنطقة الواحدة.

وتكشف دراسة حديثة نشرتها “Nature Communications” في جويلية الماضي جانبا لافتا من هذا التحول. فقد وجد باحثون أن طول موسم النمو، وخصوصا خلال الخريف، أدى دورا كبيرا في زيادة اخضرار الغابات خارج المناطق المدارية خلال العقدين الماضيين، وربطوا جانبا رئيسيا من هذا التحول بتغير المناخ وارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون.

وتضيف دراسة أخرى نشرت مطلع العام مستوى آخر من التعقيد إلى الصورة؛ إذ أظهرت أن تغير لون الأوراق وتوقف عملية التمثيل الضوئي لا يتحركان بالوتيرة نفسها مع تغير المناخ. وسجل الباحثون اتساع الفارق الزمني بين العمليتين، مدفوعا ببداية أبكر للربيع وارتفاع درجات الحرارة خلال الخريف.

الفصول تصنعها الأرض لا المسافة عن الشمس

يبدأ تفسير أكتوبر من الفضاء، لأن الفصول الأربعة ترتبط أساسا بميل محور دوران الأرض بنحو 23.4 درجة عن الخط العمودي على مستوى مدارها حول الشمس. وأثناء رحلة الكوكب السنوية، يميل أحد نصفي الأرض نحو الشمس بينما يميل الآخر بعيدا عنها، فتتغير زاوية وصول الأشعة وطول النهار وكمية الطاقة التي يتلقاها السطح.

لهذا يعيش نصفا الكوكب فصلين متعاكسين في الوقت نفسه. عندما يتقدم أكتوبر بالخريف في أوروبا وشمال آسيا وأمريكا الشمالية وأجزاء من شمال إفريقيا، يتحرك جنوب إفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية نحو الربيع. ولا يرتبط ذلك بابتعاد الأرض عن الشمس أو اقترابها منها، بل بزاوية ميل الكوكب أثناء دورانه السنوي.

وقد مر العالم قبل أيام، في سبتمبر، بالاعتدال الذي تستقبل عنده منطقتا نصف الكرة الشمالي والجنوبي كميات متقاربة من أشعة الشمس. ومن تلك النقطة يتجه الشمال تدريجيا نحو أيام أقصر حتى انقلاب ديسمبر، بينما يتحرك الجنوب في الاتجاه المقابل نحو أيام أطول، وفق الدورة التي تتكرر سنويا بسبب هندسة حركة الأرض.

لكن الفصل الفلكي لا يساوي بالضرورة الفصل المناخي أو البيولوجي. يستطيع الفلك تحديد لحظة الاعتدال بدقة، بينما لا تستطيع شجرة معرفة أن التقويم وصل إلى أكتوبر. تستجيب الكائنات الحية لمجموعة من الإشارات تشمل طول النهار والحرارة والرطوبة وتوافر المياه والبرودة التي سبقت الموسم، وتختلف أهمية كل إشارة بحسب النوع والمنطقة.

وهنا يميز خبير المناخ أديب الأسطى، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، بين الساعة الفلكية المرتبطة بحركة الأرض حول الشمس وميل محورها، والساعة البيولوجية التي تضبط بها النباتات والحيوانات دوراتها استجابة للبيئة. ويوضح أن الكائنات لا تقرأ التاريخ، وإنما تتفاعل مع الحرارة وطول النهار والمياه والرطوبة والأمطار وتراكم البرودة وتوافر الغذاء، ولهذا تستطيع بعض الأحداث الموسمية أن تتقدم أو تتأخر رغم ثبات موعد أكتوبر في التقويم.

ويطلق العلماء على دراسة توقيت الأحداث الدورية في حياة النباتات والحيوانات اسم “الفينولوجيا”. وتشمل هذه الأحداث موعد ظهور الأوراق والإزهار ونضج الثمار وتغير لون الأوراق وسقوطها، إلى جانب التكاثر والهجرة والسبات لدى الحيوانات، لذلك تشكل مواعيد الطبيعة شبكة واسعة من الساعات البيولوجية التي تعمل بالتوازي.

وهذه النقطة تحدد الفرق بين تغير الفصول وتغير مظاهرها. الاحترار العالمي لا يغير ميل محور الأرض ولا موعد وصولها إلى مواضعها المختلفة في المدار، لكنه يستطيع تغيير درجات الحرارة والأمطار والثلوج التي تستقبل بها منطقة ما فصلها، ثم تنتقل هذه التغيرات إلى النباتات والحيوانات والأنظمة البيئية.

