الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

عسكرة الأجواء وحرب الحواضر.. كيف يعيد إرهاب المُسيّرات والمطارات صياغة الأمن الإقليمي في إفريقيا؟

Author
إدريس محمد سنوسي 22 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

ما بدأ كتجارب أولية فاشلة ومحدودة في عام 2011، تحول اليوم بحلول منتصف عام 2026 إلى تهديد عملياتي حاسم يعيد رسم خارطة المواجهات في القارة الإفريقية. ولم يعد استخدام الطائرات بدون طيار أو استهداف المنشآت الحيوية مجرد رفاهية تكنولوجية تستعرض بها الجماعات المسلحة نفوذها، بل بات سلاحاً هجومياً إستراتيجياً لنقل المعركة من الأطراف إلى قلب الحواضر المدنية؛ ففي يناير من عام 2026، شن مقاتلون من تنظيم «داعش» الإرهابي في ولاية الساحل هجوماً منسقاً على مطار نيامي الدولي في العاصمة النيجرية، مستخدمين طائرات مسيرة مسلحة وقذائف مدفعية ثقيلة، مما أسفر عن تدمير منشآت سيادية وإحراق طائرات تجارية تابعة لشركتي “طيران ساحل العاج” و”أسكي” التوغولية. ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى شنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة هجوماً ثانياً على المطار ذاته، مخلّفة قتلى وجرحى في صفوف الجنود والمدنيين.

تُعيد هذه التطورات إلى الأذهان ما شهده المسرحان السوري والعراقي بين عامي 2016 و2020، حينما أسس تنظيم «داعش» وحدة خاصة بالمسيرات نفذت عشرات العمليات في يوم واحد لإرباك خصومه الميدانيين وفرض معادلة استنزاف واسعة على الأرض. إلا أن التجربة الحالية في إفريقيا تكتسب أبعاداً أكثر خطورة؛ حيث يتزامن هذا الصعود التقني مع قفزة غير مسبوقة في معدلات العنف، إذ يكشف التقرير الصادر عن مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية بعنوان “اتساع نطاق التهديد الإسلامي المتشدد في إفريقيا” (The Widening Scope of Africa’s Militant Islamist Threat) عن تسجيل رقم قياسي مرعب بلغ 23,968 حالة وفاة ناتجة عن الإرهاب، مصحوبة بأعلى معدل للعمليات الهجومية تاريخياً بواقع 8,375 حادثة عنف، تتركز 98% منها في ثلاثة مسارح مشتعلة: الساحل، الصومال، وحوض بحيرة تشاد.

وتكمن خطورة هذه الطائرات في كونها “مُسيّرات تجارية رخيصة” تتوفر في الأسواق الإلكترونية، يجري تحويرها محلياً لتتحول إلى قنابل طائرة قادرة على حمل مقذوفات متفجرة، وهو التكتيك الذي يعتمده تنظيم “داعش في غرب إفريقيا” (ISWAP) لتنفيذ هجمات خاطفة واجتياح ما لا يقل عن 16 قاعدة عسكرية للجيش النيجيري مؤخراً. وتكشف التحقيقات الأمنية أن مسارات تهريب هذه التقنيات تتخذ خطوطاً دولية معقدة، تنطلق من تركيا وإيران عبر سوريا والعراق، أو من الصين مروراً بجنوب إفريقيا، وصولاً إلى أيدي التنظيمات المسلحة.

وفي مقابل هذا الصعود الملموس للمسيرات التجارية، يظل التهديد المرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي محدوداً في النطاق العملياتي ومقتصراً على إنتاج البروباغندا الرقمية والخطابات التحريضية؛ نظراً لافتقار منطقة الساحل للبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والإنترنت المستقر. وبالمثل، يظل خطر الطابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج الأسلحة تهديداً نظرياً محضاً بسبب رداءة المواد الخام المتوفرة محلياً الكفيلة بجعل تلك الأسلحة غير موثوقة وعرضة للانفجار في يد مستخدميها، فضلاً عن صعوبة تهريب تلك الآلات عبر الحدود المغلقة.

بيد أن التحول الأكثر خطورة في المشهد الأمني لا يقتصر على التكنولوجيا المتاحة، بل يمتد إلى “ديناميكية التجنيد”؛ فالإقليم الأكثر دموية في القارة —وهو منطقة الساحل التي تستأثر بـ 41% من وفيات القارة بواقع 9,826 ضحية— يشهد مفارقة إستراتيجية تعكس عمق الأزمة. إذ تفيد بيانات التقرير الأمنية بأن الانتهاكات الجسيمة والتعامل العسكري الخشن من قِبل المجالس العسكرية الحاكمة في مالي وبوركينا فاسو، والميليشيات الروسية المتحالفة معها ضد المجتمعات المحلية والمدنيين، قد تسببت في موجات عنف وتجنيد واسعة النطاق تفوق في أثرها الإستراتيجي التدميري الحصيلة المباشرة لعمليات الجماعات الإرهابية المنفردة منذ عام 2023.

