2025.12.04
عن معنى الحرية في أبجدية الحياة!.. من نتف ريش الحمامة البيضاء؟ ملفات الأيام

عن معنى الحرية في أبجدية الحياة!.. من نتف ريش الحمامة البيضاء؟


نزعم أن الحرية هي الكلمة الأكثر تداولا بين القبائل والشعوب والأمم، منذ فجر التاريخ الإنساني، وستبقى كذلك إلى أن تقوم الساعة. تغنّى بها الشعراء والفنانون، ودرسها الفلاسفة والمفكرون، وتأمّل فيها علماء الأديان.. وجميعهم عرّفها من خلال أضدادها: العبودية، القيود، الأغلال، أو من خلال مظاهرها: الانطلاق، الحركة، الخيال.. ولعل أبلغ تعريف لها هو ما قاله الأديب الروسي "مكسيم غوركي" (1868 - 1936): "الحرية هي أول خمس دقائق وُلدتُ فيها أبكي عاريا: بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجهات، بلا حقد بشري".

من المجدي التساؤل: هل البشرية متّفقة حول معنى واحد للحرية؟ وهل ما يفهمه الإنسان العربي من "تمثال الحرية" أو صورة الحمامة البيضاء المنطلقة في سماوات صافية، هو نفسه ما يفهمه الإنسان الغربي من التمثال والصورة؟ ربما يتجاوز الأمر حدود الفهم على مستوى العقل إلى حدود الشعور على مستوى التفاعلات النفسية، فالأول عاش تحت رحى الاستعمار زمنا (ولا يزال يعيش في الزمن الاستعماري طالما فلسطين محتلة)، بينما الثاني يمثّل المستعمِر نفسه (حتى وإن عاش زمنًا في الحروب: الأهلية أو العالمية)، بل لا يزال يمثّله بمواقفه السلبية إزاء الإجرام المستمر بحق الشعب الفلسطيني.

يمكن القول بأن التعريف "الجمعي" للحرية يختلف من بيئة إلى أخرى، لاعتبارات تتعلّق بالتاريخ والخصائص المجتمعية والرؤى الفكرية وغيرها من العناصر. أما التعريف "الفردي" للحرية، فهو مرتبط بحالة الفرد ذاته، فقد يكون أسيرًا لمرض مزمن يمنعه من الانطلاق والحركة والفعالية في مجتمعه، أو محكوما بقيود ماديّة تكبّل طموحاته مثل الفقر، أو حبيسًا في قوقعة نفسية بسبب اعتناقه لأفكار دينية أو فكرية تعيق انتماءه إلى عصره!

إذا ما بحثنا في قواميس اللغة العربية ومعاجمها عن كلمة "الحرية" فسنجدها مرتبطة بالمعاني النبيلة، قال "ابن الملقن" (من كبار العلماء خلال القرن 14 م): "يذكر اللغويون أن لفظ (حُر) مُشتقّ من حَرّ الذي هو ضد البرد؛ لأن الرجل الحُر يمتلك كبرياء وأخلاقا حاثّة تبعثه على طلب الأخلاق الحميدة. والعبد بخلاف ذلك". ويُقال: طين حر أي لا رمل فيه، وسحابة حرة أي كثيرة المطر، والحر هو الفعل الحسن.. وفي الثقافة الشعبية نقول: عسل حر أي أنه خالٍ من الإضافات، كما نقول: رجل حر وامرأة حرة، أي أنهما يتمتعان بأخلاق رفيعة، ويصدر عنهما مواقف نبيلة، ويتميّزان بشرف الكلمة والصدق في الوعد.

لاحظ عزيزي القارئ أن الحرية لها جانب مادي يرتبط بالجسد وما يتعلق به من حركات وأفعال ورغبات.. وجانب معنوي (روحي) يتعلق بالقيم والأخلاق والأفكار. ونعتقد بأن المعاني الشائعة حول الحرية ترتبط بالجسد أكثر ما ترتبط بالروح، ولن نتوغل في عوالم الصوفية لنُمسك بذلك المعنى الذي يجعل الجسد ذاته شرنقةً تأسر الروح، بمعنى أن الروح تتوق إلى الحرية! ونكتفي بالقول إن الحرية أشبه بطائر في سماوات المستقبل، يرنو كل إنسان إلى اقتناصه، ولكن لا أحد استطاع ذلك حتى الآن، ربما لأن الحرية هي المستقبل ذاته الذي تتحرّر فيه الروح من شرنقة الجسد!

في سياق هذه المعاني، توجّهت جريدة "الأيام نيوز" إلى نخبة من الكُتاب الأفاضل بهذه الرسالة: بعيدا عن معاني الحرية في المجال السياسي، هناك معاني أخرى للحرية في أبجدية الطبيعة - مثلا - نراها في رقصات فراشة بين الزهور، وفي انتقال عصفور من غصن إلى آخر، وفي صوت الماء بين الأشجار، وفي اضطرام موج البحر.. ولعل الفيلسوف "هيجل" أبدع عندما قال: "تاريخ العالم ليس سوى تقدّم للشعور بالحرية".

فما هو معنى الحرية في قاموسكم الشخصي؟ وكيف تتفاعلون مع عصفور حبيس في قفص جميل، أو سمكة في حوض زجاجي؟ ثم ألا تجدون بأن الذكاء الاصطناعي يختلس منا حريّتنا يوما بعد يوم؟ وانجذابنا إلى الغرب يُبعدنا عن أصالتنا، وهذا يمثّل انتهاكا لحريّتنا؟

ألا ترون أنه من الواجب أن نعيد إنتاج معاني أخرى للحرية من الواقع الرقمي الذي صرنا نحيا فيه ربما أكثر ما نحيا في واقعنا الواقعي؟ ثم أليست الروح أيضًا معنية بالحرية في زمن أسرت فيه المادةُ الجسدَ إلى حدّ الاستعباد؟

لعلك تتساءل عزيزي القارئ: هل خصصت الأمم المتحدة يوما للحرية، وهي التي خصصت يوما حتى للمرحاض؟ والحق أنني لا أعلم، ولكن يُقال بأن هناك من يعتبر التاسع من شهر نوفمبر يوما عالميا للحرية، ربما لأنه يتصادف مع يوم سقوط "جدار برلين"! وما أكثر جدران الوهم في أعماق الإنسان المعاصر، والعربي على الخصوص، التي تحتاج إلى الهدم.. ربما تتحرّر الحرية ذاتها، وتبادر الأمم المتحدة إلى تخصيص يوم عالمي لها!

لن أدعوك إلى التساؤل عن معنى الحرية في فهمك الخاص؟ وما الذي يعنيه لك تمثال الحرية أو صورة الحمامة البيضاء؟ ولكنني أدعوك أن تُبحر في هذا النص الشعري للشاعر الفرنسي "بول إيلوار" (1895 - 1952)، بعنوان "الحرية"، من كتاب "بول إيلوار- مختارات شعرية" الذي ترجمته الدكتور "سامية أحمد أسعد". ونشير أن القصيدة نفسها وردت في كتاب آخر ترجمه "فؤاد حداد"، ولكن باللهجة اللبنانية. وأصارحك عزيزي القارئ بأنني اخترت لك هذا النص لتعرف معنى الحرية في رؤية شاعر غربي اشتهر بتمرّده على القوالب الكلاسيكية، ولا حاجة أن أقدّم لك مثالا عن معنى الحرية في مختارات من الإبداعات العربية..

