2025.01.13
صراع التحالفات وفوضى التمزّق الداخلي... اليمن في صميم مؤامرة \ حديث الساعة

صراع التحالفات وفوضى التمزّق الداخلي... اليمن في صميم مؤامرة "إسرائيل الكبرى"


راضية زبانة
06 يناير 2026

في أعماق البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، تتقاطع مصالح عدة أطراف في معركة لا تحسمها الدبابات أو الطائرات، إذ تتحرك الأطراف بصمت لتشكيل موازين القوة بعيدا عن الأضواء، وهكذا تتحكم التحالفات العابرة في المسارات البحرية، بينما تضطر الدول الإقليمية التقليدية، مثل السعودية ومصر إلى التراجع عن دورها الاستراتيجي، دون الانزلاق نحو صدام مباشر. وفي هذه البيئة المعقدة، تعود قضية "الجنوب" اليمني لتتصدر المشهد، ويُعد الحوار المرتقب في الرياض، نقطة التقاء بين أجندات القوى الكبرى والمصالح المتشابكة للقوى المحلية. ويبقى السؤال: هل سيمهّد هذا الحوار لمعالجة جذور الأزمة، أم سيكتفي بتأجيل الخلافات المستعصية؟

يصرح الأستاذ باسم عساف لـ"الأيام نيوز" بأن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم لا يمكن اعتباره مجرد أزمات عابرة أو أحداثا عفوية، بل هو تنفيذ مدروس لخارطة طريق رسمتها الولايات المتحدة الأمريكية لتلبية تطلعات الكيان الصهيوني ضمن مشروع "إسرائيل الكبرى".

ويؤكد عساف أن الهدف الأساسي من هذه المخططات هو إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، وإضعاف الدور التقليدي للدول المؤثرة مثل السعودية ومصر، وتحويل مراكز النفوذ إلى تحالفات عابرة تخضع لقيادة القوى الخارجية، بعيدا عن إرادة الدول نفسها.

ويشير عساف إلى أن اليمن أصبح نموذجا حيا لهذه الاستراتيجية المعقدة، إذ تم تقسيمه فعليا إلى شطرين: شمالي يخضع لأنصار الله المدعومين إيرانيا، وجنوبي يُدار من خلال مشاريع انفصالية مدعومة ضمن أطر إقليمية وخارجية.

ويضيف أن انسحاب الإمارات من الصراع في الجنوب يمثل جزءا من إعادة توزيع الأدوار داخل المشروع الأمريكي - الإسرائيلي، بحيث يتم تفريغ الدور الاستراتيجي للسعودية دون مواجهة مباشرة. وهكذا، لم يعد اليمن مجرد قضية داخلية، بل أصبح أداة لإعادة رسم النفوذ البحري والسياسي في البحر الأحمر وخليج عدن، وربط الأمن الإقليمي بالمصالح الدولية الكبرى.

ويصف عساف هذه الخطوة بأنها "إقصاء بلا ضجيج"، إذ تُدار التحولات الكبرى في التوازنات الإقليمية بطريقة تدريجية، تجعل القوى الإقليمية التقليدية لاعبين ثانويين، بينما تُترك الساحة مفتوحة للتحالفات الخارجية لتقرر مستقبل المنطقة.

ويشير إلى أن كل أزمة في المنطقة - سواء في اليمن أو سوريا أو العراق ولبنان - ليست سوى حلقات مترابطة ضمن خطة استراتيجية تهدف إلى السيطرة على الموارد الحيوية والممرات المائية، وخلق واقع إقليمي جديد يخدم مصالح القوى الأمريكية والصهيونية.

ويخلص عساف إلى أن فهم هذا السياق الاستراتيجي هو مفتاح قراءة المشهد في الشرق الأوسط. إذ لم يعد التعامل مع الأزمات على أساس كل حالة منفصلة كافيا، بل يجب إدراك أن هذه الأزمات حلقات مترابطة ضمن مشروع طويل المدى لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية.

وفي هذا الإطار، يصبح التحدي الأكبر للدول الإقليمية التقليدية هو حماية دورها واستعادة نفوذها، ومنع أن تتحول الأزمات إلى أدوات لتفكيك سيادتها، وضمان عدم تمرير مشاريع "إسرائيل الكبرى" تحت ستار إدارة الأزمات دون مواجهة مباشرة.

القاهرة والدور الاستراتيجي في البحر الأحمر وخليج عدن

يؤكد إيهاب نافع، رئيس وحدة العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، لـ"الأيام نيوز" أن القاهرة لديها رؤية واضحة للتعامل مع أي تهديد يمس دورها الاستراتيجي في البحر الأحمر، وتدرك جيدا المساعي الرامية لتصعيد التدخل الخارجي والتحالفات العابرة في المنطقة.

