الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
أخبار وتقارير

ظاهرة البريستيج.. الضيافة تتحوّل إلى استعراض

Author
إيمان مراح 05 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في زمن ليس ببعيد، كان أبرز ما يميز المجتمع الجزائري هو البساطة؛ البساطة في الأكل، وفي اللباس، وفي العادات، وحتى في طقوس الضيافة التي كانت تقوم على العفوية وحرارة الاستقبال أكثر مما تقوم على كثرة الأطباق وتناسق الألوان، وكان البيت يُفتح للضيف دون تكلف، وتُحضَّر المائدة بما تيسّر، فيكون الكرم في النية قبل أن يكون في العرض، وفي الحضور قبل أن يكون في الصورة.

كانت الضيافة حينها تجربة إنسانية قبل أن تكون مظهريّة، فالاهتمام كان منصبًّا على العلاقة نفسها وعلى جو الترحيب، وليس على عدد الأطباق أو تنسيق الحلويات، وكان الهدف الأساسي هو الإكرام، وتحقيق شعور بالراحة للضيف، وإظهار الاحترام والدفء الإنساني، دون أي حساسية من المراقبة الاجتماعية أو الخوف من الحكم عليه.

غير أن هذه البساطة أخذت تتراجع تدريجيًا أمام موجة جديدة فرضتها ثقافة الاستعراض ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت الضيافة من فعل اجتماعي عفوي إلى مشهد بصري محسوب التفاصيل.

لم يعد السؤال: كيف نستقبل ضيفنا؟ بل كيف ستبدو المائدة في الصورة؟ وهنا بدأت ظاهرة “البريستيج” تشق طريقها إلى البيوت، حاملة معها معايير جديدة للجمال والقبول الاجتماعي، ومعها أيضًا ضغوطًا خفية أعادت تشكيل مفهوم الكرم ذاته.

الاستهلاك الاستعراضي.. إرهاق اجتماعي

يقول المحلل الاجتماعي، حسين زبيري، في تصريح للأيام نيوز، إن ما يُقابل ظاهرة “البريستيج” هو ما يُعرف بالاستهلاك الاستعراضي، وهو نمط يقوم على استهلاك مواد وعناصر ومظاهر، كاللباس وغيره، لا بهدف سدّ حاجة ضرورية، بل بقصد الاستعراض أمام الآخرين.

ويكون الغرض من ذلك، الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة، أو إرسال رسائل رمزية إلى المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد، وهي في جميع الأحوال ليست استجابة لحاجة فعلية.

هذا التوجه يضع الفرد تحت ضغط مستمر لتقديم الأفضل بصريًا، حتى لو كان ذلك يتجاوز إمكانياته، أو يتطلب مجهودًا مضاعفًا في الإعداد والتحضير.

حسين الزبيري

ويؤكد زبيري أن هذا الاستهلاك الاستعراضي يُعدّ في جوهره إسرافًا وتبذيرًا، لأنه لا يقوم على تلبية الحاجات اليومية، وإنما على إرضاء الآخرين ونيل قبولهم. وهو ما يسبب إرهاقًا اجتماعيًا كبيرًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالضيافة وتحضير الحلويات، إذ تتحمل المرأة في الغالب الكلفة الأكبر، من حيث الجهد والوقت، هروبًا من المراقبة الاجتماعية، فوفقًا للذهنيات السائدة، تُختزل المرأة التي تقدم “بريستيج” في مائدة الضيافة على أنها مجتهدة، ويُنظر إلى عائلتها على أنها مضيافة وكريمة.

هذه الضغوط الاجتماعية لا تتعلق فقط بجهد التحضير البدني، بل تشمل أيضًا الإرهاق النفسي الناتج عن المقارنة المستمرة مع الآخرين. فالصورة المنشورة على مواقع التواصل غالبًا ما تعكس “المثالي”، حتى لو كانت تعكس واقعًا معدّلًا أو غير حقيقي، ويصبح الجميع في سباق خفي لتحقيق مستوى مماثل من الاستعراض.

الفرق بين الكرم والبذخ

في هذا السياق، يتوقف زبيري عند الفرق بين الكرم والبذخ، مشيرًا إلى أن الكرم في المجتمعات العربية ارتبط غالبًا بالكمية، في حين أن الإنسان الكريم ليس من يكثر من الأطباق وينوّعها، بل من يستقبل ضيوفه بحفاوة، ويقدّم لهم الضيافة كما ينبغي، ويرافقهم إلى قاعة الاستقبال، ويتبادل معهم الحديث، ويتقن الأطباق التي يقدّمها تكريمًا لهم.

