الأحد : 02-10-2022

عام على اعتداء الكركرات.. تخبّط مغربي وانتصار صحراوي خماسي

يمرّ، السبت، عام على الاعتداء العنيف الموثق جيدا الذي نفذته القوات المغربية في 13 نوفمبر 2020 ضد مجموعة المدنيين الصحراويين الذين كانوا يحتجون سلميًا في المنطقة ضد الاحتلال المغربي غير الشرعي، وأفرز ذاك الاعتداء تداعيات عكسية على المخزن رغم استقوائه بالصهاينة والفرنسيين إثر انخراطه المثير في مقايضة أمريكية رخيصىة زمن ترامب.

وحقّق الصحراويون خمسة انتصارات كان أقواها دويًا الحكم القضائي المزدوج للمحكمة الأوروبية، بجانب قلب الجيش الصحراوي للموازين بتنفيذه عدّة ضربات في العمق المغربي، وتعيين مبعوث أممي جديد إلى الصحراء الغربية ليتّم طي حالة مزمنة من الشغور، في انتظار تفعيل الحل السياسي بشكل يتيح تقرير مصير شعب الساقية الحمراء ووادي الذهب، وتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.

كل شيء بدأ صباح الجمعة 13 نوفمبر 2020، حين خرق الاحتلال المغربي اتفاق وقف إطلاق النار، وشنّ عدوانًا سافرًا على المدنيين المسالمين في الثغرة غير الشرعية بمنطقة الكركرات، ولمواجهة الهمجية المغربية، اضطرّت القوات المسلحة لجبهة البوليساريو للاشتباك مع القوات المغربية دفاعًا عن النفس وحماية للمدنيين الذين تم إجلاؤهم الى أماكن آمنة.

واللافت أنّ الأمانة العامة للأمم المتحدة أحجمت بشكل غير مبرّر عن تسمية الأشياء بمسمياتها وإدانة ما اقترفته دولة الاحتلال المغربية، باعتبارها المسؤولة المباشرة والوحيدة عن خرق وقف إطلاق النار الذي استمر لقرابة ثلاثين عامًا، كجزء لا يتجزأ من خطة التسوية المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية التي قبلها الطرفان (جبهة البوليساريو والمغرب) في أوت 1988، وصادق عليها مجلس الأمن في قراريه 658 (1990) و690 (1991).

وخلافًا للرواية الانتقائية والاختزالية المغربية لأحداث 13 نوفمبر 2020، فإنّ دولة الاحتلال المغربية خرقت الاتفاق العسكري رقم 1، القاضي بإدخال قواتها المسلحة في وقت مبكّر من ذلك اليوم إلى ما كان يسمى آنذاك بـ “الشريط العازل بمنطقة الكركرات في المناطق الصحراوية المحررة”.

وبتاريخ الأحد 22 نوفمبر 2020، أطلقت باريس العنان لمناورة جديدة بعد افتتاح دولة الإمارات قنصلية في منطقة العيون المحتلة، حيث قام الإعلام الفرنسي بالنفخ في جذوة الإدعاءات المغربية والقفز على حقيقة وجود الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بتقديم “فيلم دعائي” في محاولة فرنسية يائسة لإسعاف المغرب الذي عاش عزلة عقب شجب الإتحاد الإفريقي للعدوان المغربي.

وهم الاختراق

في صفقة قام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بطهيها، شهد الخميس العاشر ديسمبر 2020، تطبيع المغرب مع الكيان الصهيوني عبر اعتراف الحاكم السابق للبيت الأبيض بأكذوبة (السيادة المغربية على الصحراء) مقابل تطبيع العلاقات الدبلوماسية رسميا بين الرباط وتل أبيب بمزايا اقتصادية أيضًا، وعبّر ترامب آنذاك عن الخطوة بتصريحه: “اختراق تاريخي آخر اليوم! اتفقت صديقتانا العظيمتان إسرائيل والمملكة المغربية على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة – اختراق هائل للسلام في الشرق الأوسط!”.

