الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

على وقع مشاريع فك العزلة.. السياحة الجبلية تستعيد بريقها في تيبازة

Author
بثينة صايفي 08 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه ولاية تيبازة، اليوم، نحو إعادة تعريف هويتها التنموية والسياحية، عبر الانتقال من نموذج سياحي ظل لسنوات محصورًا في البعد الساحلي والشاطئي، إلى رؤية أكثر شمولًا تستند إلى استغلال ثروتها الطبيعية المتنوعة، من شريط بحري يمتد على مسافة 145 كلم، إلى فضاءات جبلية وريفية واسعة، ما تزال في جزء كبير منها خارج دوائر الاستثمار الفعلي.

هذا التحول لا يبدو مجرد خيار تنموي عابر، بل يعكس توجهًا نحو إعادة توزيع الوظيفة الاقتصادية للمجال الترابي للولاية، بحيث لا تبقى الجبال مجرد خلفية طبيعية للمشهد الساحلي، بل تتحول إلى فضاءات نشطة قادرة على خلق قيمة مضافة، سواء في مجال السياحة البيئية أو النشاط الفلاحي أو حتى الربط الطرقي بين التجمعات السكانية.

 

تخصيص 30 مليار لفك العزلة وبعث السياحة

في قلب التحوّل التنموي الذي تشهده ولاية تيبازة، تبرز مشاريع فتح وشق الطرق والمسالك الجبلية كأحد أهم المفاتيح العملية لإعادة رسم العلاقة بين السكان ومجالهم الطبيعي، خصوصًا في البلديات الداخلية والجبلية على غرار مراد ومناصر وأغبال، هذه المشاريع لم تعد يُنظر إليها باعتبارها مجرد تدخلات تقنية ظرفية لتهيئة الطرق، بل باتت تُطرح كرافعات تنموية قادرة على تغيير أنماط العيش وإعادة توزيع الحركية الاقتصادية داخل الإقليم.

ففك العزلة، في هذا السياق، يتجاوز المعنى الكلاسيكي المرتبط بتسهيل التنقل أو تقليص المسافات، ليأخذ بعدًا أعمق يتعلق بإعادة دمج المناطق الريفية في الدورة الاقتصادية والاجتماعية للولاية، ففتح المسالك الجبلية يعني عمليًا إعادة ربط السكان بأراضيهم، وتمكينهم من الاستقرار في محيطهم الطبيعي بدل دفعهم نحو المدن، وهو ما يمكن أن يساهم تدريجيًا فيما يشبه “النزوح المعاكس”، حيث تصبح المناطق الجبلية أكثر جاذبية للعيش والإنتاج بدل أن تكون مناطق هامشية.

كما أن هذه البنية الطرقية الجديدة تلعب دورًا مباشرًا في تنشيط الاقتصاد المحلي، خاصة في شقه الفلاحي، من خلال تسهيل نقل المنتجات الزراعية وربط الحقول والتجمعات الريفية بالأسواق والمراكز الحضرية. وهو ما ينعكس على تقليص التكاليف وتحسين مردودية النشاط الفلاحي، ويدعم في الوقت نفسه ديناميكية التنمية المحلية القائمة على الموارد الذاتية.

وفي هذا الإطار، خصصت بلدية مراد غلافًا ماليًا يُقدر بـ30 مليار سنتيم، وفق ما صرح به رئيس البلدية مراد، محمد طهيبي، لوسائل إعلام محلية، من أجل فتح وإنجاز مسالك جديدة تربط مختلف الأحياء والتجمعات السكنية والمناطق الجبلية بعضها ببعض، ويهدف هذا الاستثمار إلى فك العزلة عن المناطق الداخلية، وتسهيل حركة الفلاحين ونقل منتجاتهم، بما يعزز التكامل بين المجالين الريفي والحضري داخل البلدية.

ولا يقتصر أثر هذه المشاريع على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى البعد السياحي، حيث تفتح هذه المسالك آفاقًا جديدة أمام استكشاف المناطق الجبلية التي تزخر بمناظر طبيعية خلابة وغابات ومسارات قادرة على استقطاب السياحة البيئية والرياضية. وبهذا المعنى، تتحول الطرق الجبلية من مجرد بنية تحتية إلى عنصر استراتيجي مزدوج الوظيفة: دعم التنمية المحلية من جهة، وفتح المجال أمام بعث سياحة بديلة قائمة على الطبيعة والاستكشاف، من جهة أخرى.

تتجاوز هذه المشاريع بعدها الطرقي لتلامس جوهر التنمية المحلية، حيث يُنظر إلى المسالك الجبلية باعتبارها شرايين اقتصادية جديدة، تسمح بدمج المناطق الريفية في الدورة الإنتاجية بدل بقائها على هامشها.

فالفلاحة في هذه المناطق، التي تزخر بطبيعة جبلية وغابية غنية، تصبح أكثر قابلية للتسويق والنقل بمجرد توفر البنية التحتية المناسبة، ما يفتح المجال أمام اقتصاد محلي قائم على المنتجات الزراعية الصغيرة، والنشاط العائلي، وربما الصناعات التحويلية المصغرة في مرحلة لاحقة.

 

السياحة الجبلية.. من الهامش إلى الواجهة

في موازاة التحولات التنموية الجارية بولاية تيبازة، تبرز السياحة الجبلية كأحد أهم الرهانات الجديدة التي بدأت تفرض حضورها تدريجيًا ضمن النقاش المحلي حول تنويع العرض السياحي، فبعد سنوات طويلة ارتبطت فيها صورة الولاية بالسياحة الشاطئية الموسمية، باتت المرتفعات الجبلية والمناطق الريفية تطرح نفسها اليوم كبديل واعد قادر على إعادة تشكيل خريطة السياحة بالمنطقة على أسس أكثر تنوعًا واستدامة.

