صناعة الذروة البترولية.. الهيدروجين بديلا عن النفط العربي

لطالما تمّ الترويج للهيدروجين على أنه الإِكْسِير الذي سيفك أحجية الطاقة النظيفة. هذا العنصر الكيميائي الأخف وزناً وأكثرها وفرة في الكون، فهو يشكل (92%) من ذرّات الكون المرئي و(73%) من كتلته. لكن الهيدروجين نادرًا ما يوجد على الأرض في شكله النقي، وهذا ما كان يُعرف عنه قبل اكتشاف “الهيدروجين الطبيعي” في مكامن أرضية، لأن المعروف عنه دائمًا هو أنه غالبًا ما يتواجد مندمجا كيميائيًا مع عناصر أخرى، وعلى الأخص جزيئات الماء (H2O).

مستقبل الصراع على الشمس/ الجزء الثاني:الهيدروجين يتحدى النفط العربي

بتاريخ 20أغسطس/ أوت 2004، نشر “باتريك سيل” مقالة له في “الحياة اللندنية” تحت عنوان “الهيدروجين يتحدى النفط العربي”، قدّم في افتتاحيتها تقديرا لوضع السوق النفطية العالمية آنذاك، حيث كان يرى بأن أسعار النفط هي في حالة صعود، بناءً على توقعات بعض المراقبين الذين يعتقدون بأن تتجاوز هذه الأسعار سقف الخمسين (50) دولارا للبرميل سريعا، وأن ارتفاعها لا بد أن يترك آثاراً فورية. فهي ستُعوق نسبة النمو في الدول الصناعية وقد تؤدي إلى ركود حقيقي. غير أنها من ناحية أخرى تحفّز البحث عن مصادر أخرى للطاقة وسيجري ضخ تمويل هذا البحث من جيوب العرب، حسب اعتقاده.

توجه “باتريك سيل” بتنبيه إلى “عرب النفط” بأنه يتوجّب عليهم أن يحذروا، فمنجم الذهب الأسود لن يدوم أبداً

في تلك السنة 2004، التي نشر فيها “باتريك سيل” مقالته، قدّر المتوسط السنوي لأسعار النفط بـ (41,51 دولارا)، رغم أنها تخطّت في بعض الفترات من تلك السنة قيمة (56,37 دولارا). لكنها واصلت فيما بعد بالفعل وتيرة صعودها لتسجل متوسط سعري بـ (56,64 دولارا) في سنة 2005، ثم لتصعد بشكل جنوني حتى تجاوزت النقطة السعرية لـ (145 دولارا) في سنة 2008.

في وقت مبكر من عام 1956، كشف الجيوفيزيائي “ماريون كينج هوبرت”، الذي كان يعمل في مختبرات شركة “شيل”، أمام جمع من الخبراء في معهد البترول الأمريكي (API) عن نظريته بخصوص “ذروة النفط”

في مقالته هذه “الهيدروجين يتحدى النفط العربي” توجه “باتريك سيل” بتنبيه إلى “عرب النفط” بأنه يتوجّب عليهم أن يحذروا، فمنجم الذهب الأسود لن يدوم أبداً، و حريّ بهم بدلاً من تبديد ثرواتهم على المظاهر وعلى البذخ في شراء العقارات الفخمة أو توظيف أموالهم في استثمارات خارجية غير مضمونة أن يخصصوا كل دولار إضافي لإعداد مجتمعاتهم لعصر ما بعد النفط. مستعرضا ما خلصت إليه “الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم”، في تقريرٍ لها صدر حديثا آنذاك، إلى “أن الهيدروجين يملك القدرة على الحلول محل جميع استخدامات النفط والغاز وعلى القضاء على كل ما تنفثه السيارات من أوكسيد الكربون خلال الخمسين سنة المقبلة”. كما استعرض “باتريك سيل” في مقالته هذه خطوات الولايات المتحدة لتحقيق “الاستقلال في حقل الطاقة”، خصوصا مع توقع وصول إنتاج النفط العالمي إلى الذروة بين عامي 2010 و2020، حيث لن يستطيع الموجود من النفط عندئذ تلبية حاجات العالم المتزايدة إلى الطاقة. ليختتم مقالته قائلا “التغيير قادم حتماً وكلما ارتفعت أسعار النفط تسارع حصوله”.

الآن وبعد إن انقضت فترة زمنية محترمة لمختلف هذه التوقعات، عادت ثورة الهيدروجين مستعرة بشكل أكبر، متزامنة مع ارتفاع أسعار برميل النفط !!. لكنه حريّ بنا اليوم أن نتساءل: أين ذهبت ذروة النفط هذه؟

تصاعدت “فورة الهيدروجين” وتصاعدت معها توقّعات وصول سعر برميل النفط إلى مستوى الـ 180 دولارا للبرميل مع بدايات الربع الأول من سنة 2022، لكن أسعار برميل النفط لحدّ ساعة تمانع مسايرة هذه التوقعات وتهوي إلى ما دون العتبة النفسية لـ (70 دولارا)

ففي وقت مبكر من عام 1956، كشف الجيوفيزيائي “ماريون كينج هوبرت”، الذي كان يعمل في مختبرات شركة “شيل”، أمام جمع من الخبراء في معهد البترول الأمريكي (API) عن نظريته بخصوص “ذروة النفط”.بعد 42 سنة، تجدد التوقع بإمكانية الوصول إلى “نهاية النفط الرخيص” بشكل سريع، ربما في غضون 10 سنوات، أي قبل عام 2008. لكن بعد 65 عامًا من افترضات “ماريون ك. هوبرت”، وبعد 17 سنة من التوقعات الواردة في مقالة “باتريك سيل”، لا أحد يستطيع أن يقول بدقة متى سينفد الوقود الأحفوري من نفط وغاز. في الواقع، تم اكتشاف العديد من الودائع في السنوات الأخيرة. لكن المؤكد اليوم، هو وجود مسعى لدى الدول الغربية الصناعية المهيمنة لـ”صناعة هذه الذروة” التي طال انتظارها، والدفع بانتصابها شاخصة أمام المجتمع العالمي، من خلال تجفيف الاستثمارات في خطط الاستكشاف وتجديد احتياطيات الوقود الأحفوري، وهو الأمر الذي تسبب في أزمة الطاقة العالمية حاليا، بما جعل الطلب على الفحم يصعد مجددا، بشكل صادم، بدلاً من إحلال البديل الحلم، الذي هو “الهيدروجين”.

