الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

صدى الحفرية وسؤال التاريخ.. ثورة فرموس تجمع الباحثين في ملتقى الآثار القديمة بالعاصمة

Author
هارون عمري 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شهد المتحف العمومي الوطني للآثار القديمة، بالعاصمة انطلاق فعاليات الملتقى الوطني الأول، حول موضوع “ثورة فرموس في ضوء الأبحاث الأثرية الحديثة بمنطقة الصومام ولاية بجاية”، الممتد في الفترة ما بين الثاني والثالث من جوان، ويأتي هذا الحدث الأكاديمي البارز بتنظيم مشترك بين معهد الآثار بجامعة الجزائر 2 والمتحف العمومي الوطني للآثار القديمة، وتحت رعاية وزارة الثقافة والفنون ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبمساهمة الغرفة الفاعلة لمديرية الثقافة والفنون لولاية بجاية.

ويهدف الملتقى إلى تسليط الضوء على المعطيات الميدانية والتحليلات الأثرية لثورة القائد الموري “فرموس” ضد السلطة الرومانية في القرن الرابع الميلادي، مبرزاً الأهمية البالغة لوادي الصومام كحاضنة للمقاومة الشعبية ومجال حيوي للبحث التاريخي المستدام والتنقيب العلمي الجاد‏.

وقد حظي هذا الملتقى باهتمام أكاديمي واسع، بالنظر إلى القيمة المعرفية للأوراق البحثية المقدمة والتصريحات المهمة التي واكبت جلساته العلمية، حيث أوضح الكاتب والمترجم عبد المالك رفاس لـ”الأيام نيوز”، القيمة النضالية الكبيرة لهذا القائد التاريخي، مستنداً إلى قراءته وترجمته لكتاب “تاريخ نوميديا وموريطانيا” للمؤرخ الفرنسي لويس لاكروا، ومؤكداً في حديثه: “فرموس كان رجلاً مؤثراً ونشطاً وماهراً، يجمع كل الشروط الضرورية لدوره المهم، ويوضع في تاريخ مقاومة إفريقيا ضد روما بذكائه وشجاعته فوق تاكفاريناس وبجوار يوغرطة”‏.

ومن جانبه، ربط الباحث والمختص في حفظ الآثار وحمايتها، صدام حسين سرايش، بين عمق هذا الإرث الوطني وأهمية التعاون الدولي المعاصر لصونه من التهديدات، مؤكداً، في قراءته لـ”الأيام نيوز”، أن حماية الذاكرة الإنسانية تتطلب تضافر الجهود العلمية والدبلوماسية، ومشيراً إلى أن المبادرات والاتفاقيات المشتركة تبرز الالتزام الدولي بدعم المؤسسات الجزائرية، وموضحاً في سياق حديثه: “التعاون القائم بين البلدين يشمل عددًا من المشاريع الثقافية والعلمية المهمة، على غرار دعم عمليات ترميم ضريح إمدغاسن، وإطلاق منصة تراثي المخصصة لمكافحة نهب الممتلكات الثقافية، وتعزيز المبادرات الإقليمية الخاصة بمواجهة تهريب الآثار، إضافة إلى إنشاء أول مخبر للرقمنة بالمتحف الوطني متحف الباردو”‏.

إعادة بناء الأحداث التاريخية في ضوء الشواهد الأثرية لوادي الصومام

يأتي تنظيم هذا الملتقى الوطني الأول كاستجابة علمية مهمة تهدف إلى دراسة وتحليل المعطيات الميدانية المرتبطة بثورة فرموس، وتثمين دور الدراسات الأثرية في إعادة صياغة وبناء الأحداث التاريخية لمنطقة شمال إفريقيا‏.

وقد شكلت منطقة وادي الصومام بولاية بجاية موضوعاً أساسياً للدراسات الاستعمارية التي حاولت تقديم المنطقة كفضاء خالٍ من الشواهد الأثرية والتطور الحضاري، تماشياً مع أطروحات استهدفت التقليل من عمق الهوية الوطنية‏.

