الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

طريق المتوسط مفتوح للعراق لكن نفطه لا يصل.. كيف تبتلع بيجي الخام قبل بانياس؟

Author
دريد عبدالله 02 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

“لم تكن العلاقة مع سوريا في مجال النفط جيدة منذ مدّ خطوط الأنابيب نحو طرطوس وبانياس” عصام الجلبي -وزير نفط عراقي

هذه العبارة لا تختصر فقط تاريخاً طويلاً من التوتر بين بغداد ودمشق، بل تضع الأساس لفهم مسار نفطي لم يكن مستقراً منذ بدايته. فالعلاقة النفطية بين العراق وسوريا لم تتشكل على قاعدة اقتصادية بحتة، لكنها كانت مرتبطة دائماً بالحسابات السياسية منذ اللحظة التي تم فيها الاتفاق على عبور النفط العراقي نحو البحر المتوسط وحتى اليوم.

في 25 مارس 1931 وقّعت شركة (IPC)المتعددة الجنسيات اتفاق عبور مع دمشق ضمن حزمة اتفاقات إقليمية شملت دول مسار الأنبوب نحو البحر المتوسط، وهو الاتفاق الذي مهّد لاحقاً لبناء الخط وتشغيله في منتصف الثلاثينيات، ليجعل من سوريا منفذاً رئيسياً للنفط العراقي نحو أوروبا حيث لم يكن هذا المسار وقتها مجرد مشروع نقل بل مساراً يعتمد على توازن مستمر بين السياسة والجغرافية للمنطقة عموماً وللبلدين بشكل خاص

لكن في 1 يونيو 1972 تغيّرت طبيعة هذا المسار بشكل جذري حين أمّم العراق وسوريا عمليات شركة IPC بشكل متزامن إذ أصدر العراق القانون رقم 69 وأصدرت سوريا المرسوم التشريعي رقم 46 في اليوم نفسه لينتقل هذا المسار من سيطرة الشركات الأجنبية إلى سيطرة الدولتين. ومع هذا التحول بدأت الخلافات تتصاعد خصوصاً حول رسوم العبور مما دفع العراق في 11 أبريل 1976 إلى إيقاف الضخ عبر سوريا والتحول نحو جيهان التركية.

لكن الجغرافيا فرضت نفسها مجدداً مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980، وتعرض منشآت التصدير في البصرة للتدمير في بدايتها، مما أجبر العراق على العودة إلى استخدام المسار السوري كخيار اضطراري قبل أن توقفه سوريا في 11 أبريل 1982 في نفس يوم توقف العراق عن ضخ الخام 1976، في تزامن يعكس أن هذا الخط لم يكن يوماً مستقلاً عن القرار السياسي وان عمق المشكلة كبير.

عاد الخط للعمل بشكل محدود قبل 2003 ثم توقف بالكامل بسبب الغزو الأمريكي للعراق لكن الطريق نحو المتوسط بقي نظرياً مفتوحاً لكنه عملياً معطل ليس بسبب الجغرافيا بل بسبب خلل بنيوي داخل العراق نفسه.

اليوم يعود هذا المسار لكن ليس عبر الأنابيب بل عبر الصهاريج من الوسط والشمال نحو حديثة، ثم إلى سوريا عبر منفذي الوليد و طريبيل العراقيتين نحو حمص السورية ومنها بالأنابيب وصولاً إلى بانياس على ساحل المتوسط وهذا التحول يعني أن كل برميل يتم نقله يحتاج إلى تحميل ونقل وتفريغ وهو ما يجعل نقل كل برميل يومياً يتطلب تشغيل مئات الصهاريج بشكل مستمر بتكاليف عالية وضغط تشغيلي كامل على المنفذين.

ماذا يحدث هناك؟ وكيف ستكون الخريطة النفطية للعراق خلال الأشهر المقبلة تحديداً؟ لنرى..

محطة ضخ حديثة في غرب العراق تمثل نقطة ربط أساسية لصناعة النفط ونقله في البلد فهي تستقبل النفط القادم من الشمال والجنوب ويمكن نظرياً أن تتحول إلى عقدة تصدير الرئيسية نحو سوريا أو الأردن وتركيا لكن هذا التحول يصطدم مباشرة بواقع الشبكة داخل العراق.