الحرية

على دفاتري المدرسية

على قمطري وعلى الأشجار

على الرمال، على الثلج

أكتب اسمك

على كل الصفحات المقروءة

على كل الصفحات البيضاء

حجر دم، ورقة أو رماد

أكتب اسمك

على الصور المُذهّبة

على أسلحة المحاربين

على تاج الملوك

أكتب اسمك

في الغابة والصحراء

على الأعشاش على شجر الوزّال

في صدى طفولتي

أكتب اسمك

في عجائب الليالي

على خبز النهارات الأبيض

على الفصول المخطوبة

أكتب اسمك

على كل خِرَقي اللازوردية

على المستنقع، على الشمس العفنة

على البحيرة، على القمر الحي

أكتب اسمك

على الحقول في الأفق

على أجنحة العصافير

على طواحين الظلال

أكتب اسمك

على كل نفحة فجر

على البحر، على المراكب

على الجبل المعتوه

أكتب اسمك

على رغوة السحب

على رشح العاصفة

على المطر الكثيف الذي لا طعم له

أكتب اسمك

على الأشكال اللامعة

على أجراس الألوان

على الحقيقة المادية

أكتب اسمك

على الممرات اليقظة

على الطرقات المنبسطة

على الأماكن التي تطفح

أكتب اسمك

على اللمبة التي تضيء

على اللمبة التي تنطفئ

على حِكَمي مجتمعة

أكتب اسمك

على الفاكهة المقطوعة إلى اثنين

وعلى مرآة غرفتي

على فراشي، على محارة فارغة

أكتب اسمك

على كلبي الشّره والحنون

على أذنيه المنتصبتين

على قدمه المتعثرة

أكتب اسمك

على لوح بابي

على الأشياء الأليفة

على موجة النار المباركة

أكتب اسمك

على كل لحم ممنوح

على جبهات أصدقائي

على كل يد ممدودة

أكتب اسمك

على زجاج المفاجآت

على الشفاه المنتبهة

فوق الصمت بكثير

أكتب اسمك

على مرافئي المهدمة

على مناراتي المنهارة

على جدران سأمي

أكتب اسمك

على الغياب من دون رغبة

على الوحدة العارية

على خطوات الموت

أكتب اسمك

على الصحة المستعادة

على الخطر الزائل

على الأمل بلا ذكريات

أكتب اسمك

وبقدرة الكلمة

أبدأ حياتي

ولدت لأعرفك

لأسميك:

حريـــة

الحرية.. الخمس دقائق الأولى للولادة!

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

جَورَباي الممزّقان كانا يسخران منّي كلّما أُجبرت على الدّخول إلى منزلٍ أرستقراطي، كنت أسمع قهقهتهما كلّما رنّت في أذنيّ كلمة: تفضّل، ادخل. أتعرفون تلك البسمة المصابة باليرقان؟ كانت تحتلّ وجهي، وأدرك في قرارة نفسي أنّني أمام أمرين أحلاهما مُرُّ، فإمّا أن أدخل فأدوس سجّاد الأرستقراطيّين الذين لا أطيقهم أساسًا، فيتهامسون بغضبٍ على حذائي -المصبوغ بالوحل - الذي سيلطّخ أرضهم، وإمّا أن أخلعه فيسمعون قهقهة أصابع قدميّ وهي تتلصّص من خلف الجَورَبين.

دخلت يومها، أو أُجبرت على الدخول، إذ كان أصحاب المنزل قد وضعوا إعلانًا عن حاجتهم إلى بستاني يعتني بحديقتهم. كان لديّ ثانيتين فقط لأختار أهوَن المُرَّين، وكانت الـ"تفضّل" تخرج من فم المرأة بتكرار ببغاءٍ فظّ. فاخترت الدخول بالوحل. مشيتُ فكأنّني لا أودّ أن أدوس الأرض، كدتُ أطير من الخجل، إذ إنّني أينما دست تركت أثرًا فوق السجّاد، ولكنّني كنت أعزّي نفسي بأنّ الأثر هذا خيرٌ من رؤية أصابع تتقهقه، وكانت هذه الفكرة تمنحني بعض الثقة لاجتياز خطوةٍ أخرى نحو الكنبة في الصالون.

- "الحرّية هي أوّل خمس دقائق وُلدتُ فيها أبكي عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات، وبلا حقد بشرّي". هكذا قال "ماكسيم غوركي". ما اسمك يا فتى؟ كان محدّثي - زوج المرأة - يضع سيجارًا كوبيًّا بين شفتيه أطول من "ساق البامبو" للكاتب "سعود السنعوسي"، ويتأمّلني بقرف، وكان محقًّا في قرفه ذاك، إذ أحسست حينها أنّني بقعة زيت في رداءٍ أبيض.

- اسمي صباح يا سيّدي.

- صباح ماذا؟ صباح الخير؟ قالها مقهقهًا.

فتذكّرت أصابع قدميّ، وحمدتُ الله أنّني لم أقم بخلع حذائي. ضحكت وجاريته الضحكة غير أنّني كفرتُ - في داخلي - بتلك النكتة السمِجة التي بدت وكأنّها بداية مشروع سخرية آتٍ، ولكنّنا - نحن المغمّسون بالوحل - لا وزن لمشاعرنا أمام من هم أعظم منّا، ربّما تلك ضريبة الفقر، إنّه يعلّمنا أن نصمت لكي نسترق جلسةً في مكانٍ لا نراه سوى في الأحلام.

- صباح الهادي سيدي، اسمي صباح الهادي. قلت مبتسمًا.

- همممم، أهلًا بك يا صباح، لم تسألني عن سبب القول الذي استقبلتك به.

- تقصد الحرية، لـ"ياسين كوركي"، أقصد نسيم ربما نسيم، اعذرني سيدي لم أحفظ الاسم جيّدا.

قهقه الرجل مجدّدا، عبّ من سيجاره، ونفث الدخان في الهواء ثمّ استطرد يقول:

- ليس المهم الاسم يا ولد، هل حفظت ما قاله؟

- لا، سمعت كلمة الحرية فقط.

- جيّد جدًّا، الحرّية هي ما يهم. هل تعرف أنّك دخلت إلينا بقرارٍ منّا، لكنّك لم تحترم هذه الحريّة؟

- سيّدي، أنا لا تعنيني هذه الحريّة كلها، لا تهمّني، جئت لكي أحصل على عمل، ولو أنّ السيدة لم تصرّ على إدخالي لم أكن لأدخل صدّقني، وأنا متأسّف لأنّني لم أحترم تلك الحريّة لياسين، أو نسيم، لا أدري.

- لمَ لَم تخلع حذاءك يا فتى؟ قال غاضبًا.

- لأنّني.. لأنّني... سيّدي، دعني أستأذنك، لا أريد أن أعمل.

- اخلع حذاءك.

- يا سيّدي، هذا الياسين ماذا قال؟

- ماكسيم، اسمه ماكسيم.

- حسنًا ماذا قال هذا الماكسيم؟

- الحرية هي أول خمس دقائق وُلدت فيها أبكي عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات، وبلا حقد بشرّي. 

- اسمح لي يا سيّدي أن أخبرك بأنّنا كاذبون، كاذبون حتّى العظم، نحن نتخفّى وراء شعارات برّاقة زُرعت في رؤوسنا وصدقّناها، لكنّنا لن نتقبّل بعضنا البعض إلّا من خلال الأقنعة، ولو خلعت حذائي قبل الدخول إليك، لوجدتني على حقيقتي، كأول خمس دقائق ماكسيمك هذا، عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات، ومع ذلك سأنال حقدك البشريّ. وها قد خلعت حذائي، انظر، متّع نظرك.

ذُهل الموجودون. لكنّ أحدًا لم يضحك، وما أثار فضولي هو أنّ أصابعي المتلصّصة من خلف الجوربَين لم تقهقه هذه المرّة أيضًا، بل أحسست بأنّها بكت، ربّما عليّ، ربّما على تعريَتي لها بهذه الطريقة، ربّما على الحرّية نفسها، وربّما على كلّ شيء.

الحرية.. كذبتنا الجميلة!

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)

الحرية كلمة جميلة، تأتي على مسامعنا كما يأتي لحن عذب يحرك أجمل المشاعر النائمة داخلنا.

هي شعار قد يرفعه كثرٌ عند الاحتجاجات وفي الثورات وأيضا على شاشات التلفاز. هي درس حاولنا أن نتعلمه منذ كنا أطفالا في الصفوف الدراسية الابتدائية. هي نص لطالما حاولنا قراءته وفك طلاسمه، لكن يبدو أننا فشلنا في ذلك في معظم الأحيان.

الآن دعونا نطرح على أنفسنا هذا السؤال: هل أرى نفسي أتمتع بالحرية؟!

رجاء، فليأخذ كل منا دقيقة، دقيقة واحدة فقط قبل أن يجيب عن السؤال، وحين تأتي لحظة الحقيقة، فلنحاول قدر الإمكان أن نعطي أنفسنا إجابة صادقة، فلا أحد آخر سيسمع الإجابة، لذلك لا داعي للخوف.

هل أنت ترى نفسك حرا؟ هل أنا أرى نفسي حرة؟

يا له من سؤال قد يبدو للوهلة بسيطا، لا بل سخيفا، لكنه في حقيقة الأمر السؤال الذي سيجعل معدتنا تتألم كما قلبنا إن فكرنا بعمق في إجابة له. نحن في كل يوم من أيام حياتنا الجميلة ننهض من نومنا الهادئ، بعضنا يتناول فطوره والبعض الآخر يتجاهل الأمر، ومن ثم نمضي يومنا ليكون شبيها لإخوته، الأيام السابقة واللاحقة. معظمنا يخاف من قول إننا سجناء في هذه الحياة، نفعل ما نفعله إما خوفا من كلام هذا وذاك، نقول ما نقوله لكي نرضي بعض الناس ونمشي في أماكن معينة لأنهم قالوا لنا إن السير في هذا المكان هو الأمر الصحيح.