وظلّ وهم ترامب بشأن (مغربية) الصحراء دون أثر، حيث أسقطت الإدارة الأمريكية الجديدة في الأشهر اللاحقة، ذاك الاعتراف، وأيّدت دعمها لدفع المسار السياسي الأممي من أجل التوصل إلى حل دائم في الصحراء الغربية.  

وفي خطوة هامة، طالب مجلس السلم والأمن الإفريقي يوم الثلاثاء التاسع مارس 2021، الأمين العام للأمم المتحدة برأي قانوني استشاري حول ما يسميه المغرب (فتح قنصليات) في الأجزاء المحتلة من الصحراء الغربية، كما أثار القرار ذاته مسألة نهب الثروات ووضعية حقوق الإنسان، ودعا إلى إعادة فتح مكتب الإتحاد الاإفريقي في مدينة العيون الصحراوية المحتلة.

هذا القرار أبرز الالتفات الإفريقي للنزاع وتأكيده على طبيعته، خاصةً وأنه طالب الدول الإفريقية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بتقديم القرار كوثيقة رسمية بالمجلس “يعتمد عليها ويعتبرها مرجعًا له” في معالجته لهذا النزاع، بشكل جعل المغرب مخيّرًا بين الانخراط بجدية في العملية السياسية أو العودة إلى العزلة الإفريقية التي كان عليها قبل انضمامه إلى الإتحاد الإفريقي في 2017 بعد 33 سنة من المقاطعة.
بيد أنّ المغرب تنكّر لقرار مجلس السلم والأمن الإفريقي الأخير، لكن الأخير أسّس لعهد جديد في ملف الصحراء الغربية يقوم على اعتبار أنّ النزاع يقوم بين بلدين عضوين، ويطالب بتفعيل أجهزة صنع القرار في الهيئة القارية وانخراطها المباشر في حلّه، كما يطالب بإيفاد بعثة تقصّي الحقائق للبلدين العضوين، بعيدًا عن السياسة المغربية القائمة على الهروب إلى الأمام والتلكؤ ونقض العهود والخذلان.

وبالتزامن مع تزايد الانتهاكات المغربية لحقوق الانسان في المدن الصحراوية المحتلة اعتبارًا من يوم الثلاثاء 23 مارس 2021، جرى محاصرة الناشطة الحقوقية الصحراوية سلطانة سيدي ابراهيم خيا، وعائلتها، ورغم مطالبة منظمة العفو الدولية “أمنيستي”، للسلطات المغربية، برفع الإقامة الجبرية المفروضة بشكل تعسفي على سلطانة، إلاّ أنّ الحصار تواصل وتمدّد.

وعلى وقع الضربات القاسية لوحدات جيش التحرير الشعبي الصحراوي ضدّ تخندقات جنود الإحتلال المغربي، استنجدت الرباط بالكيان الصهيوني يوم الجمعة 13 أوت 2021، وأطلق وزير خارجية الكيان “يائير لابيد”، إعلان حرب، على الجزائر التي رفضت انضمام سلطة الاحتلال كعضو ملاحظ في الإتحاد الإفريقي.

وأتى حديث “لابيد” عن “تباحثه الوضع في الصحراء الغربية” (..) مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، ليؤكد زيف خطاب العاهل المغربي محمد السادس في جويلية الأخير، الذي زعم رغبة بلاده في ترميم علاقاتها مع الجزائر، في وقت خطّط المخزن لتنفيذ “أجندات” معادية لها.

