الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

طريق الاكتفاء.. الجزائر تراهن على الإدماج الكامل في شعبة الحليب

Author
ربيعة خطاب 09 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي خثير شين أن الوصول إلى صناعة وطنية متكاملة للحليب المعقم يحتاج إلى مشروع صناعي شامل يعالج جميع حلقات سلسلة الإنتاج، ولا يرتبط بزيادة كميات الحليب المنتجة وحدها. ويوضح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تحقيق نسبة إدماج محلي تبلغ 100 بالمائة يتطلب توسيع إنتاج الحليب الخام، وتطوير الصناعات التحويلية، وإنشاء صناعة وطنية لمواد التعبئة والتغليف، إلى جانب نقل التكنولوجيا ورفع القدرات الإنتاجية للمؤسسات المحلية، بما يعزز الأمن الغذائي، ويمنح الجزائر قدرة أكبر على التحكم في تموين السوق، ويقلص الاعتماد على المدخلات المستوردة.

تتجه الجزائر إلى إعادة رسم مسار شعبة الحليب المعقم (UHT) من خلال رؤية ترتكز على رفع نسب الإدماج الوطني وتطوير مختلف حلقات الإنتاج، في خطوة تستهدف تعزيز الأمن الغذائي، وضمان استقرار تموين السوق الوطنية، وتقليص الاعتماد على المدخلات المستوردة.

ويأتي هذا التوجه بعد تأكيد وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، آمال عبد اللطيف، أن بلوغ صناعة محلية متكاملة بنسبة إدماج تصل إلى 100 بالمائة يمثل أحد الأهداف الرئيسية للمرحلة المقبلة، وسط دعوات من خبراء الاقتصاد إلى التعامل مع هذا المشروع باعتباره ورشا صناعيا متكاملا يتجاوز حدود إنتاج الحليب إلى بناء سلسلة قيمة وطنية قادرة على تحقيق الاستدامة.

وخلال اجتماع عمل احتضنه مقر الوزارة، بحضور المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، ومسيري وحدات إنتاج الحليب المعقم، ركزت الوزيرة على آليات تطوير هذه الشعبة الاستراتيجية، مع متابعة وضعية تموين السوق الوطنية بهذه المادة الأساسية، والبحث عن حلول عملية ترفع مساهمة الإنتاج المحلي في مختلف مراحل التصنيع.

التغليف والإنتاج في مسار صناعي واحد

وأوضحت عبد اللطيف أن الرؤية التي يعتمدها القطاع تقوم على تثمين الموارد المحلية، ورفع نسب الإدماج الوطني، بما يسمح بالوصول إلى صناعة متكاملة تعتمد على القدرات الوطنية في مختلف مكونات سلسلة الإنتاج. وأبرزت أن هذا المسار يحتاج إلى تنسيق أكبر بين منتجي الحليب ومصنعي مواد التعبئة والتغليف، حتى تتمكن المؤسسات من تحديد احتياجاتها الفعلية، وتحسين جودة المنتوج، وضمان وفرة الكميات المطلوبة في السوق الوطنية.

وتوقفت الوزيرة عند أهمية بناء شراكة عملية بين مختلف المتدخلين في الشعبة، انطلاقا من المنتجين ووصولا إلى الصناعات المرتبطة بالتعبئة والتغليف، بهدف رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق مستويات أعلى من الإدماج الوطني، بما يحد من التبعية للموردين الأجانب، ويمنح الصناعة المحلية قدرة أكبر على تلبية الطلب الداخلي.

بدوره، لفت المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، إلى أهمية توجيه الاستثمارات نحو الشعب التي تحمل قيمة مضافة مرتفعة، وفي مقدمتها مشاريع تصنيع مواد التعبئة والتغليف، معتبرا أن هذه المشاريع تدعم الإدماج المحلي، وتعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتفتح المجال أمام توسع النشاط الصناعي المرتبط بشعبة الحليب. وجددت وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، في ختام الاجتماع، التزام القطاع بمرافقة المتعاملين الاقتصاديين، وتهيئة الظروف الملائمة لتطوير شعبة الحليب المعقم، بما يدعم استدامة تموين السوق الوطنية، ويرفع مساهمة الإنتاج المحلي في تلبية الطلب.

الدكتور خثير شين، خبير اقتصادي

ويرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي خثير شين أن هذه الرؤية تنسجم مع متطلبات الأمن الغذائي، لأن بناء شعبة متكاملة للحليب المعقم يمنح الجزائر أدوات أكبر للتحكم في مصادر التموين، ويقلص ارتباطها بالأسواق الخارجية، ويرسخ استقرار السوق خلال المدى المتوسط والبعيد.