أما إن سألتموني: من هم الذين قالوا لنا أين يجب أن نسير وأين لا يجب أن نسير؟

سأجيبكم يا أعزائي: أنتم الذين تختارونهم، أي إن كل شخص منا يختار أشخاصا معينين، ليجد نفسه يسير وفق خططهم هم لا وفق خططه هو، إذ يسمح لهم بأن يتحكموا في حياته، فيدمرونها، وهو يقف ليتأمل المشهد المؤلم كما لو أنه مجرد مشاهِد وليس بطل الحكاية.

كل منا هو بطل حكايته، لذلك علينا أن نتوكّل على الله عز وجل، ومن ثم أن نمسح كل الطرق التي رسمها لنا الآخرون، ومن بعدها نمسك القلم ونرسم طريقنا في هذه الحياة لنسير بسعادة وراحة. فلنكسر هذه القيود التي تكاد تخنق مستقبلنا، لأننا نأتي إلى هذه الحياة لنعيش مرة واحدة، فلنعش كما يجب أن نعيش، لا كما نجبر أن نعيش.

الحرية هي الكذبة الجميلة التي أقنعنا أنفسنا أنها في متناول أيدينا، لكن الواقع يخبرنا أن العكس هو الصحيح، فنحن لسنا أحرارا ولو بمقدار ذرة، نشبه الروبوتات المبرمجة على فعل أمور معيّنة دون أن تفكر في شيء، وإن حصل وفكّرَت في بضعة أشياء ستتعطل وتصبح غير قادرة على فعل أي شيء، فتنتهي حكايتها قبل أن تبدأ.

من هنا، أدعو نفسي قبل أن أدعو أي شخص آخر، إلى أن نحاول الوصول إلى الحرية، ولو إلى جزء بسيط من الحرية، لعلّ أيامنا لا تعود تشبه بعضها البعض وعلينا ألّا نصبح نسخة من آلاف النسخ البشرية، فهلا تحاولون فعل هذا الأمر؟

أخيرا وليس آخرا، أنا متأكدة بأن للحرية طعم مختلف، لها مذاق حلو ورائحة أخّاذة وملمس ناعم، وهي تجعل الحياة حلوة وصالحة للعيش.

الحرية بين رقص الفراشة وأسر الجسد.. إعادة صياغة المفهوم في العصر الرقمي

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)

بعيدا عن معاني الحرية في المجال السياسي، فهذه الحرية محل خلاف بين الفلاسفة وأصحاب المذاهب السياسية والأيديولوجية من شيوعية ورأسمالية وغيرها من الأيديولوجيات والديانات الوضعية، التي تختلف بالطبع عن مفهوم الحرية في الأديان السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، ولهذا فالحديث عنها يطول والجدال حولها الكلام.

ولكن هناك معان أخرى للحرية في أبجدية الطبيعة - مثلا - نراها في رقصات الفراشات بين الزهور، وفي انتقال العصافير وغيرها من الطيور من غصن إلى آخر، وفي خرير الماء بين الأشجار، وفي تدافع موج البحر وملاحقة بعضه لبعض في سيمفونية رائعة غير متناهية.. ولعل الفيلسوف "هيجل" أبدع عندما قال: "تاريخ العالم ليس سوى تقدُّم للشعور بالحرية".

ومعنى الحرية في قاموسي الشخصي، نابع من يقيني بأنَّ حرية الإنسان تنتهي عندما تتقاطع مع حرية الآخرين أو تتصادم معها، وقد لخص ذلك مَن قال: أنت حر ما لم تضر! وهو مفهوم نابع من الدين الإسلامي الذي يدعو المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يعامل الناس، كل الناس، بما يحب أن يعاملوه به.

وقد صحح رسولنا الكريم مفهوم الحرية لدى الشباب، وهم الذين تجمح بهم أهواؤهم فتقودهم إلى الشطط في الحرية بالعدوان على الآخرين، فقد روي أنَّ غلامًا شابًّا أتى النبيَّ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، فقال: يا نبيَّ اللهِ أتأذنُ لي في الزنا؟ فصاح الناسُ به، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَرِّبوهُ، ادنُ فدنا حتى جلس بين يديهِ، فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: أتحبُّه لأُمِّكَ فقال: لا، جعلني اللهُ فداك، قال: كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لِأمَّهاتِهم، أتحبُّه لابنتِك؟ قال: لا، جعلني اللهُ فداك قال: كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لبناتِهم، أتحبُّه لأختِك؟ وزاد ابنُ عوفٍ حتى ذكر العمَّةَ والخالةَ، وهو يقولُ في كلِّ واحدٍ لا، جعلني اللهُ فداك، وهو صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه، وقالا جميعًا في حديثِهما - أعني ابنَ عوفٍ والراوي الآخرَ -: فوضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه على صدرِه وقال: اللهمَّ طهِّر قلبَه واغفر ذنبَه وحصِّن فَرجَه فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه منه. (والحديث إسناده جيد رجاله رجال الصحيح).

ويمكن قياس الحرية في حياتنا على هذا الحديث النبوي الشريف، فما لا يرضاه الإنسان لنفسه، جدير به ألا يرضاه لغيره.

وإني لأشفق على العصفور الحبيس في قفص جميل، لأنه حُرم من الحرية التي هي من سماته وخصائصه التي وهبها الله له، فمن شأن العصافير أن تغرد فوق الغصون، فتمتّعنا بأصواتها الجميلة، وهذا الحبس وإن كان في قفص ذهبي يحرمها من حرية الانطلاق والتحليق في أجواز الفضاء، كما يحرمنا لذة الاستمتاع بتغريدها وخصوصا في الصباح والمساء.

وكذلك الحال مع سمك الزينة الذي يوضع في حوض زجاجي، وقد كان يسبح في البحر فحبست حريته، فنحن نستمتع بشكله ولكننا نأسى لحبس حريته.

وقد عبر الشاعر الأندلسي الكبير "المعتمد بن عباد" عن مأساة سلب الحرية من الإنسان تعبيرا رائعا حين انتزع من ملكه بالأندلس وسجن في "أغمات" بالمغرب، فرأى سربًا من القطا يطير في السماء في حرية، فحن إلى أن تعود إليه حريته ليكون مثلها وبكى قائلا:

بكيتُ إلى سرب القطا إذ مررنَ بي -- سوارحَ لا سجن يعوق ولا كبل

ولم تك ـ والله المعيذ ـ حسادة -- ولكن حنينا أنَّ شكلي لها شكل

ألا عصم الله القطا في فراخها -- فإنَّ فراخي خانها الماء والظل

ومن المستحدثات النافعة والضارة في عصرنا "الذكاء الاصطناعي" الذي صار يختلس منا حريّتنا يوما بعد يوم، فصار كثير من الناس يعتمدون عليه حتى في مجال الإبداع الأدبي والفني، مما يفقد أدبهم وفنهم روح الإنسانية ويصبغه بصبغة الآلة، وهذا بالطبع مما يتنافى مع حرية المبدع التي تصبغ أدبه وفنه بصبغة ذاتية تعكس روحه وخبراته وتجاربه في الحياة وتكون مرآة صادقة لحياته وحياة مجتمعه.

كما أنَّ انجذابنا إلى الغرب يُبعدنا عن أصالتنا، وهذا يمثّل انتهاكا لحريّتنا، فالحداثة العمياء والتقليد الأعشى يفقدنا هويتنا ويبعدنا عن الأصالة، فنصير مسخا شائهًا لا تربطه ببيئته ووطنه وقوميّته ودينه إلا روابط واهية، فيذوب في حضارة الغرب كالغراب الأسحم الذي يحاول تقليد الطاووس، فلا هو صار طاووسا، ولا هو عاد طائرا طبيعيا بل صار يحجل في مشيته ويتعثر، وليس هذا التقليد وليد اللحظة بل هو من منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين فتن بعض الأدباء والمفكرين بالحضارة الغربية وظنوا أنَّ التقدم مرهون بتقليدها، كما عبر عن ذلك الدكتور "طه حسين" حين قال في مجافاة للمنطق السديد والعقل الرشيد: إذا أردنا أن نتقدّم فعلينا أن نتبع الحضارة الغربية بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ولو أنصف لدعا إلى تقليد الحضارة الغربية في الخير والحلو مع تجنب الشرِّ والمرِّ، ولو فعلنا ذلك لتقدمنا تقدما حقيقيا كما تقدم أسلافنا الأوائل الذين نقلوا نتاج الحضارات القديمة واختاروا منه ما يصلح لطبيعتنا وما يتوافق مع بيئتنا وهويتنا، وبنوا عليه فتقدموا وصاروا أئمة في العلم والفكر، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

ونرى أنه من الواجب أن نعيد إنتاج معاني أخرى للحرية من الواقع الرقمي الذي صرنا نحيا فيه ربما أكثر ما نحيا في واقعنا الحالي، حتى نستفيد بخير التقدم العلمي والرقمي ونتجنب شروره وبوائقه وما أكثرها.

