2025.01.13
 صبر الشعب يتآكل والمخزن يحتمي بالانجازات الوهمية..  2026 تطل على المغرب من فتحة نفق حديث الساعة

صبر الشعب يتآكل والمخزن يحتمي بالانجازات الوهمية.. 2026 تطل على المغرب من فتحة نفق


سلمى عماري
05 يناير 2026

مع دقات العام الجديد، لا يبدو أن المغرب يطوي صفحة سنة ثقيلة ليبدأ أخرى أكثر إشراقا، بل يدخل 2026 مثقلا بإرث من الأزمات المفتوحة والخيبات المتراكمة. تقارير إعلامية مغربية اختارت أن تخلع قفاز المجاملة، كاشفة بلهجة لاذعة واقعا لا تخفيه لغة الخطابات، ولا تُجمّله بلاغات "الإنجازات". بلد يسوق فيه المخزن مواطنيه إلى مزيد من الصبر القاتم، بينما تتسع الفجوة بين الطبقات الغنية والفئات الشعبية المحرومة، ويغلي الشارع بالغضب المتزايد، وتتحول الوعود الرسمية إلى مادة للسخرية، لا يرى لها الناس أثرا سوى في ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.

بين خطاب يتحدث عن "معجزات" اقتصادية، وشارع يواجه الغلاء والبطالة والضرائب والديون، تتعطل الثقة وتشتد المواجهة. فالدولة، بدل معالجة الجرح، تبدو منشغلة بتضميده بالقمع والاعتقالات، فيما تتراكم الفضائح، ويتغوّل الفساد، ويغلق الأفق السياسي على مجتمع لم يعد يقنعه اللعب بالأرقام ولا لغة الخشب. هكذا يستقبل المغربيون عاما جديدا تحت سقف التحذير، حيث تُنذر القرارات القادمة بمزيد من الأعباء، وتلوح في الأفق وصفات تقويم هيكلي جديد، تجعل الغضب المؤجل أقرب إلى الانفجار من أي وقت مضى.

يرى المحلل السياسي المغربي، عبد الحي نجاري، في تصريحاته لـ"الأيام نيوز"، أن الخطاب الرسمي في المغرب يمرّ اليوم بأزمة مصداقية حقيقية، لم تعد مرتبطة فقط بمضمون الرسائل الحكومية، بل بطريقة إنتاجها وتوقيت طرحها وانفصالها شبه التام عن الواقع الاجتماعي المتأزم. ويؤكد نجاري أن "الشارع المغربي لم يعد يناقش التفاصيل التقنية للخطاب، بل يحاكمه على أساس النتائج الملموسة، وهو امتحان فشل فيه الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة".

ويضيف نجاري أن الفجوة بين الوعود المعلنة والواقع المعيشي اتسعت بشكل غير مسبوق، خاصة مع ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الإحساس بانسداد الأفق الاجتماعي، وهو ما جعل لغة "الإنجازات" تفقد تأثيرها التعبوي. ويقول في هذا السياق: "حين يتحدث المسؤول عن أرقام نمو أو برامج دعم، بينما المواطن لا يجد انعكاسا لذلك في قوته اليومي، فإن الخطاب يتحول تلقائيا من أداة إقناع إلى مصدر استفزاز".

ويعتبر المحلل السياسي نجاري عبد الحي أن الإشكال لا يكمن فقط في ضعف التواصل، بل في غياب رؤية سياسية واضحة تُقنع الشارع بأن التضحيات موزعة بعدالة. فبحسبه، "المغربيون يشعرون اليوم بأنهم مُطالَبون دائما بدفع ثمن الأزمات، عبر الضرائب ورفع الدعم، في مقابل استمرار الامتيازات والريع وغياب المحاسبة، وهو ما ينسف أي قابلية لتصديق الخطاب الرسمي مهما كان منمقا".

ويحذر نجاري من أن الاعتماد المفرط على لغة الأرقام والبلاغات التقنية، دون الاعتراف بحجم الأزمة الاجتماعية، يفاقم القطيعة بين الدولة والمجتمع. ويؤكد أن "الشارع لم يعد ينتظر خطابات تبريرية، بل اعترافا صريحا بالأخطاء، ومصارحة حول الخيارات الاقتصادية، وإشارات واضحة على تغيير حقيقي في طريقة تدبير الشأن العام".

كما يشير إلى أن محاولة مواجهة الغضب الاجتماعي بأدوات أمنية أو قضائية تُعدّ، في نظره، مؤشرا إضافيا على عجز الخطاب الرسمي عن أداء وظيفته الأساسية. ويقول: "حين تعجز اللغة عن الإقناع، يتم اللجوء إلى منطق الردع، وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه العلاقة بين السلطة والمجتمع، لأنه ينقل الأزمة من مستوى اجتماعي قابل للاحتواء إلى مستوى سياسي مفتوح على كل الاحتمالات".