وأوضح شين، أن الحليب المعقم يختلف عن الأنواع الأخرى المتداولة في السوق بسبب اعتماده على تقنية التعقيم الحراري الفائق، إذ يخضع الحليب لدرجات حرارة مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة، ثم تعبئه المصانع داخل عبوات معقمة ومحكمة الإغلاق، وهو ما يمنحه فترة صلاحية أطول دون الحاجة إلى التبريد قبل فتح العبوة.

ويعتقد الخبير أن هذه الخصائص تمنح الحليب المعقم أفضلية لوجستية مهمة، لأن سهولة التخزين والنقل، إلى جانب انخفاض نسبة التلف، تساعد على إيصال المنتوج إلى مختلف ولايات الوطن، خاصة المناطق البعيدة التي تواجه صعوبات مرتبطة بسلسلة التبريد، الأمر الذي يجعل هذا النوع من الحليب أكثر قدرة على ضمان انتظام التموين.

وعند تناوله هدف بلوغ نسبة إدماج محلي تصل إلى 100 بالمائة، اعتبر شين أن هذا الهدف يحمل بعدا استراتيجيا، لكنه يحتاج إلى تنفيذ تدريجي يرتكز على تطوير جميع الصناعات المرتبطة بالشعبة، ولا يرتبط بإنتاج الحليب الخام وحده. وأشار إلى أن تحقيق هذا المستوى من الإدماج يتطلب توسيع إنتاج الحليب الخام داخل الجزائر، وتطوير الصناعات التحويلية، وإنشاء صناعة وطنية قوية لمواد التعبئة والتغليف، إلى جانب استقطاب التكنولوجيا الحديثة، وتشجيع المؤسسات الوطنية على تصنيع مختلف مكونات سلسلة الإنتاج، حتى تعتمد الشعبة بصورة أكبر على الموارد المحلية.

ويرى الخبير أن الشعبة ما تزال تعتمد على استيراد عدد من المدخلات الأساسية، وهو ما يجعل الوصول إلى الإدماج الكامل مرتبطا باستثمارات صناعية مستمرة، وخطط واضحة لنقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرات الإنتاجية للمؤسسات الوطنية، حتى تتمكن من تغطية احتياجات السوق بمنتجات محلية.

استدامة التموين رهينة بتكامل حلقات الإنتاج

وتناول شين العقبات التي تواجه بناء سلسلة إنتاج متكاملة، موضحا أنها تشمل مختلف حلقات الشعبة، ولا ترتبط بمواد التعبئة والتغليف وحدها. وأشار إلى أن محدودية إنتاج الحليب الطازج مقارنة بحجم الطلب، واستمرار الاعتماد على مسحوق الحليب المستورد، يمثلان تحديين رئيسيين أمام تطوير الصناعة الوطنية.

وتحدث أيضا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف منظومة جمع الحليب من المربين، إلى جانب الصعوبات اللوجستية المرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع، معتبرا أن هذه العوامل تفرض خطة شاملة تتناول جميع عناصر سلسلة القيمة، حتى تحقق الاستثمارات الصناعية النتائج المرجوة. وأوضح أن الاستثمار في تصنيع مواد التعبئة والتغليف يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يكفي لبناء شعبة متكاملة، لأن نجاح المشروع يرتبط أيضا بتطوير تربية الأبقار المنتجة للحليب، وتحسين الإنتاجية، ودعم الفلاحين، وتعزيز البنية التحتية اللوجستية، وربط مختلف المتدخلين ضمن منظومة إنتاج متماسكة تحقق الكفاءة والاستدامة.

وتطرق الخبير إلى الآثار الاقتصادية المنتظرة من رفع نسب الإدماج الوطني، مبينا أن هذا الخيار يعزز استقرار تموين السوق الوطنية، ويحد من تأثير تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، نتيجة تراجع الاعتماد على الأسواق الخارجية في توفير المدخلات الأساسية. وأشار إلى أن تعميق الإدماج المحلي يخفض فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة، ويولد قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، ويوفر فرص عمل جديدة في الصناعات التحويلية والأنشطة المرتبطة بإنتاج الحليب وتعبئته وتوزيعه.

واختتم شين تصريحه بالتأكيد على أن بناء شعبة وطنية متكاملة للحليب المعقم يمثل استثمارا طويل الأجل في الأمن الغذائي، إذ يساعد على استقرار أسعار الحليب بالنسبة للمستهلك، ويرفع مساهمة الإنتاج المحلي في تغطية الطلب، ويدعم السيادة الغذائية عبر منظومة إنتاج أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الخارجية وتحقيق استدامة التموين.