فالحرية لا تقتصر على الجانب المادي من حياة الإنسان فحسب، فالروح أيضًا معنية بالحرية في زمن أسرت فيه المادةُ الجسدَ إلى حدِّ الاستعباد، حتى ينعم الإنسان بالتوازن بين المادة والروح فلا يطغى أحدهما على الآخر، فلا تستقيم حياته، ويكون مخالفا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإن لبدن الإنسان عليه حقا، كما أن لروحه ونفسه عليه حقا.

وهذه المقالة تهدف إلى استكشاف معنى الحرية بعيدًا عن المألوف السياسي، مركزة على مفهومنا الشخصي مقارنةً بتجلياتها في الطبيعة، وطارحة ضرورة إعادة صياغة هذا المفهوم في ظل تحديات الواقع الرقمي المعاصر، ومحللة العلاقة بين الحرية الروحية وأسر الجسد المادي في هذا السياق التكنولوجي المتقدم.

مفهومنا للحرية وتجلياتها في عالم الطبيعة

مما لا شك فيه أنَّ هناك معاني أخرى للحرية بعيدًا عن المجال السياسي، كما ذكرنا، وتظهر هذه المعاني بوضوح في عالم الطبيعة، حيث يمكن للمرء أن يراها في رقصات فراشة بين الزهور، وفي انتقال عصفور من غصن إلى آخر، وتمتد تجليات الحرية الطبيعية لتشمل صوت الماء بين الأشجار واضطرام موج البحر.

وعلى الرغم من إقرارنا بتلك التجليات، فقد طرحنا تساؤلاً جوهريًّا حول المفهوم الشخصي للحرية، وتفاعلنا مع رموز الأسر، متسائلين عن كيفية تفاعلنا مع عصفور حبيس في قفص جميل أو سمكة في حوض زجاجي.

وفي سياق فلسفي أعمق، يتمّ الاستشهاد بالفيلسوف "هيجل" الذي أبدع بالقول: "تاريخ العالم ليس سوى تقدم للشعور بالحرية".

إعادة صياغة معنى الحرية في سياق الواقع الرقمي المعاصر وتحدياته الجديدة

في ظل التحولات التكنولوجية الجذرية، نرى أنه من الواجب أن نعيد إنتاج معانٍ أخرى للحرية تناسب الواقع الرقمي، وهذا الواقع الرقمي أصبح المجال الذي "نحيا فيه ربما أكثر مما نحيا في واقعنا الحالي"، إلا أنَّ هذا الواقع الجديد يطرح تحديات خطيرة تهدد مفهوم الحرية ذاته، ومن أبرز هذه التحديات خطر الذكاء الاصطناعي أنَّ الذكاء الاصطناعي الذي يختلس حرّيتنا يومًا بعد يوم.

وبالإضافة إلى التهديد التكنولوجي المباشر، فإننا نرى تحديًّا آخر يتمثل في الانجذاب إلى الغرب، وهذا الانجذاب يُبعدنا عن أصالتنا، ويشكل هذا الابتعاد عن الأصالة انتهاكاً لحرّيتنا.

العلاقة بين الحرية الروحية وأسر الجسد المادي في هذا العصر التكنولوجي المتقدم

في هذا الزمن الذي يشهد تقدّمًا تكنولوجيًّا هائلاً، يجب أن تُطرح أسئلة حول وضع الروح في مقابل الجسد المادي، ونتساءل عما إذا كانت الروح معنية أيضاً بالحرية، ويأتي هذا التساؤل تحديدًا في زمن "أسرت فيه المادةٌ الجسد إلى حد الاستعباد".

وهذا يعكس صراعًا جوهريًّا في العصر الحديث حيث يمكن للمتطلبات المادية أو القيود التكنولوجية أن تقيّد الجسد بشكل يصل إلى درجة الاستعباد، مما يدفع للتفكير في ضرورة تحرر الروح أو سعيها للحرية بالتوازي مع هذا الأسر الجسدي.

وعليه، فإننا نؤكد على ضرورة الابتعاد عن القراءات التقليدية للحرية (في المجال السياسي) ونقوم بتقديم قراءات جديدة تتناول هذه المجالات المعاصرة.

إنَّ الحرية ـ وفقًا لما نطرحه ـ تتجاوز المعنى السياسي الضيق لتشمل رقصة الفراشة وتحرر الموج، ولكن الحرية في العصر الرقمي، تواجه تحديات غير مسبوقة، سواء من الذكاء الاصطناعي السارق للحرية أو الانجذاب الذي يبعدنا عن الأصالة.

وفي خضم هذا الواقع، يصبح التساؤل عن حرية الروح أمرًا ملحًّا، خصوصًا عندما يكون الجسد المادي قد أسرته المادة إلى حد الاستعباد، وهذا يدعو إلى إعادة صياغة شاملة لمفهوم الحرية نتفق عليها جميعا.

يشبه مفهوم إعادة صياغة الحرية في العصر الرقمي تحديث نظام التشغيل (Operating System) للحياة البشرية؛ فكما أنَّ نظام التشغيل القديم لم يعد قادرًا على التعامل مع تطبيقات وتحديات التكنولوجيا الحديثة (مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي)، يجب تحديث نظامنا القيمي والفلسفي للحرية ليتمكن من معالجة التهديدات الجديدة وضمان الأصالة والتحرر الروحي رغم قيود الأسر المادي.

ولعل فيما سقناه كفاية ومقنعًا للغارقين في أسر الحياة المادية حتى آذانهم، وكذلك للعازفين عن الحياة المادية بالكلية، المستغرقين في الرّهبانية التي تصادم الفطرة، فبالتوازن بين المادة والروح تستقيم حياتنا، وننعم بالحرية شأننا شأن الطيور في السماء والفراشات في الطبيعة الجميلة وموج البحر، وكل ما خلق الله لنا لنتمتّع بحياتنا في غير إسراف ولا تقتير، بل بتوازن دقيق، فلا ننسى نصيبنا من الدنيا ونحسن كما أحسن الله إلينا، والله المستعان.

الحياة أبسط من تعقيدها بأبعاد فلسفيّة!

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

"لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ بل: ما الذي يستحقّ أن يُعاش؟"، "منذر قزق"، شاب دخل عالم الفلسفة، لست أعرفه، ولكن رمتني الصّدفة عند أعتاب صفحته على فايسبوك، وأنا أتصفّح رؤيته حول وجوديّة الإنسان وصراعاته في هذه الحياة، لفتتني هذه العبارة، هل حقًّا نمتلك حرّية اختيار ما نراه يستحقّ العيش؟ كما الفراشة تخلع عنها الظّلام لتنثر ألوانها بين خيوط النّور، عرفت قدر نفسها، وقرّرت الانطلاق لتحيا.

فهل نحن قرّرنا الحياة؟ يقول الدّكتور "خالد غطّاس" في فيديو مسجّل، جملة استوقفتني مطوّلًا: (إنت ما خصّك، بس أنت مسؤول)، صحيح نحن لا شأن لنا بولادتنا، بأقدارنا، بصحّتنا، بمستقبلنا، ولكنّنا مسؤولون في الدّفاع عنهم والحفاظ عليهم، نحن نمتلك حرّية الطّريقة لا الطّريق.

نعود إلى "منذر قزق"، في نصّ له يقول فيه: "لقد حاولت أمّي إنزالي بأكثر من طريقة، وأنا الآن أدرس الفلسفة لأفهم لماذا؟... لماذا رفضتني أمّي قبل أن تعرفني؟ لماذا خافت منّي وأنا بعد فكرة ولمّا تحوّلت إلى جسد؟ لم تهنأ بي..."، هل تجرّأ أحدكم واتّبع طريق الإجهاض لمجرّد رفضه قرار تحمّل المسؤوليّة؟ تحت مسمّى الحرّية والقرار الذّاتي، حرّية التّخلي، تعرّينا من كلّ ما نحن عليه، لنصل عند الخط الفاصل، عند الحدود التي تتوقّف عندها الحرّية، الدين والإنسانيّة.