فالأنبوب الاستراتيجي الذي ينقل النفط العراقي من حقول الجنوب العراقي المتخمة بالنفط إلى الشمال لا يعمل كخط نقل مباشر بل كمسار توزيع إذ لا يستطيع ضخ أكثر من نحو 800 ألف برميل يومياً ويرتبط بما لا يقل عن 15 موقعاً بين مصافٍ ومحطات كهرباء ومستودعات وكل موقع يسحب جزءاً من النفط أثناء مروره وهذا السحب المتكرر يعني أن النفط لا يصل إلى الشمال بالكميات التي يتم ضخها من الجنوب بل يصل على شكل تدفقات متفرقة تقل تدريجياً كلما تقدم داخل الخط وهو ما يفسر لماذا لا تتشكل كتلة نفطية كافية للتصدير.

وفي هذا السياق بدأ يظهر طرح داخل وزارة النفط يعتمد على نقل النفط من الجنوب وتحديداً من البصرة والعمارة نحو الشمال باستخدام الصهاريج، سواء باتجاه كركوك أو بشكل مباشر نحو الحدود السورية.

هذا الطرح لا يأتي كبديل كامل للأنابيب بل كمحاولة لتعويض النقص في التدفقات حيث يتم التفكير بنقل كميات جزئية على شكل دفعات تبدأ من الحقول الجنوبية ثم تتجه نحو مواقع تحميل في الوسط ومن هناك إلى الشمال أو الغرب.

لكن عند تحويل هذه الفكرة إلى أرقام، يتضح أن نقل 100 ألف برميل يومياً يتطلب نحو 450 صهريجاً وأن نقل 200 ألف برميل يحتاج إلى ما يقارب 900 صهريجاً يوميا ًوهو ما يجعل هذا الخيار ممكناً نظرياً لكنه معقد عملياً خصوصاً عند الاعتماد عليه بشكل مستمر.

وعلى الرغم من أن منصات تحميل الصهاريج بوسط العراق في الأحدب وشرق بغداد والراشدية تستطيع التعامل مع أكثر من 150 ألف برميل يومياً فإن المشكلة لا تتعلق بقدرة التحميل بل بما هو متوفر فعلياً في هذه المواقع من الخام وقدرات الحقول القريبة جغرافياً في سد الحاجة المحلية للمحطات و للمصافي المجاورة ثم بعدها يمكن تصدير الفائض منها وهذا الذي لا يحدث حيث ان تقليل ضخ الخامات لمحطة القدس ببغداد و لمصفى الدورة ببغداد ولمصافي بيجي وغيرها لحساب التصدير ليست فكرة سديدة لانها ستعطي التصدير الأولية على انتاج الكهرباء و توفير المكررات للسوق المحلية .

فمصافي بيجي الأربع التي تقع في نهاية هذه المنظومة تعمل حالياً بطاقة تقارب 210 إلى 235 ألف برميل يومياً، لكنها تحتاج إلى نحو 410 ألف برميل يومياً ما يعني أن نصف طاقتها تقريباً غير مستغل بسبب نقص الإمدادات.

وعند تتبع التدفقات خلال الأسبوع الحالي، يتبين أن نحو 70 ألف برميل يومياً من امدادات مصافي بيجي تأتي من كركوك إلى بيجي، بينما تضاف تدفقات من حقل عجيل ومن مسار الأنبوب الاستراتيجي حتى حديثة بحدود 70 إلى 90 ألف برميل يومياً لكل منهما وهي كميات تُستهلك بالكامل داخل المصافي.

ومع هذا النقص في تجهيز مصافي بيجي بالخام هناك مشكلة اكثر تعقيداً حيث إن طبيعة التشغيل داخل المصافي تؤدي إلى إنتاج نسبة مرتفعة من زيت الوقود تصل إلى نحو 55%، أي ما يعادل 110 إلى 130 ألف برميل يومياً وهذا الرقم يوضح أن المشكلة ليست فقط في الكمية بل في نوعية الإنتاج حيث يتم تحويل جزء كبير من الخام إلى منتج منخفض القيمة نتيجة خلط النفط الأسود والنفتا مع النفط الخام وإعادة إدخاله في وحدات التكرير مرة اخرى إضافة إلى خلط البنزين المستورد مع النفتا لغرض انتاج بنزين محلي بنوعية اقل بسبب نقص هيكلي واضح في تلك المصافي وبذلك فإن المصفاة لا تخلق فائضاً للتصدير او حتى للاستهلاك بل تخلق فائضاً يحتاج إلى تصريف.

