شيء من المال والأعمال..

ليس لأنك لعبت وكسبت وربحت، يعني أنك الأذكى ولا الأدهى، ولكن قد يكون غيرك غبيا.. وليس لأنك واقف على قدميك يعني أنك قويا، ولكن قد يكون غيرك متخاذلا غافلا مستكينا.. وليس لأنك فتحت أبوابك جاءك الرزق يسعى، ولكن قد يكون غيرك أغلق أبوابه.. وليس لأنك الأجرأ والأشجع، ولكن قد يكون غيرك متهاونا جبانا.. بهذه الصور المتقابلة المتناظرة المتناثرة يتحدد منطق الربح والخسارة في عالم المال والأعمال، وطبعا وراء كل ذلك وأمامه، قدر الله وقضاؤه في توزيع الأرزاق والأموال والأرباح، على من يشاء من عباده.

لا شك أن الإسلام هو دين الفضيلة والرحمة والطهر والعلاقات الإنسانية الرفيعة، وهو قبل ذلك وبعده دين الله الذي ارتضى لصفوة خلقه ممن هدى واصطفى، وجعل منهم أمة وسطا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والبغي، دستورهم في ذلك القرآن الكريم ونهجهم سنة خير الأولين والآخرين محمد –صلى الله عليه وسلم-.. وصدق الفاروق –رضي الله عنه- إذ قال؛ كنا قوما أذلة أعزنا الله بالإسلام، ما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله..”.. فلا حلال إذا إلا ما أحل الإسلام، ولا حرام إلا ما حرم الإسلام.

ولما لم يكن للإسلام أرجل ولا أيدٍ ولا ألسن ولا أذان، فقد سخر الله لدينه من الرجال رهبانا وفرسانا، لحمل الرسالة وتأدية الأمانة في حدود النصوص النازلات والأدلة الماحقات والأحكام العادلات.. ولعل من أرحم رحمات الله عز وجل على عباده، أن جعل رجاله من البشر يجتهدون مرة فيصيبون فلهم أجران، ثم يجتهدون مرة أخرى فيخطئون فلهم أجر واحد.. وهذه آية أخرى من دلائل عظمة الإسلام ورحابة صدره وبعد نظره.. فلماذا إذا نحمل النصوص المقدسة ما لا تحتمل، فمرة نفسرها تفسيرا ضيقا ضيق صدورنا، ومرة نُؤَولها تأويلا بائسا بؤس عقولنا، وأخرى نفهمها فهما هزيلا هزال معارفنا..؟!

إن تعطيل العقل وقمع الرأي المخالف وتسفيه الفكر المنفتح، جرم لا يُغتفر في حق الإسلام والإنسان والحضارة؛ “ما دخل اليهود من حدودنا، ولكن تسربوا كالنمل من عيوبنا..”.. وليس عيبا أعظم وأشنع من تكميم الأفواه، وقطع الألسن وغلق أبواب الاجتهاد، وسد منافذ النقاش والنقد والحوار، خاصة في هذا الزمن الذي تتعرض فيه الأمة بأسرها، إلى شتى أنواع الاضطهاد/الغزو/الإرهاب الفكري والأدبي والثقافي وكذلك الديني والأخلاقي.

وحتى لا يأخذ مقالنا هذا بعدا فقهيا/دينيا، رغم أنه شرف لا ندعيه، فإننا نود الخوض في موضوع المال والأعمال وما يعتري هذا النشاط الاقتصادي/الإنساني من شبهات الربا والسحت والاحتيال، وكثيرا من الممارسات التي حرم الله: “وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم..”.. ذلك أن الملايين من المسلمين يجدون أنفسهم في حرج كبير، وهم يقصدون البنوك من أجل الاستدانة لدفع تكلفة منزل، أو شراء سيارة أو تأسيس مشروع استثماري.. لأن البنوك في هذه الحالة ستفرض عليهم دفع فائدة معينة متفق عليها مسبقا، وهذه الفائدة محل شبهة ربوية من منظور فقهي/ديني.. أضف إلى حرج الملايين هؤلاء، حرج آلاف الموظفين الصيارفة الذين يكسبون عيشهم من هذه الوظائف “الربوية”، فهل الملايين هؤلاء والألوف معرضون لحرب من الله ورسوله..؟ إن كان الجواب بنعم، فأين المفر من غضب الله..؟ وإن كان بلا، فلما التضييق على الأمة والناس بحاجة إلى الأموال استهلاكا واستغلالا واستثمارا..؟

لابد من الوقوف على المعنى الحقيقي للنقد المعاصر والذي هو في الاصل لم يُنشأ إلا للدفع وحفظ القيم، على اعتبار أن قيمته المادية إسمية فقط  -valeur faciale-، ليست جوهرية/ذاتية- -valeur intrinsèque- كما كان الامر عليه أيام كان سك النقود من المعادن الثمينة، والتي على اثرها تتحدد قيمة النقد وزنا وحجما وشكلا.