هذا الفراغ الحقوقي والبطش العسكري منح تحالف جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) —المسؤولة عن 78% من العمليات في الساحل— الذريعة المثالية والوقود الحيوي لتجنيد آلاف المقاتلين الجدد بدعوى حمايتهم، مما مكنها من فرض حصار وقود خانق على العاصمة الماليّة باماكو انطلاقاً من الممرات الاقتصادية لساحل العاج والسنغال.

ولم يعد هذا التهديد حبيس دول الساحل المغلقة؛ فالزحف الإرهابي يتجه متسارعاً نحو السواحل الغربية لخليج غينيا. وقد تجلى ذلك في بنين التي سجلت أعلى معدل وفيات في تاريخها بـ305 ضحايا (بزيادة 76%)، مما دفع تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” لتعيين “أمير” خاص بإدارة العمليات هناك، بالتوازي مع ضربات مكثفة استهدفت إقليم سافان في توغو، وتمدد خلايا “لاكوروا” وجماعة “أنصارو” التاريخية نحو ولايات شمال غرب نيجيريا المحاذية للحدود البحرية، مستغلة في ذلك أساليب عصابات الجريمة المنظمة كالخطف مقابل الفدية ونهب الموارد.

وفي المقابل، وعلى الجانب الآخر من القارة، سجلت الصومال الانفجار الدموي الأكبر بنسبة زيادة بلغت 93% في عدد الوفيات (8,813 وفاة)، في حرب ضروس استنزفت حركة الشباب الموالية للقاعدة؛ حيث كشفت التقارير عن تنامي “محور بحري” يربط حركة الشباب بجماعة الحوثي في اليمن، لتخصيص ربع ميزانية الحركة التشغيلية لابتياع السلاح المتقدم عبر البحر الأحمر. بينما نجحت الضربات الجوية الاستباقية في تحجيم نفوذ تنظيم داعش في شمال الصومال وتفكيك بنيته التي كانت تشكل مركزاً مالياً وإدارياً للتنظيم على مستوى العالم.

أما في شمال إفريقيا، فقد بدا المشهد أكثر استقراراً بفضل الأنموذج المصري الذي قوض تماماً تحركات تنظيم «داعش» في سيناء منذ عام 2023 عبر مشاريع تنموية وضوابط أمنية صارمة، في حين تحولت الجارة ليبيا بفعل تفكيك خلايا داعش الأخيرة إلى “محطة لوجيستية خلفية” مخصصة لغسيل الأموال وتهريب المقاتلين القادمين من أوروبا نحو الساحل والصومال، بدلاً من شن الهجمات المباشرة.

أمام هذا المشهد المعقد، تجد القوات الإقليمية نفسها أمام معضلة حقيقية؛ فورقة أجهزة التشويش الإلكتروني ومنظومات الكشف الجوي تظل محدودة الأثر ضد المسيرات التجارية المبرمجة سلفاً والمستقلة عن موجات الراديو، كما أنها تصطدم بعائق انقطاع الكهرباء المستمر في المناطق النائية وتكلفتها المالية الباهظة. وبما أن الجيوش المحلية لا تزال محرومة من غطاء الكشف المبكر والإنذار العملياتي، فقد وجد الإرهاب مجالا للتمدد، على الرغم من مساعي دولة كالنيجر لإعادة التوازن عبر صفقات عسكرية لشراء مسيرات حربية متطورة مثل (Karayel-SU) التركية.

في الختام، يُجمع المحللون على أن التمكين التكنولوجي للإرهابيين في إفريقيا حقيقي ومؤثر ميدانياً، لكنه ليس وحشاً أسطورياً لا يمكن قهرُه، ذلك أن عسكرة الأجواء واستهداف المطارات الدولية كرموز لسيادة الدول لا يعكسان قوة الإرهاب المطلقة بقدر ما يعكسان هشاشة التنسيق الإقليمي وغياب المقاربات التي تضع حماية المدنيين في أولوياتها، ثم إن مواجهة هذا التهديد تتطلب استجابة واقعية بعيدة عن التهويل الإعلامي، تبدأ من تجفيف منابيع الاستبداد والفساد المؤسسي، قبل الرهان على لغة السلاح وحدها.

Author إدريس محمد سنوسي
ناشط ومحلل سياسي