ويخلص عبد الحي نجاري إلى أن استعادة ثقة الشارع لا تمر عبر تغيير الخطاب فقط، بل عبر تغيير السياسات ذاتها. فحسب تعبيره، "الخطاب ليس سوى مرآة للفعل السياسي، وإذا بقي هذا الفعل أسير نفس الاختيارات ونفس مراكز النفوذ، فلن يكون لأي خطاب، مهما كان قويا، القدرة على إقناع شارع يعيش يوميا تناقضا صارخا بين ما يُقال وما يُعاش".

الديون والضرائب.. إلى متى يتحمل الشارع المغربي كلفة الأزمات؟

يرى الناشط السياسي الريفي محمد شراك، في تصريحاته لـ"الأيام نيوز"، أن مسألة الديون والضرائب لم تعد موضوعا تقنيا أو ماليا محضا، بل تحوّلت إلى عامل ضغط اجتماعي وسياسي يهدد الاستقرار الداخلي. ويؤكد شراك: "المغربيون يعيشون اليوم تحت وطأة سياسة تحميل الكلفة نفسها للفئات ذاتها، دون أي أفق واضح للخروج من دائرة الاستدانة، وهو ما يجعل السؤال عن الانفجار الاجتماعي سؤالا مشروعا وليس تهويليا".

ويشير شراك إلى أن تصاعد المديونية العمومية، مقرونا بتوسع الوعاء الضريبي على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة، خلق شعورا عاما بالاختناق. ويقول: "حين يصبح المواطن مطالبا بتمويل عجز الميزانية، وإنقاذ مؤسسات فاشلة، وتحمل آثار سوء التسيير، في وقت تُحمى فيه الامتيازات ويستمر الريع، فإن الصبر يتحول من قيمة اجتماعية إلى عبء غير قابل للاستمرار".

ويعتبر الناشط الريفي أن الخطر لا يكمن فقط في حجم الديون، بل في طبيعة الخيارات المرتبطة بها، خاصة الارتهان المتزايد لوصفات المؤسسات المالية الدولية. ويوضح: "التقويم الهيكلي الجديد، مهما تغيّر اسمه، يعني عمليا مزيدا من رفع الدعم، ومزيدا من الضرائب غير المباشرة، وتقليصا للإنفاق الاجتماعي، وهي وصفة أثبتت تاريخيا أنها تشعل الاحتقان بدل معالجته".

ويحذر شراك من أن استمرار هذا المسار دون نقاش مجتمعي حقيقي يفتح الباب أمام فقدان كامل للثقة بين الدولة والمواطن. ويضيف: "المغربيون لا يرون في الديون استثمارا في المستقبل، بل عبئا مؤجلا سيدفعون ثمنه هم وأبناؤهم، في ظل غياب الشفافية حول أهم سؤال: أين تذهب هذه الأموال ومن يستفيد منها؟".

كما يربط شراك بين الضغط الجبائي المتصاعد واتساع الهوة الاجتماعية، معتبرا أن السياسات الحالية "تُعاقب من يلتزم بالقانون، بينما تُكافئ التهرب والاحتكار". ويقول في هذا السياق: "لا يمكن الحديث عن عدالة ضريبية في بلد يُطلب فيه من المواطن البسيط شدّ الحزام، بينما تُمنح الاعفاءات لمهربي الأموال، وتُحصّن شبكات النفوذ من أي مساءلة".

ويضيف: "الانفجار الاجتماعي لا يحدث فجأة، بل يتراكم بصمت، عبر الإحساس اليومي بالظلم وغياب الأفق وانسداد قنوات التعبير". ويرى محمد شراك أن مؤشرات هذا التراكم باتت واضحة في الاحتجاجات القطاعية، والغضب الصامت في الهوامش، وتراجع الثقة في الوعود الإصلاحية، معتبرا أن تجاهل هذه الإشارات "مقامرة خطيرة بمستقبل السلم الاجتماعي".

ويشدد شراك على أن الخروج من هذا المأزق يقتضي تغييرا جذريا في المقاربة، يبدأ بإقرار عدالة ضريبية حقيقية، وربط الاستدانة بمشاريع منتجة ذات أثر اجتماعي ملموس، وفتح ملفات الفساد والريع دون انتقائية. ويختم بالقول: "دون ذلك، ستظل الديون تتراكم، والضرائب تتصاعد، والغضب يكبر… إلى أن يعيد الشارع خلط كل الأوراق".