بمعنى ابسط، أن الدينار الذهبي القديم لا يتعدى وزنه خمسة غرامات ذهب، يعادل بالدينار الجزائري خمسا وعشرين ألف دينار. ثم أن قيمة الدينار الذهبي القديم ثابتة لا تتغير، وأما الخمس وعشرون ألف دينار جزائري، فقيمتها متناقصة بفعل ظاهرة التضخم الطبيعي.

من زاوية أخرى.. عندما أُنشئ الدينار الجزائري العام 1964م، بدأ بقيمة واحد دينار يساوي 0.18 غرام ذهب.. يعني أن خمسة دنانير أيامها كانت تعادل ما يقارب واحد غرام ذهب. أما الآن، فقد أصبحت قيمة واحد غرام ذهب تعادل خمسة آلاف دينار وأكثر.. فبقدر ما نقول بأن الدينار قد فقد من قيمته الأصلية، نقول كذلك بأن الذهب قد حافظ على قيمته الحقيقية.. وظاهرة التآكل الطبيعي لقيمة النقد، تمس بكل العملات العالمية من دون استثناء، بغض النظر عن قوة الاقتصاد هنا أو هناك.

إن سحب العملة منذ ظهور البنوك المركزية كمؤسسات نقدية -سكا وطباعة- يعتمد على بيانات ومعطيات مالية اقتصادية جد محددة، بحيث تكون فعالية الاداء الاقتصادي -انتاجا وانتاجية- من اهم دعائمها. وعليه، فقد اصبح الثراء لا يحدده حجم الكتلة النقدية المتداولة، وانما يتحدد بقيمة النقد المتداول ومدى ثباته ومحافظته على التوازنات المالية الكبرى، أمام الهزات والأزمات التي قد يمر بها اقتصاد هذا البلد او ذاك، أو بالأحرى، الاقتصاد العالمي برمته، في زمن الانفتاح والعولمة.

وتبعا لما سلف، فإن الفريق القائل بربوية الفوائد المصرفية، وأغلب هؤلاء أصحاب الفتاوى السلطانية فم ممالك الريع التي يعتمد اقتصادها بالأساس، لا على النظرية العلمية التي تقدس الجهد وتبجل الحركة وتدعم الابداع والابتكار، ولكن يعتمد على عوائد الثروات الطبيعية التي لا جهد ولا ذكاء ولا فضل في وجودها إلا لله وحده.

هؤلاء لم يتغير خطابهم اتجاه ظاهرة الفوائد مذ عرفوا البنوك وذاك عهد ليس ببعيد، معتمدين منذ البدء على تفاسير القاعدة الفقهية القائلة؛ بأن كل زيادة محددة مسبقا على رأس المال، سواء بالأخذ أو بالعطاء، فهي من قبيل الربا المحرم شرعا.. وكل قرض جر منفعة أو زيادة.. وما إلى ذلك، لكن قبل أن نسلم بهذه الفتوى ونأخذ بها دون نقاش، لابد لنا من أجوبة صريحة مقنعة حول مسائل مختلفة، نحسبها مهمة في هذه القضية؛

  • تقييم رأس المال: بما يمكن تقدير رأس المال في عصرنا هذا؛ بالدينار، بالأورو، بالين، بالدولار.. بأية عملة يمكن ذلك…؟ مع العلم أنه مهما تكن قوة العملة التي يتسمى بها رأس المال، فإنها تتعرض إلى ما يعرف بالتضخم، كظاهرة وجدت مع ظهور الاقتصاد النقدي، حيث يفقد النقد من قيمته بنسبة منتظمة في الظروف الطبيعية، وبالتالي فإن نسبة الفائدة التي لا تتجاوز نسبة التضخم، فهي لا تعد زيادة أو ربحا بقدر ما هي هامش مضاف للحفاظ على القيمة الحقيقية لرأس المال.
  • الشخصية المعنوية: ما حكم الفقه فيما يتعلق بالشخصية المعنوية -الاعتبارية-..؟ والتي أصبحت في عصرنا هذا كيانا ذا شأن كبير في احتكار مصادر التمويل وملكية رأس المال.. ثم أن هذا الكيان “الافتراضي” صار يتمتع بحقوق الشخصية الطبيعية ويتحمل التزاماتها اتجاه الغير -من منظور النصوص القانونية الوضعية طبعا-، فهي بذلك، أي الشخصية المعنوية، تكون قد استحالت عبئا فقهيا، يوجب النظر وإعادة النظر في شكل ومضمون وهيئة وعلاقات هذا الكيان مع الآخر.
  • أسواق المال وتداول القيم “البورصات”: ما موقف فقهاء الاقتصاد الاسلامي من هذه الظاهرة الاقتصادية، خاصة وان نشاطها يبقى متعلقا بالقيم المنقولة وتوظيف الأموال في نشاط استثماري “وهمي” غير فعلي.. مع العلم أن هذه الأسواق كانت سببا مباشرا في جمود ثم انهيار النظام الاقتصادي العالمي.
  • ما موقف فقهاء تحريم الفوائد البنكية من الذين يجمعون الأموال عن طريق ما يسمى “البنوك الإسلامية”، ثم يصرفونها في تمويل مشاريع ونشاطات اقتصادية وانسانية غير إسلامية، بل ومعادية للإسلام أمة وتاريخا وحضارة.. وبخاصة النشاط الإعلامي، من خلال قنوات العري والاستهتار بالقيم والاخلاق الاسلامية.. ما موقف هؤلاء من ربط قيم عملات بلدانهم بقيمة الدولار الامريكي او ما يعرف “بزواج المتعة” المالي، الذي يحد من السيادة المالية والاقتصادية لهذه الدول… ثم، هل نظام المرابحة المعتمد من قبل هذه البنوك في شكله الميداني، حقا هو نظام إسلامي..؟

