الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

عادوا إلى ما قبل التاريخ للدفاع عن مستقبلهم.. أهالي «خربة إبزيق» بفلسطين يتخذون من الكهوف مساكن لهم

Author
ابتسام مباركي 21 سبتمبر 2023
X Facebook TikTok Instagram

يواصل الاحتلال الصهيوني، تنفيذ سياسة تهجير قسري واضحة، يهدف ـ من خلالها ـ إلى اقتلاع المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم ومصادرة أملاكهم، تحت حجة التدريبات العسكرية، وقد دفعت «خربة إبزيق» في مدينة طوباس بالضفة الغربية، ثمن هذا التوجّه العدواني بتعرّضها إلى حملة تدمير طالت أراضيها الزراعية وخيام الأهالي في مختلف مناطقها.

فمنذ سنوات، تسود مشاهد الدمار العبثي وهدم المنازل وإتلاف الخيام بكل محتوياتها، مع ترك مخلفات التدريب العسكري التي تحتوي على ألغام تمثل خطرا على حياة الأطفال والمزارعين، بالإضافة إلى مواد سامة تضر بالثروة الحيوانية والزراعية، تنتشر في كل مكان، والهدف من ذلك التضييق على حياة الفلسطينيين وإجبارهم على هجرة أراضيهم.

وتتعرض التجمعات البدوية في مناطق الأغوار إلى هجمة صهيونية مستمرة تهدف إلى تسريع وتيرة الترحيل القسري تحت وطأة الإجراءات العسكرية، وتُعد خربة إبزيق واحدة من هذه التجمعات التي عانت ويلات الاحتلال واعتداءاته المتوالية.

هدم وتهجير

وتقول سهام حروب المقيمة في خربة إبزيق وهي أم لستة في الـ46 من عمرها، في حديث صحفي سابق: “أكثر ما يخيفنا هو أنّ جيش الاحتلال يترك في جوارنا موادّا متفجرة، قد نصيبنا أو تودي بحياتنا، وهذه التدريبات ليست أمراً مؤقتاً بل تتوقّف لفترة ثمّ تعود من جديد، وهكذا”.

وتضيف: “أحياناً نعود إلى منازلنا ليلا، وبسبب الظلمة الدامسة لا نرى شيئاً في طريقنا، نتوقّف كلّ بضعة أمتار وينتظر بعضنا بعضا لكي نتأكّد ألا أحد منّا ضلّ طريقه، وعندما نصل نبدأ قبل كلّ شيء بتفقّد المنازل والمواشي”.

وتواصل سهام حروب حديثها: “حياتنا لا تُطاق ولكن ماذا في وُسعنا أن نفعل؟ إنّه احتلال وهُم يُريدوننا أن نرحل عن بلادنا.. إلى أين نذهب ونحن لا نملك مصدر معيشة آخر؟ في مناطق العالم الأخرى لا تتدرّب الدبّابات قرب منازل الناس، نحن نريد أن نعيش كما يعيش كلّ الناس في العالم”.

العودة إلى ما قبل التاريخ

وقد اصطلح العلماء والمؤرخون على تسمية الفترة السحيقة من بدايات التطور البشري بعصور ما قبل التاريخ، حينها لم يعرف الإنسان ملجأ أو ملاذا سوى الكهوف، وبالرغم من تطوّر البشرية اليوم بفضل الحداثة وما بعدها، يجد أهالي خربة إبزيق ـ في الأغوار الشمالية بالضفة الغربية ـ أنفسهم مضطرين إلى العودة إلى ما قبل التاريخ وإعادة استغلال الكهوف، بسبب عمليات الهدم المتكررة التي تنفذها سلطات الاحتلال الصهيوني لمساكنهم ومنشآتهم.

وبجهود حثيثة، وعلى مدار اليومين الماضيين، واصل متطوعون أعمال تأهيل أحد الكهوف في خربة إبزيق، ليكون مقرا للمجلس القروي الذي هدمه الاحتلال أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة بذرائع مختلفة، ويتطلعون لاحقا إلى تأهيل واستغلال كافة الكهوف الموجودة في الخربة، ليستخدمها المواطنون الذين أرهقتهم عمليات الهدم المتلاحقة لمنشآتهم.

وقال الناشط أيمن غريب، وهو أحد القائمين على المبادرة، في تصريح لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، إن فكرة تأهيل الكهوف في المنطقة تراودهم منذ فترة، وهي أفضل وسيلة ممكنة في الوقت الراهن للتغلب على واقع مرير فرضه الاحتلال على سكان الخربة وغيرها من مناطق الأغوار.

وأضاف: “ما جعلنا نفكر في استغلال الكهوف هو أنها معالم موجودة في الطبيعة أساسا وغير مبنية من قبل المواطنين، وبالتالي التغلب على الذريعة التي يستخدمها الاحتلال عادة للهدم وهي وجود المنشآت في مناطق يحظر البناء فيها”.

ذرائع الاحتلال

ولتنفيذ عمليات الهدم في خربة إبزيق وغيرها من مناطق الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، يستخدم الاحتلال العديد من الذرائع، أبرزها وجود المنشآت في مناطق يصنفها الاحتلال عدة تصنيفات منها: مناطق إطلاق النار، مناطق عسكرية، وحميات طبيعية، مناطق أثرية، وهي حجج ومسميات درج الاحتلال على استخدامها وفقا لمصالحه بما يمنع البناء والتواجد الفلسطيني فيها، ويسهل الاستيلاء عليها لصالح الاستيطان.