خريف أطول يظهر في صور الأقمار الصناعية

تقدم الدراسة المنشورة في “Nature Communications” في 22 جويلية الماضي صورة واسعة لهذا التحول، بعدما حلل الباحثون سجلات طويلة لاخضرار الغطاء النباتي اعتمادا على الاستشعار عن بعد، إلى جانب شبكة من الكاميرات الأرضية. وحاول الفريق معرفة سبب ازدياد اخضرار أجزاء واسعة من اليابسة خلال العقود الأخيرة.

ووجد الباحثون مسارين رئيسيين وراء هذه الزيادة: إما أن يصل النبات إلى مستوى أعلى من الاخضرار خلال ذروة الموسم، أو أن يبقى موسم النمو نشطا مدة أطول. وأظهرت النتائج أن زيادة الحد الأقصى للاخضرار سيطرت في المناطق غير الغابية، بينما أدى طول موسم النمو دورا رئيسيا في غابات المناطق الواقعة خارج المدارين.

وتبرز أهمية النتيجة في الجزء المسؤول عن هذا الامتداد؛ إذ خلص الفريق إلى أن إطالة موسم النمو في الخريف أسهمت بقوة في زيادة اخضرار تلك الغابات. وربط التحليل هذا الاتجاه بتغير المناخ وارتفاع ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل نهاية موسم النمو عنصرا أكثر أهمية مما افترضته بعض نماذج الغطاء النباتي.

وكشف التحليل اختلافا واضحا في العوامل المهيمنة على الاخضرار بين المناطق؛ إذ شكّلت زيادة أقصى مستوى للاخضرار العامل الرئيسي في 44 بالمائة من مساحة الدراسة، خصوصا في الأراضي غير الغابية، بينما هيمن امتداد موسم النمو الخريفي في 36 بالمائة، وتركز أثره بدرجة كبيرة في الغابات خارج المناطق المدارية. وهيمن امتداد موسم الربيع في 17 بالمائة من المساحة، فيما توزعت النسبة الباقية على عوامل مرتبطة بسرعة النمو الربيعي والشيخوخة الخريفية.

وتنسجم الصورة العامة مع ما وثقته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عن التحولات الموسمية. فقد خلصت مراجعتها للأدلة إلى تقدم أحداث الربيع وإطالة مواسم النمو في المناطق المعتدلة، نتيجة البداية الأبكر للربيع وتأخر بعض أحداث الخريف بدرجة أقل، مع اختلاف الاستجابة بحسب المناطق والأنواع والفترات الزمنية.

ولا يعني طول موسم النمو بالضرورة أن كل نظام بيئي يحصل على مكسب صاف. بقاء الأوراق مدة أطول قد يزيد الفترة التي تستطيع النباتات خلالها التقاط الكربون، لكنه يزيد أيضا التنفس واستهلاك المياه، وقد تتداخل النتيجة مع الجفاف والحرارة وتوافر المغذيات، لذلك يحتاج العلماء إلى حساب عدة عمليات قبل تحديد أثر الموسم الأطول.

وهنا تصبح عبارة “أكتوبر يتغير” أكثر دقة: الشهر نفسه لا يتحرك، لكن بعض العمليات التي اعتاد الإنسان رؤيتها خلاله تتغير مواعيدها. وفي مناطق من النصف الشمالي قد تبقى النباتات نشطة مدة أطول، بينما تستطيع مناطق أخرى مواجهة الجفاف أو الحرارة بطريقة تدفع النباتات إلى إنهاء نشاطها مبكرا بدل تأخيره.

الأوراق الخضراء لا تعني دائما أن الشجرة ما زالت تعمل

تضيف دراسة نشرتها “Communications Earth & Environment” في 24 جانفي الماضي طبقة أخرى إلى هذا المشهد، بعدما قارن الباحثون خلال الفترة 2001-2021 بين تغير لون الأوراق وتوقف التمثيل الضوئي في الأنظمة البيئية الشمالية. وأظهرت النتائج أن الحدثين اللذين يبدوان للعين جزءا من عملية واحدة يستطيعان الانفصال زمنيا.

اعتمد الفريق على قياسات عبر الأقمار الصناعية لمتابعة اخضرار النباتات، واستخدم أيضا إشارات مرتبطة بنشاط الكلوروفيل لتقدير استمرار التمثيل الضوئي. ووجد أن تغير لون الأوراق يحدث عموما بعد توقف النشاط الضوئي، وأن الفارق بين الموعدين ازداد خلال فترة الدراسة، ما يجعل اللون وحده مؤشرا غير كامل على نهاية النشاط النباتي.