في الجهة المقابلة يقف فريق آخر يبيح ما حرم الفريق الأول، حيث يستمد هذا الفريق حججه من فتاوى قال بها علماء أجلاء، بداية بالعلامة محمد عبده وانتهاء بالإمام الأكبر سيد طنطاوي. ففي سنة 1903م كلفت الحكومة المصرية لجنة من علماء الأزهر لدراسة موقف الشرع من حوافز أو مكافأة التوفير في صندوق توفير البريد، وصدر نتيجة لهذه الدراسة، نظام خاص بهذا النمط الجديد من أنماط الادخار والاستثمار. وبعرضه على الإمام الشيخ محمد عبده بصفته وقتئذ مفتي الديار المصرية، وافق عليه مؤكدا قوله أن الحكمة في تحريم الربا ألا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير، بخلاف المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي، والتي لولاها لفاتتهما المنفعة معا، فإنها لا تدخل في معنى الربا المحرم شرعا.

وفي هذا السياق سار فضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق، مؤكدا شرعية فوائد دفاتر توفير البريد. وفي التسعينيات من القرن الماضي، أفتى الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي وقت أن كان مفتيا لجمهورية مصر، بشرعية عوائد شهادات استثمار البنك الأهلي المصري، حيث أنها تمثل مدخرات المجتمع، وهي بنص قانونها لا تستثمر إلا في التنمية الاقتصادية للوطن، وبعائد مضمون من الدولة، ففيها النفع الكبير لكل من الدولة وصغار المدخرين. وفي28 نوفمبر سنة 2002م أصدر مجمع البحوث الإسلامية، وهو أكبر مرجعية إسلامية في العالم، فتواه بشأن شرعية العوائد/الفوائد التي تؤديها البنوك إلي الأفراد الذين يقدمون أموالهم ومدخراتهم لاستخدامها واستثمارها لحسابهم في معاملات مشروعة، مقابل ربح يصرف لهم ويحدد مقدما في مدد يتفق مع المتعاملين معه عليها، فإن هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها، حيث لم يرد نص في كتاب الله أو السنة النبوية تمنع هذه المعاملة، والتي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما، مادام الطرفان يرتضيان ذلك، وتعود عليهما بالنفع.

ليعود مرة أخرى شيخ الأزهر ورئيس مجمع البحوث الإسلامية محمد سيد طنطاوي، إلى موضوع الفوائد المصرفية في رده على سؤال لإحدى المجلات الإسلامية قائلا؛ إن فوائد البنوك والمصارف المالية المحددة مسبقاً مباحة شرعاً ولا تعد من الربا المحرم.. لأن ذلك يأتي من باب الرحمة والسعة على المسلمين.

صحيح أن عالم الاقتصاد اليوم بحاجة إلى أخلقة أدواته وأنسنة أهدافه، وصحيح كذلك أن عالم المال والأعمال في هذا العصر يحتكم إلى لغة لا تمييز فيها بين حلال وحرام، ولا فرق عندها بين طاهر ونجس، شعارها في ذلك؛ الثروة لا رائحة لها ولا لون.. لكن، ليس كل الممارسات المالية والنماذج المتداولة تعد رجسا وقذارة، بل التجارب البشرية مليئة بالنماذج الطاهرة الناجحة والتجارب الصحيحة، إلا أنها تبقى من سعي الإنسان الضعيف الذي يعتري حراكه القصور والنقص، وهنا يتحتم على المسلمين، ومن منطلق أنهم أصحاب رسالة وحضارة وأخلاق، أن يتحملوا المسؤولية الأدبية والمعنوية في تطهير هذه النشاطات من شوائب الربا والسحت والنصب والاحتيال، ومن كل الموبقات التي كثيرا ما تلازم حركة الأموال وتنقلها بين الدائن والمدين.

ولن يتأتى لهم ذلك –طبعا- إلا بطرح البديل العلمي الناجع والنافع الدامغ للنماذج والتجارب الإنسانية الأخرى، خاصة والعالم يمر بسلسلة من أخطر الهزات والأزمات المالية. كما أن العالم لا يمكن أن يسمع لرأي المسلمين في ظل الفرقة والتشرذم والانقسام، خاصة على هذا المستوى الحساس والدقيق؛ مستوى الفقه والفكر والتأويل للنص المقدس، قرآنا كان أو صحاح الأحاديث النبوية الشريفة.