كاتدرائية سانت سالسا، تيبازة

وتأتي الأبحاث الأثرية الحديثة لتقدم معطيات ملموسة تؤكد استمرارية الاستقرار البشري بالمنطقة، وتثبت مكانتها ضمن الفضاءات الحضارية الفاعلة في تاريخ المغرب القديم‏.

وقد ركز الأساتذة والباحثون المشاركون في اللجنة العلمية والتنظيمية للملتقى، والذين تقدمهم الرئيس الشرفي للملتقى، الأستاذ الدكتور السعيد رحماني، مدير جامعة الجزائر 2، والمشرف العام، الأستاذ الدكتور عثمان مفتاح، والسيد عزالدين عنتري، مدير المتحف الوطني للآثار القديمة، على أهمية التدخل العلمي الاستعجالي الذي تم لحماية الموقع الأثري “ملاكو” (يترا قديماً) سنة 2014‏.

البتراء (ملاكلو)، حصن فيرموس

هذا التدخل شكل تحولاً بارزاً في مسار البحث الأثري بمنطقة وادي الصومام، وحوّل مسار الطريق السيار الذي كان يهدد الموقع، مسفراً عن اكتشافات أثرية مهمة أدت إلى تصنيف الموقع ضمن قائمة التراث الوطني، تلتها اكتشافات لمواقع أثرية أخرى ذات أهمية بالغة مثل “أت هنو” و”تزريبت آث حنو”‏.

الحركية العسكرية لثورة فرموس واستراتيجية المقاومة الشعبية

تكتسي شخصية فرموس أهمية تاريخية بالغة بالنظر إلى قدرته العالية على التعبئة والتنظيم في مواجهة الإمبراطورية الرومانية‏.

وفي هذا السياق، يذكر الكاتب والمترجم عبد المالك رفاس لـ”الأيام نيوز”: “أن شخصية فرموس تعد من أبرز الشخصيات المقاومة التي عرفتها إفريقيا الرومانية خلال القرن الرابع الميلادي، وقد حظيت بمكانة خاصة في كتاب تاريخ نوميديا وموريطانيا منذ العصور القديمة إلى غاية مجيء الوندال إلى إفريقيا للمؤرخ الفرنسي لويس لاكروا، الذي قام بترجمته إلى العربية”‏.

ويضيف رفاس في تحليله المستند إلى المصادر الكلاسيكية: “أن المصادر التاريخية تصف فرموس بأنه قائد مورِيّ ذو نفوذ واسع وذكاء عسكري كبير، حتى إن بعض المؤرخين وضعوه في مصاف كبار قادة المقاومة الإفريقية ضد روما، إلى جانب يوغرطة وتاكفاريناس، بالنظر إلى ما أبداه من شجاعته وقدرته على تعبئة القبائل الإفريقية في مواجهة السلطة الإمبراطورية”‏.

ويشير الباحث إلى أن تمرد فرموس سنة 371 ميلادية جاء في سياق صراع داخلي على النفوذ داخل أسرة والده “نوبيل”، أحد كبار زعماء القبائل الموريطانية، قبل أن يتحول النزاع العائلي إلى مواجهة مفتوحة مع الإدارة الرومانية التي سعت إلى ملاحقته، ما دفعه إلى حمل السلاح والدعوة إلى الثورة العارمة‏.

اتساع رقعة الثورة وحرب المناورات في التضاريس الجبلية الصعبة

شهدت ثورة فرموس انتشاراً سريعاً وتجاوباً كبيراً من القبائل المحلية نتيجة لحالة التذمر السائدة تجاه السياسة الرومانية الحاضرة في المنطقة‏.

كوربيتا، سفينة تجارية كانت تستخدم لتزويد روما بالإمدادات

ويوضح الكاتب عبد المالك رفاس، لـ”الأيام نيوز”، تفاصيل هذا الامتداد قائلاً: “إن الثورة سرعان ما اتسعت لتشمل أجزاء واسعة من موريطانيا القيصرية ونوميديا، مستفيدة من حالة التذمر التي كانت تسود العديد من القبائل المحلية تجاه الحكم الروماني، وهو ما جعل الإمبراطور فالنتينيان الأول يكلف أحد أبرز قادته، الكونت ثيودوسيوس، بقيادة حملة عسكرية واسعة لإخماد التمرد”‏.

