تُعدّ جائزة رئيس الجُمهورية للمبدعين الشباب -علي معاشي- محطة سنوية بارزة في المشهد الثقافي الجزائري، بما تحمله من رمزية رسمية ودعم معنوي للمواهب الصاعدة. غير أن كل طبعة تعيد إلى الواجهة نقاشًا هادئا، حول حدود التصنيف المعتمد، في ظل غياب بعض الأجناس الأدبية والفنية الحاضرة بقوة في الساحة الثقافية، على غرار القصة القصيرة، والشعر الشعبي (الملحون)، والترجمة، وهي مجالات إبداعية تنتظر اعترافا تنظيميا، يواكب حيويتها وانتشارها بين الشباب.
تعتبر "جائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب – علي معاشي" أرفع وسام ثقافي تمنحه الدولة الجزائرية للأقلام والمواهب الشابة دون سن الخامسة والثلاثين، وهي المحطة التي يشرئب لها عنق كل مبدع ليخطو أولى خطواته نحو الاحتراف والاعتراف الرسمي.
وتغطي الجائزة سنويا فروعا فنية وأدبية متنوعة تشمل: الرواية، الشعر (الفصيح)، العمل المسرحي المكتوب، الأداء المسرحي، الأعمال الموسيقية، الرقص الكوريغرافي، الفنون التشكيلية، والسينما. ورغم هذا التنوع الظاهر، إلا أن هناك "حلقات مفقودة" في سلسلة الإبداع، تثير مع كل طبعة نقاشا متجددا حول معايير التصنيف والإقصاء.
ووسط هذا الزخم، ترتفع أصوات فئات عريضة من المبدعين الشباب الذين يجدون أنفسهم خارج أسوار المسابقة، لا لضعف في نصوصهم، بل لغياب "الخانة" التي تحتويهم؛ فالقصة القصيرة، والشعر الشعبي (الملحون)، والترجمة، لا تزال أجناسا أدبية "يتيمة" تبحث عن اعتراف رسمي داخل هذه الجائزة المرموقة.
مفارقة التسمية: حين يُقصى "إرث" علي معاشي من جائزته!
لعل المفارقة الصارخة التي تستوقف المتابعين للشأن الثقافي، تكمن في طبيعة الفن الذي كان يقدمه الشهيد "علي معاشي" نفسه، والذي تحمل الجائزة اسمه تخليدا لذكراه.
فصاحب رائعة "يا بابور" و"أنغام الجزائر" لم يكن روائيا ولا شاعرا فصيحا بالمعنى الكلاسيكي، بل كان فنانا وشاعرا شعبيا بامتياز، صاغ روائعه بلهجة البسطاء ونظم كلماته على بحور الشعر الملحون الذي يعتبر وعاء الذاكرة الجزائرية.
ويبدو من الغريب أن تُحجب جائزة تحمل اسم رمز "الأغنية والكلمة الشعبية الهادفة" عن ورثته الشرعيين من شعراء الملحون والشعر الشعبي، الذين يجدون أبواب المشاركة موصدة أمامهم، بينما تفتح لغيرهم في الأصناف الأدبية الأخرى.
وفي هذا السياق، يرى الشاعر الشعبي "البار البار"، الذي طالما ناضل عبر مناشير وكتابات عديدة لإنصاف هذا اللون الأدبي الأصيل، أن استبعاد الشعر الشعبي يعد تناقضا مع روح الجائزة وهويتها وخصوصية الجنس الأدبي الذي يمثله علي معاشي الشاعر الشعبي الذي تسمى الجائزة باسمه.
ويؤكد "البار البار"، في تصريح لـ"الأيام نيوز"، أن الشعر الشعبي كان ولا يزال ذاكرة الأمة ووعاءها الذي لا ينضب، حيث دوّن منذ أزيد من ستة قرون أحداثا هامة في تاريخ البلاد، ورافق الثورات الشعبية والثورة التحريرية الكبرى شاحذا للهمم ومؤرخا للأحداث بأمانة، ما يجعله سندا مهما من سندات البحث التاريخي.