وهذا ما يفسر ما يحدث حالياً حيث يتم نقل هذا الفائض من النفط الأسود عبر الصهاريج نحو سوريا بكميات بدأت ببضع مئات من الصهاريج يومياً مع إمكانية زيادة تدريجية وذلك لتجنب توقف المصافي نتيجة امتلاء الخزانات.

في الظروف الطبيعية يتم تصدير هذا النوع من الوقود عبر موانئ البصرة لكن مع تعطل جزء من منظومة التصدير أصبح هذا الخيار غير متاح مما دفع وزارة النفط العراقية إلى استخدام النقل البري كحل بديل.

في المقابل، فإن النفط الخام الذي يفترض أن يتحرك عبر هذا المسار غير متوفر بسبب انقطاع تدفقاته إضافة إلى أن ما يتم ضخه داخل العراق يُستهلك قبل الوصول إلى نقاط التجميع.

كما ان محطة استلام الخام في كركوك بواسطة الصهاريج الجاري انشاؤها في هذا الوقت يشير إلى محاولة إعادة تنظيم هذه التدفقات بحيث يتم استقبال الخام القادم من الجنوب أو الوسط برياً ومن ثم إعادة ضخه نحو المصافي أو تعزيز آلية التصدير الحالية من الأنبوب الكردستاني او المستقبلية من أنبوب كركوك-جيهان المزمع تشغيله قريباً.

كما طُرح مشروع خط الرُميلة – النجف – بيجي كحل استراتيجي بطاقة تصل إلى 2.25 مليون برميل يومياً مع خزن يصل إلى 50 مليون برميل بهدف نقل خام الجنوب مباشرة إلى الشمال إلا أن عدم تنفيذه أبقى مشكلة وصول كميات اكثر من الخام الى الشمال قائمة دون حل جذري وبناءً على ذلك فإن أي حديث عن نقل 650 ألف طن شهرياً، أي ما يعادل نحو 160 ألف برميل يومياً يرتبط بتراكم النفط الأسود داخل المنظومة وليس بوجود خام يمكن تصديره.

كما أن القدرة اللوجستية للنقل، رغم أنها قد تصل إلى 150–200 ألف برميل يومياً فإنها اليوم تعمل فعلياً عند مستويات أقل بكثير وهو ما يعكس أن المشكلة ليست في الطريق ولا في وسيلة النقل، بل في طبيعة التدفقات وكميتها داخل العراق.

وبذلك، فإن المسار نحو بانياس يبقى متاحاً من حيث الجغرافيا، وممكناً من حيث النقل، لكنه محدود من حيث النفط الذي يمكن أن يصل إليه.

في الجانب السوري لا يُنظر إلى هذا المسار على أنه خط تصدير بالمعنى التقليدي بل كمسار تغذية صناعية قائم على ما يصل فعلياً من الشاحنات إذ تتركز عملية الاستلام في منطقة حمص حيث توجد خزانات تجميع ومحطات ربط مرتبطة بالشبكة النفطية الداخلية ويتم تفريغ الحمولات القادمة من العراق هناك قبل إعادة ضخها عبر الأنابيب نحو مصفاة بانياس.

هذا الترتيب يعني أن معظم الصهاريج قد لا تصل إلى الساحل بل تنتهي رحلتها في حمص ومن هناك تتحول الكميات إلى تدفق شبه مستمر داخل الأنابيب السورية ما يقلل الضغط على الطرق الساحلية المهترئة ويحوّل النقل البري إلى مرحلة أولى فقط من العملية مما سيزيد من الكلف التشغيلية على البرميل العراقي كما أن هذا الأسلوب يسمح بخلط الشحنات القادمة من مصادر متعددة داخل العراق قبل إدخالها إلى وحدات التكرير في بانياس حيث يتم التعامل مع النفط الأسود كمدخل صناعي أكثر من كونه مادة تصديرية نهائية خصوصاً في ظل حاجة سوريا إلى وقود ثقيل لتشغيل محطات الكهرباء وبعض الصناعات.

ومن الناحية التشغيلية فإن الاعتماد على حمص كنقطة فصل بين النقل البري والنقل الأنبوبي يخلق مرونة في الاستلام حيث يمكن تفريغ الشحنات بشكل متقطع ثم إعادة ضخها بشكل أكثر استقراراً نحو الساحل وهو ما يعوض جزئياً عن عدم انتظام وصول الصهاريج من العراق.