 

ويستطرد رفاس في سرد المجريات الحربية مؤكداً: “أن المواجهة بين فرموس وثيودوسيوس لم تكن مجرد حرب تقليدية، إنما اتسمت بحرب حركة ومناورات معقدة في تضاريس جبلية صعبة، حيث استفاد فرموس من معرفته الدقيقة بالمجال الجغرافي ومن دعم عدد من القبائل المورية، معتمداً على أساليب الكر والفر والمفاوضات المؤقتة لكسب الوقت وإعادة تنظيم قواته”‏.

ويلفت الكاتب إلى أن الرواية التاريخية لهذه الأحداث تكشف حجم المقاومة الشرسة التي واجهها الرومان في شمال إفريقيا، وتبرز بوضوح قدرة القيادات المحلية على تنظيم حركات تمرد واسعة أقلقت السلطة الإمبراطورية الرومانية لسنوات طويلة‏.

حماية التراث الأثري كجزء من الأمن الإقليمي والذاكرة الوطنية

ترتبط مخرجات الأبحاث الأثرية والمناقشات العلمية الجارية في الملتقى بمسألة حماية الذاكرة والممتلكات الثقافية من التهديدات المعاصرة‏.

وفي هذا الإطار المنسجم مع تطلعات صون الإرث الوطني، أكد صدام حسين سرايش، المختص والباحث في حفظ الآثار وحمايتها، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”: “أن زيارة القائم بالأعمال بالسفارة الأمريكية بالجزائر، مارك شابيرو، تعكس أهمية التعاون الدولي في مجال حماية التراث الثقافي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الممتلكات الثقافية عبر العالم”‏.

ويشير سرايش، في معرض حديثه، إلى الخلفيات الأمنية والاستراتيجية لحماية التراث قائلاً: “إن تجديد مذكرة التفاهم لسنة 2024 بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الجهود المشتركة الرامية إلى صون التراث الثقافي الجزائري وحمايته من مختلف أشكال التهديد والاتجار غير المشروع”‏.

ويضيف الباحث: “أن الجانب الأمريكي شدد، خلال هذا اللقاء، على العلاقة الوثيقة بين حماية التراث الثقافي والأمن الإقليمي، باعتبار أن تهريب الآثار لم يعد مجرد جريمة ثقافية، إنما أصبح نشاطًا عابرًا للحدود تستفيد منه شبكات الجريمة المنظمة وبعض التنظيمات الإرهابية في تمويل أنشطتها”‏.

التقدير الدولي للمقاربة الجزائرية في صون المعالم التاريخية

تأتي الشهادات الدولية لتعزز مكانة الجزائر كشريك محوري في صيانة الذاكرة الإنسانية ومكافحة تهريب الممتلكات الأثرية.

ويشرح الباحث صدام حسين سرايش هذا البعد الاستراتيجي لـ”الأيام نيوز” موضحاً: “أن الجزائر تحظى بتقدير دولي متزايد في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب عبر القارة الإفريقية، وهو ما يجعلها شريكًا محوريًا في المبادرات الرامية إلى حماية التراث الثقافي ومواجهة شبكات الاتجار غير المشروع بالممتلكات الأثرية”‏.

ويؤكد سرايش في ختام تصريحه أن المشاريع العلمية الجارية تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون البنّاء، حيث قال: “إن هذه المبادرات تبرز التزام الشركاء الدوليين بدعم قدرات المؤسسات الجزائرية المختصة في حماية التراث، وتفتح آفاقًا جديدة لتجسيد مشاريع ثقافية مشتركة تسهم في الحفاظ على الإرث التاريخي والحضاري الذي يمثل جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة”‏.

 

ويسهم هذا التكامل بين البحث الأثري الميداني والتعاون الدولي في تحقيق أهداف الملتقى الرامية إلى تعزيز أهمية المواقع الأثرية المحلية، وإدماجها الفعال في مسارات البحث العلمي، والتعليم الجامعي، والمسار السياحي المستدام لمنطقة بجاية وعموم الوطن‏.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"