ويشير المتحدث إلى أنه لا يمكن حصر الشعر الشعبي في التأريخ والتحرر فقط، وقد شمل أغراض الشعر المتعارف عليها، وساير التطورات الحاصلة في جميع الأجناس الأدبية الأخرى، وتناوله عدد هائل من الشعراء بمختلف مستوياتهم التعليمية والثقافية، كما دُرّس في الجامعات وتخرج فيه دكاترة ونقاد ينظّرون له في كبريات المنتديات والمهرجانات الوطنية والعالمية، ولذا، يرى البار أن وجوده كفرع في جائزة علي معاشي كان يفترض أن يكون أمرا بديهيا لا يحتاج لنضال ومراسلات.
وكشف الشاعر عن تحركاته الميدانية في هذا الصدد، إذ راسل وزارة الثقافة بأربع رسائل مفتوحة؛ اثنتان منها للوزيرة السابقة صورية مولوجي لم يتم الرد عليهما، ورسالة للوزير السابق زهير بللو الذي رد بوعد كتابي لإدراج الفرع في طبعة 2026، ورسالة للوزيرة الحالية مليكة بن دودة، إذ أُبلِغ باهتمامها بالموضوع. لكنه تفاجأ، رفقة المهتمين، بخلو إعلان المسابقة الجديد من فرع الشعر الشعبي.
ورغم هذا الإقصاء التنظيمي، يرى البار البار بارقة أمل وعزاء للشعراء الشعبيين، موضحا أنه يمكنهم إرسال مشاركاتهم ضمن فرع "الشعر" العام المدرج في المسابقة، لأن مصطلح "الشعر" يشمل كل الأنواع الشعرية (الفصيح، الشعبي، القبائلي، الشاوي، التارڤي، المزابي...)، مستدلا بأن الجائزة الثانية في الدورة السابقة كانت من نصيب قصيدة كُتبت بالقبائلية، ما يؤكد أن الإعلان لم يحدد نوعا ولم يقصِ آخر.
كما دعا المتحدث، في ختام تصريحه، الشعراء الشباب للمشاركة بقوة وعدم تفويت الفرصة، باعتبار أن "الشعر شعر" مهما اختلفت الألسن.
القصة القصيرة: الفن الصعب في مواجهة "طغيان" الرواية
على جبهة أدبية أخرى، يعاني كتّاب "القصة القصيرة" من تهميش مماثل، إذ يجدون أنفسهم في منطقة رمادية؛ فهم كتاب سرد، لكن جائزة السرد الوحيدة المتاحة هي "الرواية"، ما يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما العزوف عن المشاركة، أو محاولة "مطّ" نصوصهم لتشبه الرواية، وهو ما يفسد جوهر الفن القصصي.
وتعد القصة القصيرة، بفنياتها العالية التي تتطلب التكثيف واللغة المصقولة والضربة القوية في النهاية، "مخبرا" حقيقيا لولادة الأدباء الكبار، وكثير من الروائيين العالميين بدأوا كقاصين.
ويعتبر الكاتب والناشط الثقافي، عبد الرزاق بوكبة، من أبرز المدافعين عن ضرورة إفراد مساحة خاصة لهذا الجنس الأدبي، مؤكدا أن القصة القصيرة ليست "رواية صغيرة" إنما هي فن قائم بذاته له شروطه وجمهوره، فقد سبق له أن أطلق جائزة عمار بلحسن للإبداع القصصي عام 2020، وهي تستعد لإطلاق دورتها الخامسة، مساهمة في إبراز عدة مواهب قصصية.
وعن ضرورة إدراج القصة القصيرة كفرع مستقل في الجائزة، يوضح عبد الرزاق بوكبة، بالقول إنه اقترح على مصالح وزير الثقافة والفنون السابق، زهير بللو، إضافة القصة القصيرة إلى الفروع الأدبية لجائزة على معاشي، فكانت الاستجابة فورية، واستقبلت دورة 2025 أربعا وخمسين مشاركة قصصية، حيث توج ثلاثة قصاصين شباب هم عبد الرزاق عباس، من برج بوعريريج، وعبد الرحيم بلغنامي من بشار، ونبيل بن دحو من تلمسان، وتم الاحتفاء بهذه الإضافة، من خلال الملتقى الوطني للقصة الذي حمل اسم القاص الراحل الشريف شناتلية، بتنظيم من المكتبة الرئيسية لأم البواقي.