قد يرى البعض هذه العبارات الثلاث المعروضة مبالغة في الرّؤية الحياتيّة، فالحياة أبسط من أن نعقّدها بأبعاد فلسفيّة، هي أنفاس نعيشها يومًا بيوم وأقدار مكتوبة. ولكن في الحقيقة هذه العبارات قد تكون أكثر من مخيفة، هي اختصرت قالب ثلاثيّة الفكر الإنسانيّ: المسؤوليّة، الحرّية، القرار.

وكم من القرارات أُجهضت باسم الحرّية لأنّنا لا نريد المسؤوليّة. ربّما ليست جميع القرارات نابعة من حرّية الاختيار، ولكن بعضها وليد المنطق، فهل لو خُيّرت بين الموت والحياة أليس من المنطق أن تختار الحياة؟ المشكلة إن كان القرار نابعًا من اللّامنطق، فاللامنطق يقول أن تختار الموت، أيّ حرّية هذه التي تدفع بنا إلى القتل؟ أم أنّ الظّروف مبرّر كاف للفعل؟

منذ الطّفولة نتلقّى المكتسبات، نتصرّف على أساس الفكر الذي جمّعناه في سلّة العمر، لنكبر وننتقي منه ما يتناسب معنا من أجل البقاء، هنا فقط نشعر بالحرّية.

الحقيقة نحن لسنا أحرارًا بل مسؤولين، متى فُقدت المسؤولية، انهارت الحرّية في وحل الحياة.

الحرية التي نريد!

د صبري فوزي أبو حسين (أستاذ الأدب والنقد، ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات بجامعة الأزهر - مصر)

ما الحرية؟ وما مجالاتها؟ وما ثمارها؟ وما مخاطرها؟ أسئلة تترى أمام العقل، لا سيما الخمسيني أو ما بعده، حيث مرّت على الإنسان أحوال وحالات وحوادث وأخبار تتعلق بهذه السمة الإنسانية والفريدة البشرية (الحرية)!

هل تمتّعنا بالحرية؟ هل أفدنا من الحرية؟ هل الفارق بيننا وبين الغرب في هذه (الحرية)؟! هل حالنا كان سيتغير لو عشنا جو هذه(الحرية)؟!

إن (الحرية) سمة إنسانية، وبنية فارقة بين الإنسان وغيره، كل ما حولنا من مخلوقات مجبور، مسخّر في جو السماء والأرض، إلا الإنسان فإنه مخيّر!

نعم تتمتع الحيوانات بنوع من الحركة مثل رقصات فراشة بين الزهور، وفي انتقال عصفور من غصن إلى آخر، وفي صوت الماء بين الأشجار، وفي اضطرام موج البحر، لكنها حركة مسيرة..

والحرية في نظري تشمل مجالات حياتية وبشرية كثيرة، وهي متدرجة حسب متطلبات الحياة والأحياء:

- حرية العقيدة، التدين = قلب الإنسان، وظيفة إيمانية عبادية للإنسان.

- حرية التفكير، البحث العلمي = عقل الإنسان، نتاج علمي للإنسان.

- حرية الإبداع، الفن، الأدب = خيال الإنسان، نتاج روحي للإنسان.

- حرية التجارة، الاقتصاد = مال الإنسان.

- حرية الصناعة = إنتاج مادي للإنسان.

- حرية الحركة = تنقل الإنسان في بقاع المسكونة المعمورة، أمنا (الأرض)!

ويتفرع عن ذلك حريات أخر، مثل:

حرية: الكلمة، حرية القلم، حرية اختيار نوابنا في المجالس الديمقراطية، حرية الصحافة، حرية الإعلام، حرية النقد، حرية الأنترنت، حرية وسائل التواصل الرقمية... إلى غير ذلك مما يستجد من حريات!

وضد الحرية ألفاظ: العبودية، الرقّ، السجن، التقييد، الحبس، القهر، الجبر، الأسر، الاحتجاز، الاعتقال. أما التحرر فقد يكون ضد الحرية وقد يكون سببها! فالتحرر كسر للقيود التي يفرضها العدو المستعمر، وبعده تكون الحرية التي نريد! وهذا مظهر إيجابي للحرية!

إن هذه الحرية التي نريدها ينبغي أن تكون منضبطة ومسؤولة وواعية وهادية وخيّرة، وليست منفلتة غبية رعناء هوجاء ضالة فاتنة شريرة مدمرة، فمثل هذه السوءات تجعلنا في دائرة "التحرر المنفلت المعتدي"، وليس "الحرية"، وشتّان بين اللفظين لغويا وفكريا وسلوكيا، ومصائبنا الاجتماعية والفنية والتربوية والعلمية، وصراعاتنا وتمزّقاتنا راجعة إلى حضور "التحرر" وغياب "الحرية"! كما أنه يمكّن لهؤلاء المتحررين المنفلتين في مجالات التوجيه والإرشاد ثقافيا وإعلاميا ودعويا وتعليميا!

وأقف هنا مع ما يُسمّى "مبدأ الضرر أو مبدأ أنت حر ما لم تضر" والذي، تعرفه الويكبيديا بأنه "مبدأ قانوني ينص على أن حرية الفرد لا يجب أن تمنع إلا إذا سببت هذه الحرية أذيّة لفرد آخر. صاغ "جون ستيوارت مل" هذا المبدأ في كتابه عن الحرية: "الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة بشكل صحيح على أيّ فرد من أفراد المجتمع المتحضر، رغمًا عنه، هو منع إلحاق الأذى بالآخرين". ففيه مظهر إيجابي حيث حماية الناس من هذا "الحر"!

أما المظهر السلبي فيتمثل في محاولة تغييب فريضة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال بيان حدود الله تعالى وفرائضه وحرماته عز وجل، فالإنسان حر ما لم يتعدَّ حدود الله تعالى وتعاليمه في القرآن الكريم وفي سُنّة رسولنا الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

إن الإباحية والمجون والعشوائية الجنسية ليست حرية! إن التبرج ليس حرية! إن المساخر الفنية والأدبية ليست حرية! إن التنمّر ليس حرية! إن الفضائح والتّعييب والغيبة الإلكترونية ليست حرية! إن الوقوف بجانب الرؤية الصهيونية، وترديدها ليست حرية! إن التطبيل للعملاء والخونة والمطبعين ليس حرية! إن الاعتداء على ثوابت الإسلام ليس حرية! إن تشويه المصلحين وتعظيم المفسدين ليس حرية! إن التمكين للتفهاء والسفهاء والجهلاء ليس حرية!

وخلاصة ما أقول وفذلكته: كل مظاهر السلبية والإضرار والإيذاء حولنا وبيننا لا يمكن تركها بحجة "الحرية"! فكل تغيير للخطأ إلى الصواب من متطلبات الحرية المجتمعية. وحرية الفرد تقف عند حدود المجتمع وحقوقه.

أخاف على حريتنا من هذه الحياة المادية الإلكترونية البلاستيكية التي تفرض علينا، فصرنا عصافير في قفص إلكتروني جميل مُغرٍ، لكنه شَرك خطير، يبعدنا عن روحنا أصلنا، حريتنا العربية الإسلامية السامية الصافية!

وشخصيا أقوم كل فترة بالهروب إلى الريف، ورؤية البسطاء والعيش معهم وبينهم بعيدا عن هذا الهاتوف الجوال الطوّاف، بله الطاغوت، الجاذب والفاتن والمراقب والحابس لحركتنا وتلقائيتنا وعفويتنا وفطرتنا التي فطرنا الله عليها، فما أحوجنا إلى الخلاص من إدمان الإنترنت، إدمان التواصل الرقمي البلاستيكي! فهذا الإدمان استعباد واحتلال وهيمنة مادية بغيضة مدمرة لإنسانية الإنسان وحرياته وانطلاقاته في الكون والحياة والأحياء!

نعم للحرية في ظلال ثوابتنا الإسلامية والعروبية والوطنية، ولا للحرية الغربية، الغريبة عنا والدخيلة علينا، تلك التي يراد من خلالها تحويل الإنسان العربي إلى حيوان مستهلِك ومستهلَك، يسير وراء رغباته وشهواته بلا ضابط ولا رقيب ولا محاسب!

رحلة إلى الحياة

زينب أمهز (كاتبة وباحثة من لبنان)

الحرية شعورٌ داخلي عميق يتجاوز الأطر الاجتماعية والمادية، ليصبح حاجة فطرية في كينونة الإنسان والكائنات جميعًا. في الطبيعة، نرى الحرية في انسياب جدولٍ صغير، في رفرفة جناح فراشة، في رقصةِ سنبلةٍ تحت نسيمٍ لطيف، في رائحةِ المطر لأول مرةٍ حين يتسلل إلى أعماق الأرض، وفي وهج غروبٍ ينسحب بلا إذن.