وربط الباحثون اتساع هذه الفجوة بعاملين رئيسيين: البداية الأبكر لموسم النمو وارتفاع حرارة الخريف. فبداية الربيع في وقت أبكر تؤثر في توقيت ذروة النمو وامتصاص الكربون خلال الموسم، بينما تؤخر الحرارة الخريفية المرتفعة العمليتين بدرجات مختلفة، مع تأخير أكبر قليلا لتغير لون الأوراق، فتزداد المسافة الزمنية بين الموعدين.

وتوضح هذه النتيجة سبب صعوبة اختزال تغير الفصول في موعد سقوط الأوراق. قد تبدو الشجرة خضراء للعين، بينما يكون نشاطها في امتصاص الكربون قد تراجع بالفعل. ويعني ذلك أن الأقمار الصناعية والنماذج المناخية تحتاج إلى متابعة الوظيفة الفسيولوجية للنبات إلى جانب اللون حتى تحدد بدقة نهاية موسم النمو.

وتصل المسألة من هنا إلى دورة الكربون، لأن النباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون عبر التمثيل الضوئي وتطلق جزءا منه عبر التنفس. وإذا تغير توقيت توقف هاتين العمليتين بدرجات مختلفة، فقد تختلف حصيلة الكربون عن التوقع البسيط الذي يفترض أن بقاء الأوراق خضراء فترة أطول يعني بالضرورة امتصاص كمية أكبر من الكربون.

وتحذر دراسة 2026 من أن اتساع الفارق بين تغير اللون وتوقف التمثيل الضوئي قد يزيد خسائر الكربون المرتبطة بالتنفس في بعض الأنظمة، وهي نتيجة تهم نماذج المناخ وإدارة الغابات. ويؤكد ذلك أن الخريف الأطول بصريا لا يساوي دائما موسما أطول بالدرجة نفسها من حيث النشاط البيولوجي.

لكل كائن ساعته.. والمواعيد لا تتحرك معا

لا تعتمد جميع الكائنات على الإشارة الموسمية نفسها. بعض النباتات يستجيب بقوة للحرارة، بينما يؤدي طول النهار دورا أكبر لدى أنواع أخرى، وتدخل الأمطار والرطوبة والثلوج ضمن المعادلة في بيئات مختلفة. لذلك لا تنتقل الأنواع كلها إلى موعد جديد بالسرعة نفسها عندما ترتفع درجات الحرارة أو تتغير أنماط الهطول.

وتكمن أهمية هذا الاختلاف في أن الطبيعة تعتمد على علاقات زمنية دقيقة. تحتاج حشرة إلى ظهور أوراق نبات معين، ويحتاج طائر إلى وصوله في فترة تتوافر خلالها الحشرات التي تغذي فراخه، بينما تعتمد نباتات على ملقحات تظهر في مرحلة محددة. وقد يؤدي تحرك أحد المواعيد أسرع من الآخر إلى اضطراب العلاقة بين الطرفين.

ويشرح الأسطى أن القضية لا تتعلق فقط بحدث طبيعي أصبح يأتي أبكر أو لاحقا، بل بالعلاقة الزمنية بين الكائنات التي تعتمد على بعضها. فإذا بدأ نبات مرحلة من نموه في وقت أبكر، بينما لم يتحرك موعد ظهور الحشرات التي تتولى تلقيحه بالقدر نفسه، قد تنشأ فجوة بين الطرفين. وينطبق الاحتمال ذاته على الطيور إذا تغير موعد وفرة غذائها بسرعة تختلف عن توقيت هجرتها أو تكاثرها.

أديب الأسطى خبير المناخ
أديب الأسطى خبير المناخ

ويشير إلى أن علماء البيئة يسمون هذه الحالة “عدم التزامن الفينولوجي”، موضحا أنها لا تعني انهيار النظام البيئي تلقائيا، لكنها تشير إلى احتمال تراجع التطابق الزمني بين علاقات استقرت خلال فترات طويلة. ومن هنا يهتم الباحثون بموعد كل ظاهرة وبمدى استمرار توافقها مع الظواهر التي ترتبط بها.

وتشير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن النباتات والحشرات والطيور غيرت توقيت أحداث موسمية عديدة استجابة للحرارة المتغيرة، لكن الأنواع لا تستجيب بالمقدار نفسه. وقد وثق العلماء حالات تقدمت فيها ذروة وفرة الغذاء أسرع من توقيت تكاثر بعض الطيور، ما أثار مخاوف من ظهور فجوات زمنية داخل السلاسل الغذائية.

