الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

عندما يتحوّل البحر إلى كابوس للحالمين!

Author
سحر قلاوون 20 نوفمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

في الكثير من الروايات قد نجد البحر حاضرًا بقوة كشريك للرومانسية، فيلتقي الحبيبان في حضرته ليُفصحا إلى بعضهما البعض عمّا يعتريهما من مشاعر. حتى أنه بالنسبة إلى كثيرين يُعدّ رمزًا للسلام، فحين يجلس الإنسان أمامه قد يعيش للحظات ذاك السلام الذي لطالما بدا بعيدا عنه كل البعد.

وقد يرى فيه كثيرون أيضا الأملَ، فحين يتأمّلونه يرون أمانيهم وأحلامهم كما لو أنها على وشك أن تغدو حقيقة وليست مجرد خيال أو وهم. وأنا لن أنكر هنا أن البحر قد يحمل في أوقات معينة رائحة الرومانسية والسلام والأمل، لكن من جهة أخرى لا يمكننا نسيان أن للبحر رائحة أخرى، وهي رائحة الموت.

فكم من مرة سمعنا خبرا كهذا الخبر: “مساء الخير أعزائي المشاهدين، يؤسفنا أن نحمل إليكم خبرا حزينا، فقد تم العثور على أشخاص قضَوا غرقا وهم يحاولون الهرب إلى بلد جديد عبر البحر”. كم هو خبر مؤسف ومحزن!

إن رجالًا ونساءً وأطفالا يضعون حياتهم على المحك، فيحاولون عبور البحر كمن يسير على خيط رفيع وهو لا يعلم في أيّ لحظة قد يسقط وتنتهي حكايته، لكنهم رغم ذلك يتابعون ما يفعلونه، ربما لضيق حياتهم ومستقبلهم في وطنهم. وما أقسى الوطن الذي يشعر المواطن بأن حياته فيه باتت ضيقة، ومستقبله بات أضيق، وأنه من الصعب عليه لاحقا أن يتمكّن من التنفس!

فهؤلاء الأهالي قد لا يخاطرون فقط بحياتهم، بل بحياة أطفالهم، لأنهم وصلوا إلى نقطة تأكدوا فيها أن أطفالهم لن يعيشوا حياة سهلة حيث هم الآن، فيحملونهم بين أيديهم ويخوضون هذه المغامرة التي تنتهي في مرات كثيرة بمأساة. إذ إن القارب الصغير الذي يصعد على عشرات مئات الأشخاص الهاربين من ماضيهم وواقعهم، لا يجد في نفسه القدرة على حمل كل هذه الأمور التي في جعبتهم دفعةً واحدة، فالعدد كبير، لذلك يتعطّل القارب، وقد يتحوّل إلى قطع صغيرة غير متماسكة، فيغرق الركاب الذين ولسخرية القدر يكون معظمهم غير متقن للسباحة، أمّا من يعرف كيف يسبح فيتعب من المقاومة لوقت طويل حتى يجده من ينقذه ويريحه من همومه، فيكون الموت مصير الجميع، من مات غرقا ومن مات بقلب محروق على فقدان حبيب أو أخ أو أب أو صديق.

حتى الشبان الذين لم يتزوّجوا بعد، قد يجدون أنهم لو عملوا مئة سنة لن يتمكنوا من جمع أموال كافية لمصاريف الزواج، فيقرّرون السفر وهم يحلمون بأنهم سيجدون لأنفسهم في بلد آخر عملا يكون لهم سندا حقيقيا لبناء مستقبل اشتاقوا إلى جعله حاضرهم. فيسافر هؤلاء الشبان، بعضهم يتركون خلفهم حبا ينتظر عودتهم، وبعضهم الآخر يتأمّل بأن يجد الحب لاحقا وحينها سيكون مستعدا له.

الأحلام في متناول الجميع، لكن تحقيقها يبقى حكرا على أشخاص معيّنين، ربما من يبذلون جهدا أكبر، وربما من يتصرفون بذكاء أكثر، ولكن من يضع حياته رهينة قارب صغير قد يخسر نفسه قبل حلمه، لذلك ومهما كانت الأحلام جميلة، ومهما كان الواقع في المقابل مرًّا، لا أجد أنه من المستحسن خوض هكذا مغامرة.

ربما سيجدني أب يتمزق قلبه من الألم والحسرة لأن ابنه يطلب منه القليل من الطعام وهو ليس بقادر على شراء أيّ شيء له، مجرد متحدثة تافهة أو شابة تحاول أن تكتب شيئا ما، لكن ما كتبته ليس سوى هراء لا يغني فقيرا ولا ينقذ يائسا من الغرق، لكنني مرة أخرى سأقولها، المجازفة بحياتنا ليست حلا لإنقاذها من الاحتراق، فلنذهب إلى طرق أكثر أمانا بدلا من أن نرمي بكل شيء في مياه البحر.

مآسي البحر كثيرة، وهنالك أشخاص يتألمون بسببها، وهذا الألم لا يمكن تجاهله، لذلك ينبغي على كل كاتب أن يكتب عنها علّه يكون سببا في توعية شخص أو مجموعة من الأشخاص لكيلا يخاطر المزيد من الناس فيموتون قبل أن يعيشوا الحياة التي كانوا يحلمون بعيشها.

↑