حين نتأمل الطبيعة، نعود إلى ذواتنا الأولى، إلى النقاء الذي لا يُشوَّه، والحرية التي لا تُقَيَد. جمال الطبيعة ليس مجرد مشهد بصري، بل تجربة وجودية تلامسُ أعماق النفس، وتبعثُ فيها الطمأنينة. فكل شيء في الطبيعةِ حر، لأنه على فطرته (صوت خرير الماء، انسياب النسيم، لون الغيوم، وشذى الزهور…) كلها ليست عناصر جمالية فقط، بل لغاتٌ روحية تهمِسُ لنا أننا أحرار متى عدنا إلى طبيعتنا.

في الطبيعة، يشعر الإنسان بأنه ليس ضيفًا على العالم، بل جزءٌ من نسيجه، وحين يقف على شاطئ البحر، أو بين أشجار الغابة، أو تحت ضوء شمس خجولة في صباحٍ ربيعي، يحس بانفراجة داخله، وكأن روحه تستعيد شيئًا من ذاتها الضائعة. فالطبيعة تُصغي، ولا تُدين، تمنح بلا مقابل، وتُربت على الأرواح المرهقة. لذلك لا عجب أن يجدها الشعراء مرفأً للهاربين من ضوضاء العالم، وأن يراها الفلاسفة مرآةً لجوهر الانسان.

 والآن، لن أطيل عليكم بتزيين الكلام عن الحرية في أحضان الطبيعة، لكنني سأحدثكم عن وقعِ هذه الحرية في قلبي، عن جمالها الذي لا يُوصف، وعن أثرها العميق في روحي المتعبة.

كلنا نحتاج إلى مهربٍ من صخبِ الحياة وضجيجها، إلى فسحةٍ نُلقي فيها أثقالنا، ونتنفس بعضًا من السكينة في عالمٍ يزدحم بالضغوط والالتزامات. حين تضيق بي الأرض، أجد في الطبيعة اتساعًا لا يُحد، وفي خضرتها المترامية ملاذًا، يحتويني دون سؤال.

أنا، بطبيعتي، أجد راحتي القصوى حين أغادر الإسمنت والضجيج إلى فسحاتِ الطبيعة الخضراء. هناك، حيث تنطق الأشياء بصمتها، وحيث يرسم الخالق لوحاتٍ لا يقدر على محاكاتها أي فنان، أجلس بهدوء، وأُنصت… أُنصت إلى خرير الماء الذي يغسل روحي، إلى زقزقة العصافير التي تُشبه سيمفونية حنونة، إلى همس الأشجار الذي يربت على قلبي كصديقٍ حكيم.

ذات يوم، كنت مرهقة حد الإنهاك، محاصَرة ما بين ضغوط العمل في المدرسة، ومسؤوليات البيت وتربية الأولاد. لم يكن الأمرُ وليدَ لحظة، بل تراكمٌ ثقيلٌ ينهش أعصابك شيئًا فشيئًا، حتى تجد نفسك عاجزًا عن التنفس، عاجزًا عن النُطق، كأن كل كلمة تحتاج إلى جهدٍ خارق لتغادر فمك.

أخي لاحظ ما بي، لم أُخبره شيئًا، لكنه كان يقرأ الصمت في وجهي، ورآني ألجأ إلى غرفتي لأختبئ من كل شيء، ولو لبرهةٍ قصيرة. وفي صباح اليوم التالي، أتى فجأة، وطلب مني أن أُجهز نفسي. لم يخبرني إلى أين، فقط قال: "تعالي".

سارت بنا السيارة في طريقٍ لم أعرفه، وكل ما كنت أحتاجه حينها، أن أُؤخذ بعيدًا… بعيدًا فقط. إلى أن وصلنا إلى مكانٍ يُدعى "مزارع ديْر تعنايل" في البقاع بلبنان. وهناك، شعرت أنني أفتح عيني على حياة جديدة.

أول ما يطالعك عند الدخول، أكواخٌ خشبية صغيرة كأنها خرجت من حكاية، كُتبت على جدرانها عبارات فلسفية تُلامس الروح وتدفعك للتأمل. تسير في طريقك حتى تبلغ الكنيسة... يا لرهبتها، ويا لجمالها! غرفة صغيرة تحتفي بالحجارة المدورة، تحف بها تماثيل العذراء والمسيح، وتضيئها الشموع التي تضفي عليها هالة من السكينة والجلال.

تدخلها، فتبهتك رهبة الصمت، فلا تجرؤ على التفوّهِ بحرف. الخشوعُ هناك يلجم لسانك عن الحركة، كأن المكان يعقد صلحًا بين النفس والسكينة. مشهدية أخّاذة تجمع بين الإيمان والطمأنينة، بين الجمال والرقّة والبساطة. تُحيط بها من الخارج أشجار باسقة، وورود مزركشة بألوان الحياة.

ثم تصل إلى قفص العصافير... لكن لا تتعجل الصورة النمطية. هذا القفص ليس كأيّ قفص، بل هو بحجم غرفة كاملة، يتوسّطه جذع شجرة حقيقية، ويحوي من أنواع العصافير ما رأت عيناك، وما لم ترَ. تغرّد فيه الحياة على إيقاع الحرية... داخل قفص.

والآن جاء دور التوجّه إلى المكان المنشود.  سرنا عبر ممر تحفّه منتجات المزرعة من ألبان وأجبان وصناعات يدوية تُفوح منها رائحة الريف الأصيل، كأنها تحكي قصصًا عن الأيدي التي صنعتها وعن حكايا الجدات في القرى.

لم ينتهِ مشهد الأشجار الباسقة التي كانت تصافح السماء، بل امتدت كأنها تصنع ظلالًا من الأمان. وهناك، في غرفة صغيرة تنبعث منها موسيقى "فيروز" و"وديع الصافي"، تتهادى أصوات الطمأنينة وتنساب في الهواء، وكأن الطبيعة نفسها تستمع إليهما بخشوع.

نغوص أعمق في المكان، لتُفاجئنا زوايا خضراء تحوي أحصنةً وماعزًا وخرافًا وأرانب وغزلانًا، كلها تنعم بسلامٍ بعيد عن قسوة الأسفلت وضجيج المدن. العشب أخضر مُمتدٌ كأنه سجادة فاخرة، نبتت بين أحشائه أشجار عتيقة، قد يكون عمرها من عمر أرز لبنان، شامخة، صامدة، تشهد على الزمن، وصمتٌ ناعم يربّت على كتفيك كأنه يقول لك: لا بأس. المكان أشبه بقطعة من الجنة، ولستُ أُبالغ.

نمشي، والمسافة تمتد... نصف كيلومتر تقريبًا في صمتٍ حالم، حتى انكشفت لي المفاجأة الكبرى، كأنها مكافأة للصبر... "البحيرة"، أي وصف يليق بها؟ بأيّ كلمات أستطيع أن أُحيط بسحرها؟ لم تكن مجرد مشهد، بل شعور. لحظة استعادة روحٍ كانت تائهة.

البط والإوز يقتربان، يشاركانك اللحظة بلا خوف، وكأن الطبيعة هناك قد وقّعت اتفاقًا مع الكائنات على الأمان. في وسط البحيرة كوخ خشبي يعانق الماء، والبحيرة مُسوّرة بحبال وأعمدة من خشب، تزيدها جاذبية ووقارًا.

جلست على أحد المقاعد الخشبية، والشعور الذي غمرني لا يُحكى. خجلتُ من كل ضجيجٍ في داخلي، وتماهيتُ مع صمت الطبيعة وبهائها. هو الجمال حين لا تلوّثه يد، هو الصفاء حين يناديك: "تعال، اقترب، ها هنا الحياة التي نسيتها...". لقد شعرتُ أنني أتنفس أخيرًا… أنني أستعيد نفسي التي أضعتها في زحمة الأيام.

هناك، في حضرة الجمال الخالص، تخجل الكلمات من أن تُقال، ويُصبح الصمت أبلغ من كل حروف اللغة، فالصمتُ في حرم الجمالِ جمالُ. لا مجال للشرحِ أو التفسير، فقط عليك أن ترى، أن تتنفس، أن تدع روحك تُشفى من ضجيج الحياة وهمومها.