ويأتي هذا التوجه مدفوعًا بتزايد الاهتمام بأنماط السياحة البديلة، وعلى رأسها السياحة البيئية والرياضات الجبلية مثل “الراندوني”، التي تعتمد على استكشاف المسارات الطبيعية سيرًا على الأقدام، واكتشاف الغابات والمناظر البكر بعيدًا عن المسارات السياحية التقليدية. وفي هذا السياق، تتحول المسالك الغابية التي تربط بين بلديات مراد ومناصر وصولًا إلى محيط حمّام ريغة إلى فضاءات مرشحة لتكون مسارات سياحية متكاملة، تجمع بين البعد الرياضي والتجربة الطبيعية والاستكشاف الميداني.

وتكمن أهمية هذا التحول في كونه يعيد الاعتبار لمجالات جغرافية ظلت لفترة طويلة خارج الدائرة السياحية الرسمية، رغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية غنية، تشمل الغابات الكثيفة، التضاريس المتنوعة، والينابيع والمشاهد الطبيعية التي تمنح الزائر تجربة مختلفة عن النمط السياحي الساحلي التقليدي، كما أن هذا النوع من السياحة يعتمد بطبيعته على الاستدامة، لأنه يقوم على استغلال عقلاني للفضاء الطبيعي دون المساس بتوازنه البيئي.

ومن زاوية أوسع، يمثل هذا التوجه محاولة لتجاوز الصورة النمطية التي اختزلت السياحة في تيبازة في الطابع الموسمي المرتبط بالشواطئ خلال فصل الصيف، نحو نموذج سياحي أكثر مرونة وتعددًا، قادر على استقطاب الزوار على مدار السنة. فالسياحة الجبلية لا تخضع لقيود الموسم الواحد، بل ترتبط بجاذبية الطبيعة وتنوع الأنشطة الممكنة، ما يجعلها أكثر استقرارًا من حيث المردودية الاقتصادية.

كما أن إدماج المناطق الجبلية في الخريطة السياحية يفتح المجال أمام خلق أنشطة موازية، مثل الإرشاد السياحي المحلي، والمبيت الريفي، والمشاريع الصغيرة المرتبطة بالخدمات السياحية، وهو ما يمكن أن يساهم في دعم الاقتصاد المحلي داخل البلديات الداخلية، ويعزز في الوقت نفسه من فرص التشغيل.

وبهذا المعنى، لا تبدو السياحة الجبلية مجرد إضافة ثانوية للعرض السياحي في تيبازة، بل تتحول تدريجيًا إلى عنصر مركزي في إعادة بناء هوية سياحية جديدة، تقوم على التنوع والتكامل بين البحر والجبل، وبين السياحة الموسمية والسياحة المستدامة.

 

موارد طبيعية وتاريخية غير مستغلة بالشكل الكافي

تزخر بلدية مراد، على وجه الخصوص، بمقومات طبيعية وبيئية لافتة، من ينابيع مياه عذبة إلى غابات كثيفة وسدود ذات قيمة تاريخية وهندسية، على غرار سد بوجبرون الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية، هذه الموارد لا تمثل فقط عناصر جمالية، بل يمكن أن تتحول إلى نقاط جذب سياحي واستثماري إذا ما تم إدماجها في رؤية تنموية متكاملة.

وفي هذا الإطار، تبرز مشاريع تحويل محيط السد إلى فضاء للاستجمام والسياحة العائلية كخطوة نحو تثمين هذا الإرث الطبيعي والتاريخي، مع الحفاظ على طابعه البيئي، عبر استثمارات خفيفة لا تمس التوازن الطبيعي للموقع.

أما في بلدية مناصر، فإن إعادة فتح طرق مغلقة منذ عقود، مثل الطريق الوطني رقم 66، أعاد إحياء روابط جغرافية قديمة بين تيبازة وولايات مجاورة كعين الدفلى، هذا الربط لا يحمل فقط بعدًا تنقليًا، بل يعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة، من خلال تسهيل حركة الفلاحين وتخفيف الضغط على الطرق الساحلية، وفتح مسارات سياحية داخلية عبر غابات ومناطق طبيعية لا تزال تحتفظ بطابعها البكر.

 

نحو رؤية متكاملة بين الجبل والساحل

في المحصلة، تبدو تيبازة اليوم أمام مرحلة انتقالية دقيقة، تنتقل فيها من منطق الاستغلال الجزئي للمجال الساحلي إلى رؤية أكثر تكاملًا تربط بين البحر والجبل والريف في منظومة واحدة، وهي رؤية لا تقوم فقط على تطوير البنية التحتية، بل على إعادة صياغة العلاقة بين التنمية والمجال، وبين الإنسان والفضاء الطبيعي الذي يعيش فيه.

هذا التحول، إذا ما استُكمل وفق رؤية منسقة، قد يجعل من تيبازة نموذجًا لولاية تجمع بين السياحة الساحلية والجبلية، وبين الفلاحة المستدامة والتنمية المحلية المتوازنة، في تجربة تعيد الاعتبار للمناطق الداخلية باعتبارها جزءًا أساسيًا من معادلة التنمية، وليس مجرد هامش جغرافي تابع للساحل.