الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

طهران تشد حبل التفاوض مع واشنطن: باب الابتزاز مغلق

Author
الأيام نيوز 24 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتحرك إيران لإنهاء حالة «اللا حرب واللا سلم» التي أبقت المنطقة معلقة بين التصعيد المتقطع والهدن الهشة، لكنها تريد لمسار الخروج أن يقود إلى استقرار فعلي، لا إلى هدنة مؤقتة تتيح لواشنطن إعادة ترتيب أدوات الضغط. وتربط طهران هذا المسار بتنفيذ التفاهمات، وضمان المصالح المتبادلة، وصون السيادة الوطنية، واضعة معادلة دقيقة لأي انفراج: كل خطوة لخفض التوتر تحتاج إلى مقابل واضح من الطرف المعادي، مقرون بالتزام قابل للتحقق، بما يغلق الطريق أمام تحويل الهدوء إلى منصة جديدة للضغط السياسي والاقتصادي.

ويأتي هذا الطرح في وقت شدد فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على ضرورة الخروج من الوضع القائم انطلاقا من مبادئ «العزة والحكمة والمصلحة»، مع متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. ونقل نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه عن بزشكيان تمسكه بإلزام واشنطن بتنفيذ التفاهم والخروج من حالة «اللا حرب واللا سلم»، بما يحفظ المصالح الإيرانية ويمنح التهدئة أساسا أكثر استقرارا.

وترتبط هذه المواقف بمذكرة التفاهم التي وقعتها طهران وواشنطن في جوان الماضي، والتي نصت على الإنهاء الفوري والنهائي للحرب على مختلف الجبهات، بينها لبنان، والتعهد المتبادل بوقف الأعمال العدائية والتهديد باستخدام القوة. وقدم بزشكيان الاتفاق باعتباره صيغة تخدم المصلحة الإيرانية من دون تقديم تنازلات تضر بالبلاد، داعيا إلى تعزيز الوحدة الداخلية واستقطاب الاستثمارات عبر تخفيف التوتر.

الخروج من الغموض لا يعني التنازل

يضع مهدي عزيزي، مدير مركز الرؤية الجديدة للدراسات والإعلام، خروج إيران من حالة «اللا حرب واللا سلم» ضمن مصلحة واضحة، شرط أن يقود إلى وقف تصعيد متوازن ومستقر. ويرى في حديثه لـ«الأيام نيوز» أن استمرار الوضع الراهن يضغط على الاقتصاد الإيراني ويمنح واشنطن وحلفاءها مجالا لمواصلة التهديدات والضغوط من دون تحمل كلفة مواجهة شاملة.

مهدي عزيزي، مدير مركز الرؤية الجديدة للدراسات والإعلام

ويشدد عزيزي على أن رغبة طهران في إنهاء التوتر لا تعني قبول أي تسوية مهما كانت شروطها. وتستطيع إيران استثمار المرحلة الراهنة في ترتيب أولوياتها وتعزيز عناصر قوتها والدخول في أي مفاوضات من موقع أكثر توازنا. ويحتاج هذا المسار إلى قواعد واضحة تحدد التزامات كل طرف وتمنع واشنطن من استخدام التهدئة بوابة لاستعادة الضغط.

ويركز الخبير على تحويل التفاهم السياسي إلى التزامات محددة وقابلة للتحقق، تشمل وقف الأعمال العدائية والتهديد باستخدام القوة، إلى جانب مسار عملي لمعالجة العقوبات والضغوط الاقتصادية المرتبطة بالتفاهم. ويمنح مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة» المفاوض الإيراني قدرة أكبر على حماية مصالح بلاده، بحيث يقابل كل إجراء تقدمه طهران بإجراء أمريكي واضح ومحدد.

ويعتبر عزيزي أن مبادئ «العزة والحكمة والمصلحة» تستطيع تشكيل قاعدة تفاوضية عملية عندما تربط إيران كل التزام تقدمه بمقابل واضح من واشنطن. ويمنح هذا الأسلوب طهران مساحة لحماية سيادتها وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، من دون منح الطرف الأمريكي فرصة لفرض شروط أحادية أو الحصول على تنازلات مسبقة.

ضمانات تمنع عودة الضغط الأمريكي

تحتل الضمانات السياسية والقانونية والعملية موقعا أساسيا في الحسابات الإيرانية، وفق عزيزي، خصوصا أن أي تفاهم يفتقر إلى آليات واضحة للمتابعة والتحقق قد يواجه أزمات جديدة عند تغير الظروف السياسية داخل واشنطن. وتحتاج طهران إلى آلية دقيقة لمراقبة الالتزامات وتحديد النتائج المترتبة على أي خرق.

ويرى المتحدث أن الانفتاح الاقتصادي أو السياسي الأمريكي يحتاج إلى إجراءات متزامنة، بينها تخفيف قيود محددة، وفتح قنوات مالية وتجارية واضحة، ووقف التهديد باستخدام القوة. وتضع هذه المعادلة العلاقة أمام مصالح متبادلة، بدل ترك التفاهم رهينا بوعود قابلة للتغيير.

وتحتاج إيران أيضا إلى الاحتفاظ بحقها في إعادة النظر في التزاماتها إذا عادت واشنطن إلى الضغط أو التهديد. ويشدد عزيزي على أن التهدئة المستدامة تحتاج إلى آليات تحقق ومصالح مشتركة تجعل العودة إلى التصعيد مكلفة لجميع الأطراف، وتمنح طهران قدرة على حماية مصالحها في مواجهة أي محاولة أمريكية لإعادة إنتاج سياسة الضغط.