كما أن هذا النموذج يتيح استيعاب زيادات تدريجية في عدد الشاحنات دون الحاجة إلى تغيير كامل في البنية التحتية إذ يمكن توسيع قدرة التخزين في حمص أو زيادة معدل الضخ نحو بانياس بحسب الكميات المتوفرة وهو ما يجعل الجانب السوري أكثر قدرة على التكيف مقارنة بالجانب العراقي الذي يعاني من نقص التدفقات.

وفي هذا الإطار فإن ما يتم تصديره فعلياً لا يدخل السوق العالمية كخام عراقي بل يتم استهلاكه داخل المنظومة السورية أو إعادة تكريره ما يعني أن هذا المسار لا يمثل قناة تصدير تقليدية بل مسار إعادة توزيع إقليمي للمنتجات الثقيلة.

كما أن اعتماد هذا النموذج يخفف من الحاجة إلى إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس في المرحلة الحالية إذ يتم استخدام البنية القائمة داخل سوريا لتعويض غياب الأنبوب المباشر ولو بكفاءة أقل لكن هذا الترتيب يبقى مرتبطاً بالكامل بما يصل من العراق إذ إن أي زيادة في عدد الصهاريج لا تعني بالضرورة زيادة في الصادرات بل زيادة في تصريف الفائض داخل النظام العراقي وهو ما يعيد التأكيد على أن المشكلة لا تزال في مصدر التدفق وليس في مسار التصدير.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات الحالية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد إدخال خام البصرة بجانب النفط الأسود (زيت الوقود)، ضمن قائمة الصادرات المنتظمة عبر هذا المسار، ليس باعتباره خياراً استراتيجياً للتصدير، بل كامتداد طبيعي لآلية تصريف الفائض داخل المنظومة التكريرية وتشغيل حقول النفط المتوقفة بالبصرة. وهذا يعني أن المسار نحو سوريا قد يتحول تدريجياً إلى قناة شبه مستقرة لتصدير المنتجات الثقيلة منخفضة القيمة مع نسب من النفط الخام تدريجياً

وعند وضع هذه التطورات ضمن الصورة الأوسع، يتضح التباين الكبير بين ما يمتلكه العراق من طاقة إنتاجية وما يستطيع نقله فعلياً عبر هذه المسارات فالعراق ينتج حالياً أكثر من 4 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، يتم تصدير الجزء الأكبر منها عبر الجنوب، في حين أن ما يمكن نقله عبر المسار الغربي لا يتجاوز عملياً جزءاً محدوداً من هذه الكمية، وغالباً ليس من الخام أصلاً.

كما أن المقارنة الإقليمية تظهر نفس الفجوة حيث تقوم دول مثل ايران بتصدير ما يقارب 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً رغم القيود وحالة الحرب الحالية عليها عبر مسارات مستقرة نسبياً بينما يبقى المسار الغربي للعراق غير قادر على استيعاب حتى جزء بسيط من طاقته الإنتاجية بسبب الاختناقات الداخلية وليس بسبب نقص في الطرق.

وبذلك، فإن المسألة لا تتعلق بوجود منفذ إلى البحر المتوسط، ولا بقدرة النقل، بل بغياب تدفق مستقر من النفط الخام داخل الشبكة العراقية نفسها. فبدون معالجة هذا الخلل، سيبقى أي توسع في النقل البري أو إعادة تفعيل المسارات القديمة محدود التأثير، وسيظل ما يتحرك نحو بانياس انعكاساً لفائض داخل المنظومة، وليس تعبيراً عن قدرة تصديرية حقيقية.

وفي المحصلة، فإن الطريق إلى بانياس ليس مغلقاً، لكنه لا يعمل كمسار للخام، بل كمسار لتفريغ ما يتبقى داخل النظام، وهو ما يجعل الحديث عن فتح ممر تصديري جديد للنفط العراقي عبر المتوسط سابقاً لشرط أساسي لم يتحقق بعد وهو وصول الخام نفسه إلى هذا الطريق.

رابط دائم
https://elayem.news/c93o6
Author دريد عبدالله
خبير وباحث وأستاذ جامعي في مجال الطاقة واقتصادياتها في ألمانيا