سُعار النهب

كشفت منظمات غير حكومية يوم الاثنين 16 أوت الماضي، عن تفاقم النهب المغربي لثروات الشعب الصحراوي، أعقبته مرافعة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مطلع سبتمبر الفائت لـ “ضرورة التوصّل إلى حل سياسي وعادل” في تقريره الذي غطّى الفترة من الفاتح سبتمبر 2020 إلى 31 أوت الأخير، وذكّر غوتيريش بقرارات لجنة المسائل السياسية الخاصة بإنهاء الاستعمار (اللجنة الرابعة) التابعة للجمعية العامة واللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الإستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، التي تعتبر الصحراء الغربية “إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي ومسألة تتعلق بإنهاء الاستعمار”.

ودفع ما تقدّم، بالمغرب يوم الأربعاء 15 سبتمبر المنقضي، للرضوخ إلى مقترح تعيين الإيطالي-السويدي ستيفان دي ميستورا، مبعوثًا أمميًا جديدًا إلى الصحراء الغربية، بعد أن ظلّت الرباط تُماطل وترفض هذا الاقتراح منذ أشهر، على نحو جمّد مسار السلام وعرّضه لخطر الإنسداد.

ضربة قوية للدعاية الكاذبة  

حقّقت الجمهورية الصحراوية الديمقراطية الشعبية، يوم 29 سبتمبر الماضي، انتصارًا قضائيًا مزدوجًا على المغرب، بعدما أنصفت محكمة الاتحاد الأوروبي شعب الساقية الحمراء ووادي الذهب، بإقرارها إلغاء اتفاقيتي الثروة السمكية والزراعة، اللتان تربطان المغرب بالاتحاد الأوروبي والموسعة إلى الصحراء الغربية المحتلة، مؤكدة أنّ إبرامهما انتهك قرار محكمة العدل الأوروبية لسنة 2016، وتم دون موافقة الشعب الصحراوي، كما أكّدت المحكمة الأوروبية أنّ جبهة البوليساريو هي المُمثل الوحيد والشرعي للشعب الصحراوي.

وفي صدمة جديدة للمغرب وحلفائه، مهّد الحكم، الطريق لنقل الضغط من مؤسسات وحكومات الإتحاد الأوروبي إلى الشركات الأوروبية التي تعمل في الصحراء الغربية جنبًا إلى جنب مع الرباط، وبالتالي توجيه رسالة قوية أنّ أنشطة هذه الشركات خارج الشرعية الدولية.
وإثر ترسيم تعيين دي ميستورا مبعوثًا أمميًا خاصًا، خلفًا للمستقيل هورست كوهلر، قرّر مجلس الأمن الدولي يوم السبت 29 أكتوبر الماضي، تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء بإقليم الصحراء “المينورصو” عامًا إضافيًا وذلك حتى 31 أكتوبر 2022، وجاء ذلك رغم إجماع المراقبين والفاعلين أنّ بعثة المينورصو، التي مكثت في الأراضي الصحراوية المحتلة طوال الثلاثين سنة المنقضية، فشلت في تحقيق هدفيها الأساسيين المتمثلين في احترام وقف إطلاق النار بين القوات المغربية والجيش الصحراوي وتنظيم استفتاء حول حق تقرير المصير الذي لطالما دعت إليه منظمة الأمم المتحدة.
تلك النكسة الأممية جعلت ممثّل جبهة البوليساريو بأوروبا والاتحاد الأوروبي البشير أبي بشرايا، يصرّح في الثاني نوفمبر الجاري أنّ الخطوة تدفع إلى التصعيد في الصحراء الغربية، وهو ما برز 48 ساعة من بعد، بكيل ممثل المغرب لدى الأمم المتحدة اتهامات خادعة تهدف إلى تشويه الحقائق القانونية والسياسية في الصحراء الغربية وتبييض الممارسات الاستعمارية المغربية في هذه المنطقة تحت الاحتلال .
وفي مقابل بروز الوجه القبيح للمغرب إبان السنة الأخيرة، يقف الشعب الصحراوي وجيشه البطل في الذكرى الأولى لعدوان الكركرات، أمام حصيلة معتبرة وعمل ميداني متميز من حيث الشمولية على درب التحرّر.