ويضيف صاحب المجاميع القصصية "أجنحة لمزاج الذئب الأبيض" و"کفن للموت" و"ظل متسمر لطائر لا يهدأ" و"ماء سريع الالتهاب": "لكنني تفاجأت بخلو دورة 2026 من فرع القصة، بما ظهر لي تراجعا عن مكسب محقق ومهم، فقمت بمراسلة السيدة وزيرة الثقافة والفنون الجديدة، في منشور فيسبوكي قائلا إنه سلوك غير مؤسساتي، فالخطوة يفترض أن تكون مرتبطة بالوزارة لا بطبيعة من يأتي من الوزراء، فتلقيت توضيحا من الوزارة مفاده أن الوزارة لم تتراجع عن اعتماد القصة ضمن فروع الجائزة، وكل ما في الأمر أن إضافتها في الدورة السابقة كانت من غير مراجعة المرسوم الرئاسي الناظم للجائزة، وقد تقدمت الوزارة لمؤسسة الرئاسة لأجل مراجعة المرسوم، وبما أن الرد لم يصل بعد، فقد تم إطلاق الدورة الجديدة من غير إدراج القصة القصيرة، ريثما يصدر التعديل الخاص بها في المرسوم، حتى لا تتأخر الدورة عن موعدها السنوي.
أي أن الدورة القادمة، يقول بوكبة، ستتضمن فرع القصة، حسب توضيح الوزارة، وهذا أمر مفرح ومشجع ومشكور.
الترجمة: جسر التواصل الغائب في زمن الانفتاح
لا يكتمل المشهد الأدبي في أي دولة تطمح للنهوض الثقافي دون وجود حركة ترجمة قوية، تنقل إبداع الآخرين إلينا، وتنقل صوتنا إلى العالم. وتزخر الجزائر بطاقات شبابية هائلة في مجال الترجمة، سواء من اللغات الأجنبية إلى العربية والأمازيغية أو العكس.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذا التخصص، إلا أنه يغيب تماما عن فروع جائزة علي معاشي، ما يحرم المترجمين الشباب من الحافز المعنوي والمادي الذي يدفعهم للاستمرار في هذا العمل الشاق والدقيق.
ويرى المترجم والكاتب، عمار قواسمية، أن تغييب الترجمة هو تغييب للفعل الحضاري الأهم في عصرنا، وأن تشجيع المترجمين الشباب هو استثمار مباشر في الدبلوماسية الثقافية للجزائر.
وفي هذا السياق أفاد المترجم والكاتب عمار قواسمية أن الترجمة كانت على مرّ الدهور عُدَّة الأمم في نهضتها، وسُلَّمها إلى اقتباس العلوم وتداول الآداب، وأن الثقافات لا تتعارف إلا بها، ولا يثبُت ذِكرها في العالم إلا إذا وجدت من ينقلها بلسانٍ أمينٍ وعقلٍ بصير.
وأوضح أن اقتراح إدراج فئة الترجمة الفنية ضمن جائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب "علي معاشي" قد رفعه عبر بوابة بيت الجزائر الثقافي -وهو مرفقٌ رسميٌّ تابعٌ لوزارة الثقافة والفنون- من خلال نافذة "رسالتكم وصلت"، فجاءَه الرَّدُّ مكتوبا صريحا، مُثبِتا قَبول الاقتراح وتثمينه، ومُقِرّا بدور الترجمة في إثراء المشهد الثقافي والفني.
وبَيّن أنّ الوزير السابق للثقافة والفنون، زهير بللو، وافق على هذا المقترح في إطار مراجعة قانون الجائزة وتطويرها بإضافة فئات جديدة، مع التنصيص على دخول هذا التعديل حيز التنفيذ ابتداء من دورة لاحقة، وهو ما جرى الإعلان عنه في مواد إعلامية أكدت أن الترجمة جسر الثقافات، وأداة نقل الفكر والمعرفة، ووسيلة التعريف بالأدب الجزائري لدى الأمم الأخرى.
