الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

عطاف يرفع سقف المرافعة الجزائرية بالأمم المتحدة.. إصلاح النظام الدولي يبدأ من تطبيق القانون

Author
صبرينة عيلان 29 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكتف وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، اليوم الإثنين، بتجديد موقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية، بل أعاد وضع هذا الملف أمام مرجعيته الأصلية، تصفية استعمار لم تستكمل، وشعب ما يزال يطالب بممارسة حقه في تقرير المصير.

وفي لحظة دولية تتعرض فيها قواعد القانون الدولي لاختبارات متزايدة، جاءت المرافعة الجزائرية لتطرح القضية من زاوية أكثر اتساعا، مفادها أن التسويات السياسية لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لتجاوز الحقوق التي أقرتها الشرعية الدولية، وأن التفاوض لا يكتسب قيمته إلا عندما يقود إلى حل يحترم المرجعية الأممية وإرادة أصحاب القضية.

وبلغة دبلوماسية واضحة، وضع عطاف المجتمع الدولي أمام مسؤولية سياسية وقانونية لا يمكن اختزالها في حسابات التوازنات الإقليمية أو الوقائع الميدانية، فالجزائر، وهي ترحب باستئناف المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع، تتمسك في الوقت نفسه بأن أي مسار تفاوضي لا يمكن فصله عن عقيدة الأمم المتحدة في تصفية الاستعمار وعن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، بما يجعل جوهر المرافعة ليس رفض الحل السياسي، وإنما تحديد الإطار الذي ينبغي أن يتحرك داخله هذا الحل.

وتكتسب مرافعة عطاف ثقلها أيضا من استحضار البعد الإنساني والتاريخي للقضية، في ظل استمرار معاناة اللاجئين الصحراويين الذين تستضيفهم الجزائر منذ أكثر من نصف قرن. وهنا تنتقل القضية من مجرد نزاع سياسي طال أمده إلى سؤال مفتوح حول جدوى استمرار إدارة الأزمة بدل معالجة أصلها، وحول قدرة المنظومة الأممية على إنهاء مسار تصفية استعمار وفقا للمبادئ التي قامت عليها.

الأكثر دلالة أن الجزائر لم تطرح قضية الصحراء الغربية بمعزل عن رؤيتها الأوسع لإصلاح النظام الدولي، بل وضعتها ضمن اختبار مصداقية الشرعية الدولية نفسها: إذا كانت قواعد القانون الدولي واحدة، فإن تطبيقها ينبغي أن يكون واحدا أيضا، وإذا كانت الأمم المتحدة تتمسك بحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن هذا المبدأ لا ينبغي أن يخضع لتبدل موازين القوى.

ومن هنا، حمل خطاب عطاف رسالة دبلوماسية حادة في مضمونها، هادئة في لغتها، تضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: هل يكون التفاوض طريقا إلى تسوية تستند إلى الشرعية الدولية، أم يتحول إلى مسار لإدارة نزاع مفتوح على حساب حق شعب لم يمارس بعد حقه في تقرير المصير؟

ومن هذا المنظور، يرى الخبير في العلاقات الدولية والمحلل السياسي، أيوب عرفي، أن كلمة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تجاوزت حدود عرض المواقف الجزائرية من الأزمات الدولية، لتطرح تصورا متكاملا لطبيعة الاختلالات التي تواجه النظام الدولي، والمسارات الممكنة لاستعادة فعالية منظومته، وفي مقدمتها إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف وترميم الثقة في قواعد القانون الدولي.

خطاب عطاف.. حين تتحول الدبلوماسية الجزائرية إلى مشروع لإعادة بناء الثقة في النظام الدولي

وأوضح عرفي، في تحليل لـ”الأيام نيوز”، أن اللافت في الخطاب الجزائري هو الجمع بين قراءة واقعية لمشهد دولي مثقل بالحروب والأزمات، وبين الإبقاء على مساحة واضحة لإمكانية إصلاح المنظومة القائمة، مشيرا إلى أن الجزائر لا تتعامل مع الأمم المتحدة باعتبارها مؤسسة استنفدت صلاحيتها، ولا تدعو إلى إنشاء نظام دولي بديل، وإنما تنطلق من أن الخلل يكمن أساسا في طريقة تطبيق قواعد الميثاق وفي ضعف الإرادة السياسية اللازمة لاحترامها.
ويبرز عرفي أن جوهر المقاربة الجزائرية يتمثل في محاولة استعادة فعالية النظام الدولي من داخله، من خلال إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتعزيز دور الجمعية العامة، بما يجعل المؤسسات الدولية أكثر تمثيلا وعدالة وقدرة على تطبيق القواعد ذاتها على مختلف الأطراف.

ويضيف أن تحذير عطاف من تحوّل الحرب إلى أمر عادي يحمل دلالة تتجاوز توصيف النزاعات القائمة، لأنه يرتبط بمحاولة منع القوة من التحول إلى قاعدة ناظمة للعلاقات الدولية، والحيلولة دون انتقال المجتمع الدولي من مرحلة انتهاك القانون إلى مرحلة تطبيع هذا الانتهاك.