ولا تسير النتيجة دائما في اتجاه الضرر نفسه، إذ تستطيع بعض الأنواع تعديل سلوكها والاستفادة من موسم أطول، بينما قد تواجه أنواع أخرى صعوبة أكبر في اللحاق بتغير مواردها الغذائية. وتشير الأدلة العلمية إلى اختلافات واسعة بين الأنواع والمناطق، وهو ما يجعل التنبؤ باستجابة نظام بيئي كامل أكثر تعقيدا من متابعة الحرارة وحدها.

ويزداد الأمر تعقيدا خلال الخريف لأن نهاية الموسم تعتمد على عوامل متعددة. تستطيع الحرارة المرتفعة إبقاء بعض النباتات نشطة فترة أطول، بينما يدفع نقص المياه أنواعا أخرى نحو إنهاء نشاطها مبكرا. وقد يعتمد حيوان مهاجر على طول النهار الذي لا يتأثر بالاحترار، فيما يتحرك مصدر غذائه استجابة لدرجة الحرارة.

لهذا لا تعني عبارة “اختلال مواعيد الطبيعة” أن ساعة واحدة كانت تضبط جميع الكائنات ثم تغيرت. الأدق أن شبكة من الساعات البيولوجية تستجيب لإشارات مختلفة، وأن تغير المناخ يعدل بعض هذه الإشارات أكثر من غيرها، الأمر الذي يستطيع تغيير التزامن الذي نشأ داخل الأنظمة البيئية عبر فترات طويلة.

ويفسر هذا أيضا سبب اهتمام العلماء بعلم الفينولوجيا بوصفه مؤشرا على التغير المناخي. يستطيع موعد الإزهار أو ظهور الأوراق أو الهجرة أن يسجل استجابة حية لما يحدث في البيئة، فيما تكشف السلاسل الزمنية الطويلة ما إذا كان الحدث الموسمي يتحرك تدريجيا مقارنة بالمواعيد التي سجلها الباحثون خلال العقود السابقة.

موسم أطول لا يعني بالضرورة موسما أفضل

قد يبدو تمدد موسم النمو خبرا جيدا للوهلة الأولى، خصوصا في المناطق الباردة التي تحد درجات الحرارة فيها من الزراعة والنشاط النباتي. ويستطيع الدفء أن يطيل الفترة المناسبة لنمو بعض المحاصيل أو يسمح للنباتات بمواصلة نشاطها مدة إضافية، لكن هذه الفائدة المحتملة تعتمد على المياه والتربة والحرارة القصوى والآفات.

وتستطيع الفترة الدافئة الأطول أن تزيد أيضا نشاط بعض الحشرات والآفات أو تغير توقيت انتشار حبوب اللقاح، بينما قد يؤدي النمو المبكر في الربيع إلى تعريض النباتات لصقيع متأخر إذا عادت البرودة بعد فترة دافئة. لذلك لا ترتبط قيمة الموسم بطوله وحده، بل بتوزيع الظروف الملائمة داخله.

وتؤثر التحولات الموسمية أيضا في المياه، لأن النباتات التي تبقى نشطة مدة أطول تستمر في سحب الرطوبة من التربة وإطلاق الماء إلى الغلاف الجوي عبر النتح. وفي المناطق التي تواجه جفافا أو نقصا في الهطول، قد تصبح الزيادة في مدة النشاط عبئا إضافيا على الموارد المائية بدل أن تمثل مكسبا بيئيا صافيا.

أما بالنسبة إلى الكربون، فتزداد الحسابات تعقيدا مع النتائج الجديدة التي تفرق بين اخضرار الأوراق واستمرار التمثيل الضوئي. تستطيع النباتات الاحتفاظ بأوراقها مدة أطول من فترة نشاطها الكامل، فيما يستمر التنفس وإطلاق ثاني أكسيد الكربون، لذلك يحتاج العلماء إلى معرفة ما تفعله النباتات خلال الأيام الإضافية، لا عدد تلك الأيام وحده.

وتساعد هذه التفاصيل على تفسير اهتمام الباحثين بتحسين نماذج الغطاء النباتي العالمية. فقد وجدت دراسة “Nature Communications” أن النماذج التي اختبرها الفريق قللت من الدور الذي يؤديه تغير توقيت المواسم في اخضرار الأرض، ونسبت قدرا أكبر من الاتجاه إلى زيادة كثافة الاخضرار، مقارنة بما أظهرته بيانات الاستشعار عن بعد.