غير أن الإعلان الأخير للجائزة، في عهد الوزيرة الجديدة، مليكة بن دودة، خلا من ذِكر هذه الفئة؛ ما فتح باب التساؤل بشأن مَآلِ قرارٍ أُقِـرّ، ووُثِّق، وتداوله الإعلام، وانتظره المترجمون الشباب بوصفه اعترافا بجهودهم، وفرصة لتكريم إبداعهم، وسبيلا للاستفادة المادية الضرورية لكل شاب في بداية طريقه! لا سيما أنّ جوائز الترجمة في الوطن تكادُ تكون منعدمة وغير مُحَفّزة تماما..!
وأشار قواسمية إلى أن تاريخ الحضارة شاهد عَدلٌ على منزلة الترجمة؛ إذ بها قام بيت الحكمة في بغداد، فكان موئل العلماء، ومجمع الحكم، تُتَرجَم فيه علوم الأوائل، ثم تُشرَح وتُزاد وتُبدَع، حتى صارت بغداد قبلةَ المعرفة في زمانها.
وبالترجمة نفسها شقّت اليابان طريقها إلى النهضة العلمية الحديثة، فأحكمت النقل، ثم أحسنت الفهم، ثم بلغت طور الإبداع، فغَدَت مثالا يُحتَذَى في تحويل المعرفة الوافدة إلى قوّةٍ منتجة.
وختم بالقول إن إدراج فئة الترجمة الفنية في جائزة "علي معاشي" يفتح أُفُقا جديدا للمواهب الشابة، ويمنحها حافزا معنويا ومجالا تنافسيا منضبطا، ويساهم في إثراء المكتبة الوطنية بأعمال مُحكمة، كما يعبر عز انفتاح المؤسسة الثقافية على اقتراحات الفاعلين فيها، مؤكّدا أن الثقافة التي تُقيم وزنا للترجمة تُحسِنُ صَوغ حضورها، وتُحكِمُ أسباب إشعاعها، وتضع لبنة راسخة في بناء نهضتها، ولا نقلَةَ حضارية دون حركة ترجمة، كما قال جورج صاليبا.
وزارة الثقافة: المسألة تنظيمية.. والمرسوم الرئاسي هو "الفيصل"
وأمام هذه التساؤلات المشروعة التي يطرحها الفاعلون في الحقل الثقافي، تفيد المعطيات المستقاة من مبنى الوزارة الوصية أن غياب هذه الفروع في الدورة الحالية لا يعكس تراجعا عن دعم هذه الأجناس الأدبية، بقدر ما هو التزام ضروري بالنصوص القانونية السارية.
وتشير التوضيحات إلى أن إدراج فرع "القصة القصيرة" في الطبعة الماضية كان خطوة استباقية ومكسبا تم تحقيقه بحماس، لكنه تم دون تعديل مسبق للمرسوم الرئاسي الصادر عام 2006، والذي يعتبر الإطار القانوني الوحيد الذي يحدد تفاصيل الجائزة وفروعها بدقة.
ولتصحيح هذا الوضع وضمان ديمومة هذه الفروع (القصة القصيرة، الشعر الشعبي، والترجمة) وحمايتها من المزاجية الإدارية، بادرت الوزارة برفع طلب رسمي لتعديل المرسوم الرئاسي لترسيم هذه التخصصات بشكل نهائي وقانوني.
ونظرا لأن مسار تعديل المراسيم الرئاسية يتطلب وقتا وإجراءات خاصة، ارتأت الجهة المنظمة إطلاق الدورة الجديدة من الجائزة في موعدها المحدد تفاديا لأي تأجيل قد يربك الرزنامة الثقافية، مع الالتزام التام بإعادة إدراج القصة القصيرة، والشعر الشعبي، والترجمة، فور صدور المرسوم المعدل الذي سيمنحها الشرعية الكاملة ومقعدا دائما في الطبعات المقبلة.
وتبقى الآمال معلقة بأن تشهد الطبعات القادمة من جائزة "علي معاشي" انفتاحا أكبر، ينصف "أبناء الهامش" الإبداعي، ويعيد الاعتبار للشعر الشعبي الذي مات صاحبه من أجله، ويفتح النوافذ للسرد القصصي والجسور الترجمية، لتكتمل لوحة الإبداع الجزائري الشاب.