ومن هذه الزاوية، يوضح المحلل السياسي، يمكن فهم حضور ملفات فلسطين ولبنان وسوريا والصحراء الغربية وليبيا وغيرها ضمن خطاب واحد، باعتبارها اختبارات حقيقية لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية قواعده من الانتقائية، وليس مجرد أزمات منفصلة لا رابط بينها.

ويعتبر عرفي أن مفهوم الانتقائية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم الخطاب الجزائري، باعتبار أن الجزائر لا تنظر إلى الملفات الدولية باعتبارها قضايا منفصلة، وإنما تربط بينها من خلال معيار أساسي يتمثل في ضرورة احترام القانون الدولي وعدم تطبيقه في حالة وتعطيله في حالة أخرى.

ويرى أن استعادة مصداقية الأمم المتحدة لا تتعلق فقط بقدرتها على إصدار القرارات، وإنما بمدى تحويل تلك القرارات إلى قواعد تحظى بالاحترام والتطبيق. فكلما اتسعت الفجوة بين النص والممارسة، تراجعت الثقة في النظام متعدد الأطراف، وازدادت مساحة اللجوء إلى منطق القوة والاصطفافات.

رسالة الجزائر في مرحلة ما بعد غوتيريش

ويقرأ عرفي حضور الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في خطاب عطاف ضمن سياق أوسع يتعلق بمستقبل المنظمة الدولية ومعايير اختيار قيادتها المقبلة، معتبرا أن الإشارة إليه لا تقتصر على الإشادة بشخصية أممية قادت المنظمة خلال مرحلة شديدة التعقيد.

ويشير إلى أن الرسالة الجزائرية ترتبط بصورة الأمم المتحدة التي تسعى الجزائر إلى ترسيخها: منظمة مستقلة، قادرة على الدفاع عن القانون الدولي، ومتمسكة بالتعددية، وليست مجرد فضاء لإدارة توازنات القوى الكبرى.

وتزداد أهمية هذا التصور بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى ارتباط عدد من الملفات التي تحظى بأولوية في سياستها الخارجية بعمل الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتصفية الاستعمار، والقضايا الإفريقية.

ويحتل إصلاح مجلس الأمن، بحسب عرفي، موقعا مركزيا في الرؤية التي حملها الخطاب الجزائري، غير أن أهمية الطرح لا تكمن فقط في إعادة توزيع المقاعد داخل المجلس، بل في ارتباط الإصلاح بمسألة الثقة في شرعية القرار الدولي.

ويعتبر أن المطالبة بتمثيل إفريقي دائم بصلاحيات كاملة تتجاوز بعدها القاري لتصبح جزءا من معالجة اختلال تاريخي في بنية صناعة القرار الدولي، خصوصا أن القارة الإفريقية تحتل مساحة واسعة من أجندة مجلس الأمن، بينما لا تزال تبحث عن تمثيل يعكس وزنها الجغرافي والسياسي.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز تعزيز دور الجمعية العامة باعتباره رهانا على توسيع دائرة المشاركة في صياغة المواقف الدولية، ومنح الدول النامية مساحة أكبر داخل المنظومة متعددة الأطراف.

وبالتالي، فإن معركة إصلاح النظام الدولي، وفق قراءة عرفي، لا تقتصر على مجلس الأمن، وإنما تمتد إلى الجمعية العامة بوصفها فضاء أوسع للتعبير عن مواقف أغلبية دول العالم.

فلسطين ثبات في الموقف ضمن رؤية أوسع للشرعية الدولية

ويؤكد عرفي أن القضية الفلسطينية تحتفظ بموقع محوري في الخطاب الدبلوماسي الجزائري، غير أن دلالة حضورها في كلمة عطاف تكمن في ارتباطها بمبدأ أوسع يتمثل في رفض فرض الوقائع بالقوة.

ويشرح أن التمسك بقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف لا يظهر في الخطاب باعتباره موقفا منفصلا عن بقية الملفات، وإنما يندرج ضمن رؤية تقوم على احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب ورفض تغيير الواقع السياسي بالقوة.

ومن هذه الزاوية، يصبح الموقف الجزائري مرتبطا بمرجعية واحدة تشمل مختلف الأزمات، بما يعزز اتساقه من حيث المبادئ التي يستند إليها.

الصحراء الغربية.. المسار التفاوضي في إطاره الأممي

وفيما يتعلق بملف الصحراء الغربية، يوضح عرفي أن الموقف الجزائري يقوم على معادلة تجمع بين دعم المسار السياسي والتمسك بالمرجعية الأممية وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

ويرى أن أهمية المقاربة الجزائرية تكمن في وضع العملية التفاوضية ضمن إطارها الأممي، مع التشديد على أن أي تسوية نهائية ينبغي أن تراعي المرجعية التي قامت عليها العملية السياسية.

كما أن استحضار البعد الإنساني المتصل باستضافة اللاجئين الصحراويين منذ عقود يمنح الخطاب بعدا تاريخيا وإنسانيا، إلى جانب أبعاده القانونية والسياسية.