الصراع مازال مستمرا

في شهر جويلية\تموز (يوليو) 2008، كان الخبراء والاقتصاديون مقتنعين بوصول النفط إلى الذروة، بعد الارتفاع المحموم لأسعار برميل خام النفط، والذي اندفع إلى مستوى 150 دولارًا. كان الجميع يتوقع آنذاك سعرًا من ثلاثة أرقام للبرميل. لكن ما حدث بعد ذلك هو تهاوي الأسعار إلى مستوى الـ (28 دولارا) في سنة 2016، لتعاود الانصهار وصولاً إلى مستوى الحضيض في سنة 2020. اليوم كذلك تصاعدت “فورة الهيدروجين” وتصاعدت معها توقّعات وصول سعر برميل النفط إلى مستوى الـ 180 دولارا للبرميل مع بدايات الربع الأول من سنة 2022، لكن أسعار برميل النفط لحدّ ساعة تمانع مسايرة هذه التوقعات وتهوي إلى ما دون العتبة النفسية لـ (70 دولارا).

هي الكلمات التي ختم بها “باتريك سيل” أشهر كتبه، ألا وهو كتاب “الصراع على الشرق الأوسط”، وهي الكلمات التي قالها له الرئيس الراحل حافظ الأسد، في مقابلة له معه بدمشق في 18 مارس 1988.

ومَنْ مِنَ المتتبعين والمهتمين والعارفين بالشرق الأوسط لا يعرف “باتريك سيل” ؟!. المؤرخ والكاتب والصحفي الذي توفي ليلة الجمعة 11 أبريل 2014، في لندن عن عمر يناهز 83 عامًا بعد صراع مع سرطان الدماغ. الذي نعتته “الجارديان” البريطانية بمقالة تحت عنوان “وفاة باتريك سيل المتخصص في الشؤون السورية والمراسل السابق للأوبزرفر”، قائلة لقد توفي باتريك سيل الكاتب والمذيع الذي لا يعرف الكلل، الذي كان واضحًا ومُتضلّعاً للغاية في شؤون الشرق الأوسط، والذي اشتهر به كثيرًا بفضل عمله الصحفي وثلاثيته الرائعة : “الصراع من أجل سوريا  (1965)”؛ و «الأسد : الصراع على الشرق الأوسط (1988»، و«رياض الصلح: النضال من أجل الاستقلال العربي» وهي سيرة واسعة النطاق لأول رئيس وزراء لبناني بعد الاستقلال. وُلِد “باتريك سيل” في “بلفاست” في ماي 1930، لكنه أمضى الخمسة عشر عامًا الأولى من حياته في سوريا، حيث كان والده موريس مبشرًا مسيحيًا. أصبح “باتريك سيل” مفتونًا بالشام بشكل لا يمكن وصفه. كانت هذه هي السنوات العنيفة والقمعية لحكم الانتداب الفرنسي في سوريا، ولقد فعلها “سيل” بعد ذلك بوقت طويل في فضحها، بما يحمل في جزء من ذلك عن أدلة على خفايا وخلفيات الصراع الحالي الذي لا يمكن وقفه على ما يبدو لا في سوريا ولا في المنطقة الأوسع ككل. تلقى تعليمه لاحقًا في إنجلترا، حيث درس في كليتي باليول وسانت أنتوني بأكسفورد وحاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه، حيث تخصص في تاريخ الشرق الأوسط. لقد كان رجلاً ساحرًا يتمتع بروح الدعابة الفطرية وثقة بالنفس في مواجهة منتقديه، الذين اعتقد الكثير منهم أنه قريب جدًا من سوريا وعائلة الأسد.

وبعيدا عمّا كتبته “الجارديان” البريطانية نجد من أبرز المواقف، التي خلّدت اسم “باتريك سيل”، هي تلك التي تتجلى في موقفه تجاه “الكيان الصهيوني”، حيث كان مجاهرا برأيه بأن “إسرائيل” تسعى إلى السيطرة العسكرية على المنطقة، فهي تضغط على الولايات المتحدة من أجل إسقاط محور المقاومة، وكان على قناعة بأنه لا يمكن فصل ما يجري في سوريا عن التطورات في المنطقة. كما لم تغب القضية الفلسطينية عن مقالاته، فهو كان يعتبرها تشكل حجر الزاوية بالنسبة إلى الكرامة والهوية العربية، وكان شديد الأسف والأسى من مواقف الدول العربية الثرية التي عجزت عن استخدام تأثيرها على الولايات المتحدة وأوروبا للمطالبة بالعدالة للفلسطينيين، واعتبر أن حل الدولتين أصبح ساقطاً عملياً، كما لوّح بهزيمة فادحة للعرب تُكمل هزيمة عام ثمانية وأربعين.

لباتريك سيل مقالات مثيرة، من بينها: «لماذا يخشى الغربُ العربَ؟» و «الأسباب العشرة التي من أجلها قَتل شارون الشيخ ياسين» و «مَنْ قَتَل الحريري؟”.

وللموضوع متابعة لاحقة …