ويشير نافع إلى أن مصر تمتلك عدة عوامل تمكنها من التعامل مع هذا الملف بحزم، أبرزها امتلاكها سادس أكبر قوة بحرية في العالم، وربط سلامة أمن البحر الأحمر بالأمن القومي المصري، المرتبط بالممر العالمي الحيوي قناة السويس.

ويؤكد نافع أن القاهرة لن تسمح بأي تهديد للسلامة الإقليمية، مشيرا إلى علاقاتها القوية مع دول مجاورة مثل السودان وجيبوتي والصومال، وأن أمن مصر يبدأ من باب المندب. كما تسعى القاهرة إلى دعم جهود توحيد اليمن، ما يجعلها منخرطة مباشرة في التدخل السياسي والأمني لضمان استقرار المنطقة.

ويشير نافع إلى أن التنسيق المصري - السعودي يمثل عنصرا محوريا لضمان أمن وسلامة البحر الأحمر، موضحا أن اللقاءات المباشرة بين قيادتي البلدين، بما في ذلك استقبال الرئيس المصري لوزير الخارجية السعودي شخصيا، تؤكد التزام القاهرة والرياض بضمان استقرار المنطقة ومنع أي تصعيد قد يؤثر على الأمن القومي المصري وعلى الملاحة الدولية.

وتطرق نافع إلى الدور المصري في تعزيز التوافق العربي - العربي، خاصة من خلال تقريب وجهات النظر السعودية والإماراتية بشأن الأزمة اليمنية. ويشير إلى أن هناك مساعي لعقد قمة تجمع ولي العهد السعودي برئيس الإمارات في القاهرة، بما يعكس الدور المصري في محاولة تسوية الخلافات وضمان أمن البحر الأحمر ومواجهة أي محاولات اختراق خارجي للمنطقة.

حكومة صنعاء وأنصار الله.. القوة الفاعلة في المشهد اليمني

يصرح أحمد البحري، المحلل السياسي اليمني، لـ"الأيام نيوز" بأن الواقع اليمني اليوم يعكس حالة معقدة منذ أكثر من عشر سنوات، حيث تعيش البلاد صراعات داخلية وخارجية متشابكة، وتتقاسم قوى داخلية النفوذ والسلطة بالتوازي مع التأثيرات الخارجية. ويشير البحري إلى أن القرار في الساحة اليمنية أصبح متشظيا ومنقسما، فبينما تسيطر بعض القوى على مناطق محدودة، تتميز المناطق التي يسيطر عليها أنصار الله بالاستقرار ووحدة القرار.

ويقول البحري: "المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله هي الأكثر انضباطا في إصدار القرارات، حيث يكون مصدر القرار واضحا، سواء شخصيا أو مؤسسيا، وهو ما تفتقر إليه بقية المناطق في اليمن". ويضيف أن مناطق حكومة صنعاء تتميز بالكثافة السكانية العالية، ما يجعلها مركزا حيويا للتأثير السياسي والاقتصادي. كما أن حكومة صنعاء تمتلك جيشا قويا وقوة عسكرية قادرة على مواجهة التحديات الخارجية، بما في ذلك الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وقد حققت مكاسب ملموسة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

ويؤكد البحري أن كل هذه العوامل تجعل من أنصار الله وحكومة صنعاء القوة اليمنية الوحيدة القادرة على التفاوض بشكل فعلي وتحديد مسار المرحلة القادمة للمستقبل اليمني. ويضيف: "أي حوار أو تفاهمات تجري من دون حكومة صنعاء ستكون غير مجدية، لأن القرار الحقيقي موجود في مناطق سيطرتها وفي يد قيادتها".

ويشير البحري إلى أن حكومة صنعاء تتعامل مع الخارج، وفي مقدمته إيران، على أساس الشراكة وليس التبعية المطلقة، ما يميزها عن القوى الأخرى في اليمن التي ترتبط بعلاقات خارجية تعتمد على التبعية. ويقول: "أي مصالح تربط حكومة صنعاء بأي طرف خارجي مبنية على المصالح المشتركة، وليس على خضوع مطلق، وهذا يعكس درجة من الاستقلالية والقدرة على إدارة العلاقات الدولية بما يخدم مصالح اليمن الداخلية والخارجية".

ويخلص البحري إلى أن هذه الخصائص، بما فيها وحدة القرار، والكثافة السكانية، والقوة العسكرية، والاستقرار الاقتصادي الجزئي، تؤكد أن حكومة صنعاء وحركة أنصار الله تمثلان القوة الفاعلة الأساسية في المشهد اليمني الحالي، وأنها القادرة على تحديد المرحلة القادمة لليمن وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية بما يخدم مصالح البلاد ومواطنيها.