الساحل وليبيا.. شراكة إقليمية بعيدا عن منطق الوصاية

أما في منطقة الساحل، فيرى عرفي أن الخطاب يعكس توجها نحو تقديم المنطقة بوصفها فضاء مشتركا للأمن والتنمية والتعاون، وليس مجرد مجال للتنافس والنفوذ الدولي.

ويشير إلى أن مفردات السيادة واحترام خيارات الشعوب والمرافقة بدلا من الوصاية تعكس تصورا للدور الجزائري يقوم على الحوار والشراكة، وهو ما يكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الجزائر بالنظر إلى امتداد حدودها الجنوبية وتشابك أمنها الوطني مع استقرار محيطها الإقليمي.

ومن هذا المنظور، يمكن للتنمية والحوار أن يشكلا، إلى جانب المقاربة الأمنية، أدوات لمعالجة مصادر عدم الاستقرار، وينسحب المنطق ذاته، حسب المحلل السياسي، على الملف الليبي، حيث يتقدم الحل السياسي ورفض التدخلات الأجنبية بوصفهما مدخلا للحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها، في انسجام مع مبدأ ثابت في السياسة الخارجية الجزائرية يقوم على احترام سيادة الدول ورفض فرض الحلول من الخارج.

“فاعل لا متلق” الدبلوماسية تبدأ من قوة الداخل

ويتوقف عرفي عند عبارة “فاعل لا متلق”، معتبرا أنها من أكثر العبارات دلالة في الخطاب الجزائري، لأنها تربط الحضور الخارجي للدولة بمقوماتها الداخلية.
فالدبلوماسية، حسب قراءته، لا تتحرك في فراغ، ومكانة أي دولة في المحافل الدولية ترتبط بما تمتلكه من مقومات اقتصادية ومؤسساتية ومعرفية تسمح لها بتحويل مواقفها إلى أدوات تأثير.

ولهذا، فإن الإشارة إلى الاستقرار المؤسساتي وتنويع الاقتصاد والاستثمار في العلم والمعرفة لا تبدو هامشية في الخطاب، وإنما تؤسس لعلاقة مباشرة بين السياسة الخارجية والتحولات الداخلية.

فالدولة التي تريد الانتقال إلى موقع الفاعل تحتاج إلى قاعدة اقتصادية ومؤسساتية ومعرفية تدعم قدرتها على التحرك إقليميا ودوليا، ويمنح إدراج الذكاء الاصطناعي في الخطاب، وفق عرفي، بعدا إضافيا للدبلوماسية الجزائرية، يتمثل في الانتقال من الملفات التقليدية المرتبطة بالحروب والنزاعات إلى قضايا الحوكمة العالمية الجديدة.

ويرى أن الدعوة إلى تنظيم دولي متوازن للذكاء الاصطناعي، يضمن عدالة النفاذ ويحمي سيادة الدول، تعكس وعيا بأن الفجوة التكنولوجية يمكن أن تتحول إلى أحد أشكال عدم المساواة داخل النظام الدولي.

وبالتالي، فإن الحضور الجزائري في هذا النقاش لا يتعلق بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بسؤال أوسع حول من يمتلك التكنولوجيا، ومن يضع قواعد استخدامها، ومن يستفيد من نتائجها.

ويؤكد عرفي أن كلمة أحمد عطاف تكشف عن دبلوماسية جزائرية تحاول الجمع بين ثلاثة مستويات متكاملة: التمسك بالشرعية الدولية، الدفاع عن أولويات إفريقيا والعالم العربي، وتكريس حضور الجزائر كدولة مستقرة تمتلك تصورا لموقعها في التحولات الدولية.

ويبرز أن قوة هذا الطرح لا تقاس فقط بحدة المواقف، وإنما بقدرته على بناء سردية متماسكة تربط الملفات المختلفة بمرجعية واحدة تقوم على القانون الدولي والتعددية واحترام السيادة.

غير أن التحدي الحقيقي، بحسب المحلل السياسي، يتمثل في الانتقال من قوة الموقف إلى قوة التأثير، ومن الدفاع عن إصلاح النظام الدولي إلى القدرة على بناء توافقات دولية تدفع بهذا الإصلاح إلى الأمام، خصوصا أن قضايا من قبيل إصلاح مجلس الأمن وتفعيل قرارات الشرعية الدولية وتصفية الاستعمار ترتبط مباشرة بموازين القوى داخل النظام الدولي، ولا تحسمها الخطابات وحدها.

ومع ذلك، فإن القيمة السياسية للخطاب، كما يقرأها عرفي، تكمن في أنه لا يتعامل مع اختلالات النظام الدولي باعتبارها واقعا نهائيا، بل يطرح الإصلاح باعتباره مسارا ممكنا.

وهنا تتجلى ملامح المقاربة الدبلوماسية الجزائرية التمسك بالمبدأ دون الانغلاق، والانخراط في التعددية دون التخلي عن الثوابت، والسعي إلى التأثير من داخل المؤسسات الدولية بدل الاكتفاء بمراقبة التحولات العالمية من موقع المتلقي.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