الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

“عجبا لهذا النفاق”!.. “طرطوف” يوقّع بيانات باريس

Author
حميد سعدون 21 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي السياسة الفرنسية بالنفاق، ردا على تصريحات لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بشأن الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران، معتبرا أن باريس تتجاهل ما جرى من قصف ومعاناة داخل المدن الإيرانية وتقدّم مواقف انتقائية في ملف حقوق الإنسان. كما استحضر بقائي مفهوم النفاق في الأدب الكلاسيكي عبر مسرحية “طرطوف” لموليير، ليقارن بين سلوك الشخصية المتخفية خلف الفضيلة وبين ما يراه تناقضا في الخطاب السياسي الفرنسي، قبل أن يختتم هجومه بعبارات شديدة اللهجة ضد “ازدواجية المعايير الفرنسية”.

وصف بقائي، يوم الجمعة، السياسة الفرنسية بـ”النفاق”، وذلك ردا على تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التي قال فيها إنّ الشعب الإيراني “هو الخاسر الأكبر من الحرب”. وقال بقائي، في منشور على منصة “إكس”: معالي الوزير، يبدو أنّ النفاق والرياء لا يزالان حتى يومنا هذا من السمات البارزة للثقافة السياسية الفرنسية – تلك الرذيلة نفسها التي تحدّث عنها موليير بدقة في مسرحيته (طرطوف) أو ‘المنافق’ عام 1664 قائلا “لقد أصبح النفاق موضة العصر”.

وأضاف: “لقد لزمتُم الصمت في وقت كانت فيه المدن الإيرانية تُقصف بقسوة، وكان الإيرانيون الأبرياء يُبادون بوحشية في ميناب وطهران ولامرد وأصفهان وأماكن أخرى، بل إنكم تواطأتم في واقع الأمر مع المعتدين؛ واليوم، وتماشيا مع المصالح السياسية لنظامكم، استفاقت ضمائركم فجأة وبشكل انتقائي، ورحتم تعظون الإيرانيين بكلّ وقاحة عن حقوق الإنسان!”. وختم بقائي مستهجنا: “عجبا لهذا النفاق والرياء!”.

وتستحضر مسرحية “طرطوف”، أو “المنافق”، فكرة النفاق في صورتها الكلاسيكية، من خلال شخصية تتخفّى خلف مظاهر الورع والتقوى لتضليل من حولها، وتُظهر التناقض بين الخطاب الأخلاقي الظاهر والسلوك الحقيقي القائم على المصلحة والخداع.

وكان وزير الخارجية الفرنسي قد قال في مقابلة مع قناة “فرانس إنفو” التلفزيونية: “هم (الشعب الإيراني) الضحية الأكبر لهذه الحرب، عالقون بين القمع من جهة والقصف من جهة أخرى. لن ننسى مذابح يناير حين استهدف عنف الدولة المتظاهرين السلميين بشكل عشوائي”.

فحص السياسة الفرنسية

ومن دون تقديم دليل على كلامه، أطلق جان نويل بارو هذا الحكم، وكأن طهران هي من ظلمت واشنطن واعتدت عليها، وهو تفكير يشير إلى أن الوزير الفرنسي ربما لا يكون في وعيه، وبالتالي وجب فحصه للتأكد من أنه لا يتعاطى أمورا ملعونة.

والواقع أن هذا ليس تحاملا، فقط كشف موقع “بوليتيكو” عن تعميم أرسله رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو إلى وزرائه، يطلب فيه تنظيم “فحوصات عشوائية وإجبارية” للكشف عن احتمال تعاطي المخدرات داخل مؤسسات الدولة.

وينص التعميم على إجراء “فحوصات لعاب” لأعضاء المكاتب الوزارية، وللمسؤولين الكبار المعينين بقرار من مجلس الوزراء. كما كُلف الوزراء بإعداد “قائمة بفئات الوظائف التي قد تخضع لفحوصات دورية”، على أن يتم تقديم خطة عمل إلى رئيس الحكومة قبل 26 جوان، مع تقديم تقرير شهري عن تنفيذها.

وترى رئاسة الوزراء أن تعاطي المواد المخدرة من قبل موظفي الدولة، “حتى بشكل عرضي في إطار خاص، يُعد، إضافة إلى المخاطر الشخصية وتأثيره على الخدمة، نقطة ضعف يمكن استغلالها من قبل جماعات ضغط أو شبكات إجرامية أو محاولات تدخل خارجي”.

وإلى جانب أعضاء المكاتب الوزارية وموظفي الوزارات، ستشمل الإجراءات السفراء والقناصل والمحافظين ومديري أجهزة الشرطة، وكذلك مديري الأكاديميات التعليمية. كما يشمل القرار رئيس الوزراء والوزراء أنفسهم.