ويحضر العامل الاقتصادي بقوة في حسابات الرئيس بزشكيان، الذي وصف رأس المال بأنه «كائن حي وحساس» يبتعد عند شعوره بالخطر. ويربط الرئيس بين خفض التوتر وتهيئة مناخ يساعد الاستثمار والإنتاج والتجارة، خصوصا أن استمرار التوتر يرفع كلفة المخاطر ويصعب على المؤسسات الاقتصادية وضع خطط مستقرة.

ويرى عزيزي أن إنهاء حالة «اللا حرب واللا سلم» يمنح الاقتصاد الإيراني فرصة لاستعادة قدر من الاستقرار وتحريك النشاط الاقتصادي، لكنه يشدد على أن وقف التصعيد وحده لا يضمن تدفق استثمارات كبيرة ومستدامة. وتحتاج إيران إلى تحسين بيئة الاستثمار وتسهيل التجارة ودعم القطاعات المنتجة، مع تقليص احتمالات عودة الحرب.

وتزامنا مع هذه الحسابات، برز تطور في قطاع الطاقة الإيراني، إذ أعلن وزير النفط محسن باك نجاد اكتشاف أكثر من 7.5 تريليونات قدم مكعب من الغاز في حقل بارس الجنوبي. ويقع الحقل في محافظة بوشهر جنوب البلاد، ويمثل الجانب الإيراني من أضخم حقل غاز بحري في العالم، الذي تتقاسمه إيران وقطر في مياه الخليج.

ويشكل بارس الجنوبي دعامة رئيسية لإمدادات الغاز الإيرانية منذ بدء الإنتاج عام 2002، وتقدر احتياطياته القابلة للاستخراج بنحو 14 تريليون متر مكعب. ويمنح الاكتشاف الجديد قطاع الطاقة ورقة إضافية لتعزيز الإنتاج وتدعيم القدرة الاقتصادية، في وقت تحتاج فيه طهران إلى توسيع مواردها وتقليل أثر الضغوط الخارجية على اقتصادها.

وكان باك نجاد قد أشار في وقت سابق من العام الجاري إلى أن قطاع النفط واجه مشكلات منذ بدء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، موضحا أن وزارة النفط اتخذت إجراءات مضادة. وتضيف هذه المعطيات بعدا اقتصاديا إلى المواجهة مع واشنطن، إذ تحاول طهران الحفاظ على تدفق الطاقة وتطوير مواردها رغم القيود والضغوط الأمريكية.

تنويع الاقتصاد في مواجهة الضغط

يحذر مدير مركز الرؤية الجديدة للدراسات والإعلام من ربط مستقبل الاقتصاد الإيراني بالكامل بنتائج التفاوض مع واشنطن. ويطرح توسيع الشراكات التجارية والاستثمارية وتنويع العلاقات الاقتصادية، حتى لا يتحول الاقتصاد إلى ورقة ضغط أمريكية منفردة. ويمنح تنوع الشركاء والأسواق إيران قدرة أكبر على تحمل الصدمات الخارجية وتقليص أثر العقوبات. وتدعم موارد الطاقة هذا التوجه، خصوصا مع استمرار تطوير حقل بارس الجنوبي وتعزيز إنتاج الغاز. وتستطيع طهران توظيف هذه القدرات في دعم القطاعات المنتجة وتوسيع علاقاتها الاقتصادية.

وتتجه الحسابات الإيرانية نحو مسارين متلازمين: تثبيت التهدئة ضمن قواعد واضحة وملزمة، واستثمار الاستقرار في تقوية الاقتصاد وتنويع الشراكات. وتحتاج طهران في المسارين إلى تفاهم متوازن يحفظ مصالحها ويمنع واشنطن من تحويل وقف التصعيد إلى فترة مؤقتة لإعادة ترتيب أدوات الضغط.

وتعزز مواقف بزشكيان وقائم بناه هذا الاتجاه، إذ تربط طهران الخروج من حالة «اللا حرب واللا سلم» بتنفيذ واشنطن التزاماتها، مع الحفاظ على مبادئ «العزة والحكمة والمصلحة». وتطرح إيران صيغة تفاوضية تربط التهدئة بضمانات التنفيذ، وتربط الانفتاح الاقتصادي بحماية المصالح الوطنية.

ويرى عزيزي أن جوهر المصلحة الإيرانية يكمن في بناء تفاهم يجعل الاستقرار هدفا متبادلا، وليس مدخلا إلى تنازلات متتالية من جانب طهران. ويشمل ذلك ربط الالتزامات بإجراءات مقابلة، وتوفير آليات للتحقق، وحماية حق إيران في الرد على الخروقات، بالتوازي مع تقوية الاقتصاد وتوسيع العلاقات التجارية والاستثمارية.

وتحاول طهران عبر هذه المعادلة نقل العلاقة مع واشنطن من مساحة الضغط المفتوح إلى قواعد أكثر وضوحا، بحيث يصبح احترام الالتزامات شرطا لاستمرار التهدئة. وتمنحها هذه المقاربة فرصة لحماية قرارها السياسي والاقتصادي، بينما يدفع الضغط الأمريكي إيران إلى توسيع بدائلها.