تمشّينا بين الأشجار المتعانقة والمياه الرقراقة، وكل مشهدٍ كان لوحةً لا تُنسى. التقاط الصور لم يكن فقط لتوثيق الذكرى، بل كأننا نحاول أن نُمسك بالجمال، أن نُبقيه معنا أطول وقتٍ ممكن. رأينا زوّارًا يركبون عربات تجرّها الخيول، وآخرين يمتطون صهوات الجياد، وبعضهم يمضي في جولةٍ على دراجته الهوائية. لا أحد يتصنّع، لا أقنعة، لا مجاملة... الجميع على سجيتهم، في كنفِ الطبيعة، في حضرةِ آيةٍ من آياتِ الله.

وحين انقضى الوقت، عدنا... لكن من الطريق الآخر عند مفترق الدربَين. طريقٌ لا تعبّده السيارات والأسمنت، بل خطوات الزوار المحبين الذين يتفاوتون من الصغير إلى الشاب والكبير، طريقٌ تحفه الأشجار ويهمس إلى جانبه جدولٌ صغير، وكأنه يودعنا برفق.

انتهت الرحلة... لكني عدت وقلبي ما زال هناك، معلقًا بين أغصان الصفاء وخرير المياه. عدت، لكن بنفسٍ مشحونةٍ بطاقةِ الحياة، بما يكفيني لأُكمل مشواري بين الناس والمهام. ومنذ ذلك اليوم، كلما ضاقت بي السُبل، عُدت إلى هناك... كما كنت أعود قبلها إلى نهر العاصي... أو إلى البحر، حيث تحتضنني الطبيعة وتُعيدني إلى نفسي، حيثُ لا أحتاج أن أتكلم، فهي تفهمني بصمتي. حريتها حرية نقية، بلا شروطٍ ولا قيود، تُعيد إلى شيئًا من ذاتي المبعثرة، وتعلمني أن الروح لا تُشفى إلا حين تعود إلى أصلها… إلى الطبيعة.

هيَ هذه الطبيعة بالنسبة لي، "الملاذ الآمن" حين تشتد نوائب الحياة، و"المرفأ الهادئ" في وجه العواصف. هي الصدق في زمن التزييف، والسكينة حين يعم الضجيج. هي القوةُ في صمتها، والعزاء في حزنها الجميل، والنبضُ الذي يعيد لقلبي انتظامه بعد شتاته. هي التي تُعيدك إلى ذاتك، أنقى، أهدأ، وأكثرَ احتمالًا لما تبقى من الطريق.

وعلى الضفة الأخرى من هذا الهدوء الطبيعي، يقف الذكاء الاصطناعي، مُعجزة العصر ومأزقه. في الوقت الذي سهّل فيه حياتنا، بدأ يسحب من بين أيدينا أعمق ما نملك: حريتنا في التفكير، والتأمل، والاختيار. صرنا نُدار بالخوارزميات، تُقترح علينا الآراء، وتُوجه إلينا الأخبار، وتُشكل أذواقنا دون وعي.

هل نحن من نستخدم التقنية؟ أم أننا أصبحنا أدوات تُستخدم في نظامٍ ذكي لا ينام؟ من يراقبنا؟ ومن يُقرّر عنا؟ أسئلة ثقيلة تطرق أبواب الحرية الشخصية، وتجعلنا ندرك أن الذكاء الاصطناعي، رغم براعته، قد يغدو قفصًا ناعمًا يسرق منا القدرة على التوقف والتفكير.

حرية الإنسان ليست فقط في الحركة والكلام، بل في التأمل والقرار، في أن يُخطئ ويتعلم، لا أن يُبرمج. ولعل الخطر ليس في الآلة، بل في أن نخضع لها دون وعي، أن نفقد توازننا بين الطبيعة الصافية، والرقميّة المتضخمة، فتصير أرواحنا محاصرة بين سطوة الشاشة، وغياب المعنى.

هكذا، بين الطبيعة التي تمنحنا حرية الوجود، والذكاء الاصطناعي الذي يُهدد بحصار تلك الحرية، يجب أن نقف متأملين: كيف نعيش بانسجام مع التقنية دون أن نفقد إنسانيتنا؟ وكيف نعود إلى الطبيعة، لا كمهربٍ فقط، بل كجذر نتغذّى منه لنُبقي أرواحنا حرة، نابضة، ومتناغمة مع ذاتها؟

كابوس اسمه الحرية المنفلتة!

عدوية موفق الدبس (باحثة وكاتبة سورية - لبنان)

استيقظتُ على صوتٍ غير مألوفٍ لزوجتي وهي تقول بلطفٍ غريب: "استيقظ يا حبيبي، واحتسِ القهوة معي". ظننتُ في البداية أنني أتوهّم، أو أن زوجتي مريضة، لكن رائحة القهوة التي تسلّلت إلى أنفي أكدت أنني لا أحلم. في ذلك اليوم، كانت زوجتي غريبة.. بل ولطيفة، فقط لهذا اليوم. أضاءت الغرفة بابتسامةٍ ناعمةٍ لم أعتدها منها، لكنّ المشهد سرعان ما انقلب حين ظهر على الشاشة رجلٌ يقف على منبرٍ رسميّ، يرتدي بدلةً سوداء وقميصًا أبيضَ ناصعًا، وقد تزيّن صدره بحبّات طماطم فاسدةٍ قذفها جمهورٌ غاضب.

للوهلة الأولى، ظننته إعلانًا لمسحوق غسيلٍ يُزيل البقع المستعصية ويُعيد للملابس الملوّثة نصاعتها، لكنّ الأمر كان خطابًا سياسيًّا مباشرًا دون جمهور، دون حرسٍ، دون منطقٍ. تساءلتُ في نفسي: "هل هذا حقًّا بلدٌ عربيّ؟ أم أنها كاميرا خفيّة؟". ربما كان السبب في رؤيتي هذا المشهد أنني لم أنم جيدًا بعد مشاجرتي مع مديري الذي لم يتقبل صراحتي ونقدي أمام الجميع، لم يحتمل كلمةَ حقٍّ، ولا مواجهةَ صواب.

عدتُ إلى بيتي مثقلاً بعبءِ العبودية، مدركًا أن قول الحقيقة صار تهمة. وبعد استنكاري لهذا اليوم، أخذتُ نفَسًا وبدأت أُجهّز نفسي للعمل، لكنّ زوجتي الغريبة، بلطفها المفاجئ، قالت: "اليوم عطلة، إنه يوم الأحد. وقد اتصل مديرك وطلب أن تأخذ إجازة غدًا أيضًا". حينها تسلّل الخوف إلى قلبي، وعرفتُ أنني قد طُردت.

خرجتُ أتمشّى على الشاطئ لأتنفّس قليلًا، وبين شهيقٍ وزفيرٍ، لفتتني شاحناتٌ تفرغ النفايات ومخلّفات المصانع في البحر. بدافعٍ من ضميرٍ بيئيٍّ نادر، اتصلتُ بالجهات المعنيّة، لكنّ الصوت في الطرف الآخر أجابني ببرودٍ: "وما شأنك أنت؟ نحن نترك الإنسان يفعل ما يريد". أغلقت الهاتف، وأكملت يومي الغريب. وإذ صوتُ معدتي وكرشي الكبير قادني إلى مطعمٍ صغير، طلبتُ نصف كيلو من الشواء مع الحمص والمقبّلات، وبدأ خيالي يرسم لوحةً فنيّةً من اللذّة قبل أن يصل الطعام. لكنّ النادل وضع أمامي صحن فولٍ باهت! نظرتُ إليه وكدتُ أقتله بعيني، وقلت: "أين الشواء الذي طلبتُه؟"، ابتسم وقال ببرودٍ يثير الغيظ: "أنا قررت أن تأكل هذا. يمكنك أن تقبل أو ترفض، لكن لا يطيب لي أن أقدّم لك الشواء الآن".

خرجتُ من المطعم، وخرجتْ عصافير بطني معي تصرخ جوعًا، وفي الطريق رأيتُ الفوضى تعمّ الشوارع أكثر من المعتاد، لا إشارات، لا شرطة، لا نظام، كلٌّ يسير كما يشاء. عدتُ إلى منزلي مسرعًا وسألتُ زوجتي عن ابنتي التي لم أرها منذ الصباح، فقالت ببرودٍ: "خرجت، ولم تخبرني إلى أين". ذهلتُ وقلت: "ومنذ متى تفعل ما تشاء؟! وأين ابنك؟"، قالت وهي تُعدّ حقيبة سفر: "لا أدري، لم يعد منذ أمس. اتركه، فهو في الخامسة عشرة، يعرف مصلحته. ثم إنني ذاهبة في رحلةٍ ترفيهية، ولكن أنت... أنت، ما شأنك أنت؟ نحن في عصر الحرية، أَنَسِيت أننا لسنا في زمن القيود؟".