ولا يبقى الأمر داخل المختبرات والنماذج؛ إذ تعتمد إدارة الغابات والزراعة ومراقبة الحرائق والآفات على معرفة بداية مواسم النمو ونهايتها. وكلما تغيرت هذه المواعيد، احتاجت المؤسسات إلى تحديث افتراضاتها بشأن المياه والمحاصيل والغطاء النباتي، بدل الاعتماد على متوسطات تاريخية تفترض ثبات الإيقاع الموسمي.

وتظهر هنا أهمية أكتوبر بوصفه نافذة لمراقبة التغير، لا بوصفه شهرا يحمل خصائص واحدة في العالم كله. ففي أجزاء من النصف الشمالي يمثل مرحلة انتقال نحو السكون، بينما يحمل الربيع إلى النصف الجنوبي، وتختلف داخل كل نصف كرة استجابة المناطق المدارية والمعتدلة والقطبية والصحراوية.

ويحذر الأسطى من اختزال هذه التحولات في تصور يقول إن أكتوبر سيتحول إلى صيف أو إن الخريف سيختفي؛ إذ تختلف الاستجابات بحسب المنطقة والنوع والظروف المحلية. وقد يتأخر سقوط الأوراق في منطقة، بينما يحدث مبكرا في أخرى بسبب الجفاف أو موجة برد. ويرى أن الصورة المقبلة قد تتجه نحو إعادة ترتيب تدريجية ومتفاوتة للمواعيد البيولوجية داخل الأنظمة البيئية، بدلا من تحرك موحد للموسم في اتجاه واحد.

أكتوبر يبقى في مكانه.. والطبيعة تعيد ترتيب مواعيدها

لن يتوقف تعاقب الفصول بسبب تغير المناخ، لأن القوة التي تصنع الدورة السنوية تأتي من ميل محور الأرض وحركتها حول الشمس. وسيعود الاعتدال والانقلاب إلى مواعيدهما الفلكية عاما بعد عام، فيما سيبقى أكتوبر خريفيا في النصف الشمالي وربيعيا في النصف الجنوبي وفق هذا التعريف.

لكن التقويم الفلكي يمثل طبقة واحدة من معنى الفصل، بينما تصنع الحرارة والأمطار والثلوج والنباتات والحيوانات طبقته التي يعيشها الإنسان على الأرض. وهذه الطبقة الثانية تتحرك بالفعل في مناطق عديدة، وتوثق الدراسات بداية أبكر لبعض أحداث الربيع وامتداد مواسم النمو وتغير توقيت أحداث الخريف.

وتقدم دراسة جويلية 2026 دليلا حديثا على حجم الدور الذي يؤديه الخريف في هذه التحولات، بعدما ربطت جزءا مهما من اخضرار غابات المناطق خارج المدارية بإطالة موسم النمو الخريفي. وتدفع هذه النتيجة العلماء إلى الاهتمام بنهاية الموسم بقدر اهتمامهم ببدايته، وبما يحدث للنبات بعد انتهاء الصيف.

وتزيد دراسة جانفي الصورة دقة عبر إظهار أن علامات الخريف نفسها قد تفترق؛ فتغير اللون وتوقف التمثيل الضوئي لا يحدثان في اللحظة ذاتها، وقد اتسعت المسافة بينهما خلال العقدين اللذين شملتهما الدراسة. وبذلك يصبح تحديد “نهاية الخريف البيولوجي” أصعب من اختيار تاريخ واحد على التقويم.

ولا يحتاج العالم إلى استبدال أسماء الشهور أو إعادة رسم التقويم حتى يرى أثر هذا التحول. تظهر التغيرات في موعد نمو الورقة وسقوطها، وفي طول الموسم، وفي هجرة بعض الحيوانات، وفي الفترة التي تستمر خلالها النباتات في استهلاك المياه وتبادل الكربون مع الغلاف الجوي.

لهذا يحمل اليوم الأول من أكتوبر سؤالا علميا أكبر من دخول شهر جديد. التقويم يخبرنا بموضعنا في السنة، والفلك يحدد موقع الأرض في رحلتها حول الشمس، لكن الطبيعة تمتلك تقويمها الخاص الذي تصنعه الحرارة والضوء والماء والعلاقات بين الكائنات، وهذا التقويم لا يبقى ثابتا عندما يتغير المناخ.

وقد يكون التغير الأهم أقل وضوحا من اختفاء فصل كامل أو انقلاب الشتاء إلى صيف؛ إذ يحدث عبر أيام تتحرك تدريجيا من مكانها المعتاد، وربيع يبدأ أبكر في مناطق، وخريف نباتي يمتد أكثر في أخرى، وعلاقات بيئية تحاول أنواعها المختلفة التكيف مع إيقاع جديد بسرعات غير متساوية.

↑