فالإكثار من عدد الأطباق لا يُعدّ بالضرورة كرمًا، بل قد يتحول إلى شكل من أشكال الاستعراض، هروبًا من المراقبة الاجتماعية، ويشير زبيري إلى أن كثيرا من الحالات في المجتمع اليوم يظهر فيها هذا التفاوت بين الكرم الحقيقي والاستعراض، خاصة مع نمو ثقافة المقارنة المستمرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأشار المتحدث ذاته، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ساهمت بشكل سلبي في تعزيز هذه المظاهر، عبر تسليط الضوء عليها وتكريسها كنماذج يُحتذى بها، بحيث أصبحت الصور المنتشرة معيارًا يقاس عليه، والإنسان اليوم يعيش تحت ضغط المقارنة الدائمة.

وهذا يعكس تحولًا جوهريًا في القيم الاجتماعية، حيث أصبحت الصورة في حد ذاتها قيمة، والمظاهر البصرية أصبحت مؤشرًا على المكانة الاجتماعية والانتماء الطبقي.

الكرم.. من قيمة أخلاقية إلى عرض رمزي

من جهته، يؤكد الخبير الاجتماعي، الدكتور رائد ناجي، في تصريح “للأيام نيوز” أن الكرم تحوّل من قيمة أخلاقية إلى “عرض رمزي”.

فبالعودة إلى البنية التقليدية للمجتمع الجزائري، كانت الضيافة فعلًا تضامنيًا جماعيًا، يتجلى في إبقاء البيت مفتوحًا أمام الضيوف والأصدقاء والأحباب، سواء في الأعياد أو المناسبات المختلفة، وكان الكرم وسيلة لتثبيت روابط القرابة، كالمصاهرة والجيرة، وعنصرًا أساسيًا في إعادة إنتاج القيم الاجتماعية، مثل الاحترام وإكرام الضيف، بحيث كانت القيمة في الحضور والعلاقة، لا في المظاهر، وفق الخبير.

ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، انتقلت الضيافة من المجال الخاص إلى المجال العمومي الرقمي، فحدث تحول في مفهومها؛ إذ لم تعد مجرد فعل اجتماعي جماعي أو فردي، بل أصبحت أداءً بصريًا.

وهنا برز ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الاعتراف”، حيث لم تعد القيمة الاجتماعية تُستمد فقط من الأخلاق والدين والقيم، بل أيضًا من الانطباع البصري، كعدد الإعجابات والمشاهدات والتعليقات، حتى وإن تعارض ذلك أحيانًا مع العادات والتقاليد، وفق ناجي.

بيوت العائلات تتحول إلى محتوى

الدكتور رائد ناجي

يشير ناجي، إلى أن هذا التحول أحدث قطيعة مع المفهوم التقليدي للكرم، فتغيرت الدلالات والمفاهيم، فالبيت الذي كان رمزًا جامعًا للعائلة والضيف والقرابة والجيرة، تحوّل إلى علامة وهوية استعراضية، والضيافة أصبحت محتوى يمكن تصويره ونشره في أي لحظة.

أما الحلويات المعروضة على الموائد، فأصبحت استثمارًا رمزيًا يعكس مفهوم الرأسمال الرمزي؛ فكل صورة أنيقة توحي بذوق رفيع، وقدرة مالية، وانتماء طبقي أو تحديث ثقافي، حتى وإن لم يُصرّح بذلك صراحة، وفق الخبير.

وفي هذا الصدد، أكد الخبير الاجتماعي، أنّ الظاهرة لا تتلخص في الحلويات أو الديكور في حدّ ذاته، بل تعكس انتقال المجتمع من نمط تقليدي تحكمه القيم الأخلاقية إلى مجتمع رقمي تحكمه القيمة البصرية، فبعد أن كان التضامن هو الأساس، أصبحت المقارنة هي المحرك، وبعد أن كان البيت فضاءً خاصًا، أصبح معلنًا ومشاعًا للجميع، وبعد أن كان الطقس جماعيًا، أصبح موثقًا ومُعدًّا للنشر، ونحن أمام إعادة تشكيل لمفهوم المكانة الاجتماعية والذوق والنجاح العائلي، حسب قوله.

وبهذا، يؤكد الخبيران أن الحل لا يكمن في رفض الجمال أو محاربة المظاهر، بل في إعادة ترتيب الأولويات؛ فالجمال ينبغي أن يكون في خدمة العلاقة لا بديلًا عنها.

يوضح الخبير الاجتماعي رائد ناجي، أنه من كان مقتدرًا يمكنه أن يقدّم بطريقة لائقة دون تكلف، ليصبح الجمال تعبيرًا عن الاهتمام لا وسيلة للمقارنة، أما حين تحلّ الصورة محلّ العلاقة، ويُقاس الكرم بعدد الأطباق لا بالنية، فإن الخلل يصبح واضحًا، لأن الصورة وجدت لتوثيق اللحظة، لا للحكم على قيمة الكرم أو تصنيف الناس.

رابط دائم
https://elayem.news/msds5