الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

على سطح لم يعد موجودا

Author
آلاء أكرم العقاد 28 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

كنتُ أحب أن أبدأ صباحاتي بكوبٍ من القهوة. أصعد إلى سطح بيتنا، أجلس في زاويتي المفضلة، وأترك لعينيّ مساحةً واسعةً من السماء. هناك، كنت أختلي بنفسي وأفكر في المستقبل القريب؛ أحلام صغيرة وبسيطة، تشبه هدوء المدينة التي أحببتها رغم الحصار الذي أثقل أيامها لسنوات.

كان السطح بالنسبة لي أكثر من مجرد مكان. كان نافذتي إلى العالم، ومساحتي الخاصة التي أرتب فيها أفكاري وأرسم ملامح الغد. كنت أراقب البيوت المتلاصقة، وأصوات الحياة التي تتسلل من الأزقة، وأشعر أن كل شيء، رغم الصعوبات، ما زال يحتفظ بشيء من الأمل.

لكن في السابع من أكتوبر، تبدّل كل شيء

استيقظت المدينة على أصوات الطائرات والقصف. السماء التي كنت أتأملها كل صباح لم تعد زرقاء هادئة، بل امتلأت بالدخان والخوف. راحت الطائرات تحلق فوق رؤوسنا بلا انقطاع، وتحولت الشوارع التي عرفناها إلى مشاهد لا تشبه ذاكرتنا عنها.

منذ ذلك اليوم، لم أعد أجلس على السطح. لم يعد هناك متسع للتأمل أو التفكير في المستقبل كما كنت أفعل. أصبح الخوف والرعب جزءًا من تفاصيل يومي، وصارت أصوات الانفجارات تسبق أي صوت آخر.

ثم جاء النزوح

غادرنا بيتنا على أمل أن نعود إليه بعد أيام، لكن الأيام امتدت، وعندما نظرت إلى المكان الذي احتضن طفولتي وذكرياتي، لم أجد سوى الركام. اختفى السطح الذي شهد أحلامي، وغابت الجدران التي حفظت ضحكاتنا وأحاديثنا العائلية.

لم يتبقَّ من البيت شيء سوى الذكريات

ذكريات كوب القهوة في الصباح، والهواء العليل فوق السطح، والأحلام التي كنت أنسجها بصمت. ورغم أن البيت أصبح ركامًا، فإن تلك اللحظات الجميلة ما زالت حية في داخلي، محفورة في الذاكرة لا تستطيع الأيام محوها.

واليوم، كلما حملت كوبًا من القهوة، أغمض عينيّ للحظة، فأرى ذلك السطح من جديد. أرى مدينتي الجميلة كما كانت، وأستعيد صوت الحياة الذي غاب. عندها أدرك أن الأماكن قد تهدمها الحروب، لكن الذكريات الصادقة تبقى شامخة في القلب، لا تسقط ولا تتحول إلى ركام.