وأوضح غريب أن ما شجعهم كناشطين على البدء بتنفيذ الفكرة وإدخالها إلى حيز التنفيذ، وجود تجربة ناجحة سابقا لمواطنين مسافرين في الخليل، عملوا على استغلال الكهوف والسكن فيها، بعد عمليات هدم متكررة نفذها الاحتلال لمساكنهم ومنشآتهم.

تعزيز صمود أهالي تجمعات الأغوار

وقال: “نعمل حاليا ضمن حدود الممكن، وبجهود تطوعية من شبان وشابات قدموا من مختلف مناطق الضفة الغربية للمساهمة في العمل، وقمنا بتأسيس جمعية وترخيصها تحت اسم جمعية (ايخيليا) ينصبّ عملها على التطوّع خاصة في الأغوار، بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بما يساهم في تعزيز الوعي الشعبي حول أهمية الحفاظ على هذه المناطق وحمايتها من مخططات الاستيلاء والتهجير القسري التي يسعى الاحتلال إلى تنفيذها، ونحن الآن نتجه إلى تنفيذ أنشطة وأعمال تطوعية غير تقليدية تساهم بشكل حقيقي في تعزيز صمود أهالي تجمعات الأغوار”.

بدوره، أكد رئيس مجلس قروي إبزيق عبد المجيد خضيرات أهمية هذه الخطوة، معتبرا أن تأهيل الكهوف هو آخر الحلول التي توصلوا إليها، لتخفيف المشقة الناجمة عن عمليات الهدم المتكررة لمنشآت المواطنين الذين لم يعد لديهم أي سبل للصمود سوى التفكير بالعودة إلى أساليب حياة الأجداد للبقاء في أراضيهم، من خلال استغلال الموجود من معالم في الطبيعة.

وأضاف: “المواطنون في كل العالم يتجهون نحو التحديث والتطوير للارتقاء بأساليب عيشهم ورفاهيتهم، بينما نحن مضطرون للعودة إلى العصور الماضية ومحاكاة أساليب العيش القديمة كوسيلة لبقائنا في أراضينا وعدم تركها فريسة للاستيطان، علما أن المساكن والمنشآت التي يستهدفها الاحتلال بالهدم في إبزيق وغالبية تجمعات الأغوار أساسا هي عبارة عن خيام أو مساكن متواضعة من الصفيح وليست أبنية بالمعنى الحرفي”.

وتشير إحصائيات مركز أبحاث الأراضي إلى أن سلطات الاحتلال هدمت خلال عامي 2021 و2022 في محافظة طوباس والأغوار الشمالية 338 مسكنا ومنشأة ينتفع منها 2,203 فردا، ومن هذه المنشآت 59 مسكنا ومنشأة في خربة إبزيق وحدها.

نحو تعميم الفكرة

ويسعى القائمون على المبادرة إلى تعميم الفكرة والعمل على تأهيل العديد من الكهوف القديمة، التي تزخر بها خربة إبزيق، والتي يزيد عددها عن 20 كهفا، لكن ذلك يحتاج إلى تمويل وتكافل بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ومن هنا تأتي أهمية إنجاح هذا العمل الأولي، وهو مقر المجلس القروي، ليكون نموذجا ناجحا يقدم للمؤسسات ويشجعها على تقديم الدعم لتكرار التجربة وتأهيل باقي الكهوف، وفقاً لخضيرات.

وأكد أن استغلال الكهوف من الممكن أن يساهم في تخفيف مشاكل كبيرة يعاني منها سكان المنطقة، أولها انعدام السكن بسبب الهدم المتكرر، وإيجاد مأوى للمواطنين الذين يجبرهم الاحتلال على الخروج من مساكنهم عدة مرات سنويا بغرض إجراء التدريبات العسكرية في المنطقة التي غالبا ما تجري في ذروة فصل الشتاء والظروف الجوية الصعبة، إذ يبقى المواطنون خلالها في العراء مع أمتعتهم ومواشيهم، ما يشكل مشقة كبيرة عليهم، إضافة لنفوق أعداد من المواشي بسبب ذلك.

ويشار إلى أن خربة إبزيق تمتد أراضيها بما فيها السهول الزراعية والمساحات الرعوية التابعة لها على مساحة 45 ألف دونم، وتسكنها الآن 45 عائلة تضم ما يزيد عن 200 نسمة، وفقا لمعطيات المجلس القروي.

ويذكر أن الاحتلال هدم خياما سكنية، وبيوتا متنقلة “كرفانات” وحظائر ماشية، خلال السنوات الماضية لبعض العائلات في المنطقة، التي تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة، ويعتمد سكانها على هذه الخيام والكرفانات كمأوى لهم.

11 مستوطنة

علما أن الاحتلال الصهيوني يستولي على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في منطقة طوباس والأغوار الشمالية ويقيم عليها أكثر من 7 معسكرات للتدريب العسكري كفيلة بتدريب جيش دولة بأكمله، بالإضافة إلى 11 مستوطنة مقامة على تلك الأراضي المصادرة كانت في السابق معسكرات للجيش الصهيوني تم إخلائها وتحولت بعد ذلك إلى مستوطنات وبؤر استيطانية، كما هو الحال بالنسبة للمستوطنات القائمة الآن.

وكما تم الإشارة إليه آنفا، فإن قرابة 250 نسمة، في 45 عائلة سكنية، يعيشون في خربة إبزيق، وكلهم يتخذون من الخيام مساكن لهم، ويعتمدون على تربية الماشية والزراعة الحقلية، وإبزيق هي واحدة من الخرب الفلسطينية التي تقع على الشريط «الشفاغوري»، ضمن مناطق «ج»، حسب اتفاق «أوسلو»، وتقدر مساحتها بـ45 ألف دونم، معظمها للزراعة الحقلية.