وقالت رئاسة الوزراء في بيان لاحق: “لا يمكن للدولة أن تنفذ سياسة واضحة ضد تهريب المخدرات وآثاره في المجتمع دون أن تفرض على نفسها نفس المتطلبات”، مشيرة إلى أن مكتب رئيس الوزراء قد امتثل بالفعل لهذه الإجراءات.

وفي حال كانت نتيجة الفحص إيجابية، يمكن اتخاذ إجراءات “بما في ذلك إجراءات تأديبية”، مع توجيه المتعاطين إلى “مراكز علاجية”. كما أوضحت رئاسة الوزراء أن هذه الفحوصات تترافق مع ضمانات واضحة، تشمل: الحق في إجراء فحص تأكيدي، وحماية البيانات الشخصية، والتشاور المسبق مع ممثلي الموظفين.

ووفقا لصحيفة “كانار آشني” بتاريخ 17 فيفري، فإن أحد أعضاء مكتب رئيس الوزراء، وهو مستشار لشؤون الزراعة وكان يشغل منصبه قبل تولي ليكورنو، قد أُبعد من مقر رئاسة الحكومة بسبب تعاطي المخدرات في نهاية عام 2025. وتقدم الحكومة هذا الإجراء الجديد باعتباره جزءا من خطة لتوسيع مكافحة شبكات تهريب المخدرات.

وفي حال تمّ هذا التوسّع، فمن الجدير أن يشمل الوزير الفرنسي الذي ألبسه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل قناع “طرطوف”، بوصفه رمزا للنفاق الباريسي المزمن الذي لا يظهر إلا في اللحظات التي تتقاطع فيها المصالح مع الفرص السياسية، ثم يتوارى عند اشتداد الأزمات.

دبلوماسية باريس ذات الإيقاعين

وفي مفارقة سياسية لافتة، تبدو باريس وكأنها تتحرك دائما على إيقاعين متناقضين: حضور خافت أو شبه غائب حين تتصاعد الأزمات في الإقليم، وصوت مرتفع ومباشر حين تلوح في الأفق أي تسويات أو ترتيبات سياسية جديدة.

ففرنسا، التي تراجع حضورها الفعلي في عدد من الملفات الدولية خلال السنوات الأخيرة، لم تتردد في العودة إلى واجهة المشهد – عبر الوزير نفسه، المشمول بإجراءات فحص المخدرات – معلنة رغبتها في لعب دور في المفاوضات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، مع الإبقاء على شرط واضح مفاده أن رفع العقوبات الأممية عن طهران لن يكون ممكنا إلا بموافقة باريس على مخرجات الاتفاق النهائي.

ويقدّم بارو هذا الموقف بوصفه جزءا من رؤية أشمل للاستقرار الإقليمي، إذ يرى أن أي تسوية بين واشنطن وطهران لن تكون كافية ما لم تتوسع لتشمل ملفات أخرى أكثر حساسية، من بينها البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي وعلاقاتها مع حلفائها.

وفي هذا السياق، تربط باريس أي “تنازلات كبيرة” من الجانب الإيراني بإمكانية رفع العقوبات المفروضة دوليا، في مقاربة تجعل من العقوبات أداة ضغط دائمة أكثر من كونها نتيجة تفاوضية قابلة للتعديل.

كما تستند فرنسا إلى موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وما يتيحه لها ذلك من قدرة على التأثير في مسار أي اتفاق نهائي أو تعطيله عبر آليات التصديق ورفع العقوبات، وفق ما يقرّه النظام الدولي.

وتنسجم هذه المقاربة مع مساع فرنسية–بريطانية–ألمانية لإعادة تثبيت حضورها داخل مسار التفاوض النووي، بعد فترة من التهميش المزمن لصالح أطراف أكثر فاعلية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تقود المفاوضات الحالية مع إيران.

وتستحضر هذه الدول أيضا تجربتها السابقة في مسار التفاوض مع طهران، منذ انطلاق الحوار الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني عام 2003، مرورا بالتعاون مع إدارة باراك أوباما الذي أفضى إلى اتفاق عام 2015، وانتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الاتفاق بشدة وسحب الولايات المتحدة منه خلال ولايته الرئاسية الأولى.

وفي هذا السياق، تذهب تصريحات بارو إلى التأكيد على أن الهدف الفرنسي يتمثل في “انتزاع تنازلات كبيرة” من إيران وإحداث “تغيير جذري” في سلوكها، مع التشديد على أن عضوية فرنسا الدائمة في مجلس الأمن تمنحها، وفق هذا المنطق، قدرة حاسمة على ربط أي اتفاق بآليات تنفيذ وضمانات دولية، بما يجعل موقفها جزءا أساسيا من معادلة الحل لا مجرد طرف مراقب في خلفية المشهد.