جلستُ مطوّلًا، صامتًا، ممسكًا هاتفي، وفجأة سمعتُ صوتًا من جهازٍ ذكيٍّ يسألني: "ما بك؟". بدأت أشرح له، فراح يوجّهني ويأمرني ماذا أفعل. أطعتُه بلا تفكير، ثم صرختُ: "لِمَ أنا فقط من يُقاد؟ أليس الكلّ حرًّا؟ أخرج من حياتي!" ثم غرقتُ في نومٍ ثقيل. استيقظتُ على صوت زوجتي المألوف تصرخ في ابننا: "اجلس، لا تُصدر ضجيجًا! والدك نائم!". ضحكتُ وأنا أقول في نفسي: "أهلًا بصوت الحياة الحقيقي، لا تزال الدنيا بخير".

 ظنّت زوجتي أنني جننت، لكنها لم تعلم أنني كنت في كابوسٍ... كابوسٍ اسمه الحرية المنفلتة. خرجتُ بعدها إلى الطبيعة أتنفّسها كما لم أفعل من قبل، راقبتُ النهر يجري بحريةٍ صادقة، والعصفور يطير كما يشاء، والزهور تتمايل مع الريح دون خوف. حينها فهمت أن الحرية لا تُقاس بغياب القيود، بل بقدرتنا على التمييز بين الصواب والجنون، بين الانطلاق الذي يبني، والانفلات الذي يهدم.

الحرية ليست أن نفعل ما نريد، بل أن نُريد ما يجب، ليست أن نثور على النظام، بل أن نخلق نظامًا من داخلنا يحكمنا بالضمير. الطبيعة حرّة لأنها تعرف حدودها، أما الإنسان فقد خلط بين الحرية والفوضى حتى صار يسجن نفسه فيما ظنّه انعتاقًا.

نعم، الحرية جميلة، لكنها حين تُسلَّم إلى أيدٍ جاهلةٍ تُصبح أداةَ هدمٍ لا بناء، وحين يتحرر الإنسان من قيمه وأخلاقه، يُطلق العنان لوحشه الداخليّ لينهش ما تبقّى من إنسانيته.

في النهاية، أدركتُ أن أجمل ما في القيود هو أنها تذكّرنا بإنسانيتنا، وأن من لا يقيّد نفسه بالمبدأ، سيقيّده الخطأ بالندم.

الحرية نداء سرمدي للانفتاح على الحياة

يوسف الشمالي (كاتب من لبنان)

الحرية! تلك الكلمة التي تتّسع لتشمل الكون كلّه، ليست فكرة مجرّدة أو شعارًا يُرفع في وجه القيد، بل هي جوهر الوجود، نبض الطبيعة الأول، والريح التي تهبّ في صدر الإنسان لتذكّره بأنه وُجد ليختار، لا ليُقاد. حين ننظر إلى الطبيعة، نرى الحرية وقد تجسّدت في كل تفصيل من تفاصيلها: في الطير الذي يهاجر بلا حدود، في النهر الذي يشقّ مجراه متحدّيًا الصخور، في الغيمة التي تسافر بين الجهات دون أن تسأل السماء عن الإذن. الطبيعة تُعلّم الإنسان الحرية قبل أن ينطقها، وتمنحه مثالًا صامتًا عن الانسجام بين الانطلاق والمسؤولية، بين الاندفاع والتوازن.

الحرية في الطبيعة ليست فوضى، بل نظام دقيق يولَد من الانسجام الداخلي بين العناصر. لا شمس تتسلّط على القمر، ولا بحر يحتكر مياهه، بل لكلّ مكوّنٍ مجاله الذي يتحرك فيه بوعيٍ منسجمٍ مع الكلّ. هذا التوازن العميق يجعل النفس حين تتأمّل المشهد الطبيعي تشعر بالاتساع، وكأنها تتنفّس بعمقٍ أكبر. فالنفس، مهما قُيّدت بالواقع، تحتاج إلى فضاءٍ تسبح فيه بخيالها، وتتحرّر من صخب الضجيج اليومي لتجد في ذاتها صدى الطبيعة الأولى. الحرية، بهذا المعنى، ليست فقط حقًّا اجتماعيًا، بل حاجة داخلية تمسّ الروح قبل الجسد.

ولأن الكاتب هو ابن هذه الطبيعة، فإنّ دوره أن يستعيد من خلالها المعنى الأصيل للحرية. الكاتب الحقيقي لا يكتب من أجل كسر القيود فحسب، بل ليمنح القارئ مساحة من الضوء يرى فيها العالم بألوان جديدة. هو الذي يسلّط الضوء على تفاصيل الحياة الصغيرة، على الأشياء التي تمرّ أمامنا دون أن نلحظها، فيحوّلها إلى إشارات عن جوهر الوجود. إنّ الكتابة فعل تحرّر قبل أن تكون فعلًا لغويًّا، والكاتب حين يكتب، كأنه يعيد ترتيب الفوضى من حوله ليخلق نظامًا جماليًّا من رحم الانعتاق. من هنا، تصبح الحرية في الأدب مرآة للحرية في النفس والطبيعة معًا، حيث يتحوّل النص إلى حديقة مفتوحة يتجوّل فيها القارئ كما يشاء.

كلّ كاتبٍ يقترب من جوهر الحرية، يدرك أن الكلمة نفسها كائنٌ حرّ، ترفض الانغلاق في قوالب محدّدة، وتسعى لأن تكون صدى للحياة بكل تناقضاتها. لذلك نجد أن الإبداع في جوهره مقاومة صامتة للجمود، واستعادة دائمة لحيوية الطبيعة في اللغة. فحين يصف الكاتب الغيم، أو الموج، أو الريح، لا يفعل ذلك من أجل الزينة، بل لأنه يرى في تلك الصور انعكاسًا لحرية داخلية يريد أن يوقظها فينا.

ومن المفارقات التي تصنع التأمل، أنّ كل ما يموت في مكانٍ ما، يُشيّد له الناس تمثالًا ليُكرّموه، كأنّهم يعتذرون له بعد فوات الأوان. وربّما من هنا جاءت فكرة "تمثال الحرية" في أميركا، ذاك الرمز الذي يذكّر الناس بشيءٍ يبدو حاضرًا في الشكل وغائبًا في المضمون. كأنّ البشرية، في أعماقها، تدرك أنّ الحرية كائن هشّ يحتاج إلى من يرعاه لا إلى من يُخلّد صورته. التمثال يبقى جامدًا، فيما الحرية الحقيقية حيّة، تنبض في الفعل، في الفكر، في الشجاعة على قول "لا" حين يجب، وعلى الإصغاء حين يلزم الصمت.

الحرية ليست امتلاك الطريق، بل القدرة على السير فيه بخطى واثقة، ولو كانت الأرض وعرة. هي ليست رفضًا للقيود فقط، بل بحث دائم عن معنى وجودنا في هذا العالم المتغيّر. وعندما يتأمّل الإنسان الطبيعة، يجد أن الحرية ليست ترفًا بل قانونًا من قوانين البقاء: فالنهر إن حُبس فسد، والعصفور إن حُبس خبا صوته، والإنسان إن حُبس فكرُه فقد ذاته. لذلك، تظلّ الحرية في جوهرها نداءً سرمديًّا للانفتاح على الحياة، ولرؤية العالم بعينٍ خضراء لا تخاف الضوء.

وهكذا، تلتقي الطبيعة والكاتب والإنسان في نقطة واحدة: الرغبة في أن يكونوا أحرارًا، أن يقولوا ما يريدون دون أن يجرحوا، أن يعيشوا دون أن يخافوا، وأن يتركوا أثرًا يشبه الريح، لا يُرى لكنّه يُشعر به كلّ من مرّ في طريقه.

الضياع ينجيني.. فلعلكم تنجون أيضا!

سلوى غية (باحثة وناقدة - لبنان)

الحرية ليست أن تكون دون قيود، لكنها ليست قيودا أيضا. الحرية ما بين وبين، هي تقع في منتصف الأشياء. أنا من أولئك الذين يرون أن في كل شيء نسبية؛ فالنسبية موجودة في كل أمر تقريبا. لكنني أناقض ذاتي أحيانا، عندما أشرد في معنى...

عندما أشرد في معان كبرى، كالحب مثلا، أجدني عاجزة عن وضعه في المنتصف، لأنني أشعر أنني، وإن فعلت، أكون قد سرقت منه روحه الكاملة. فهو يأبى أنصاف الحضور. وكذلك الحرية، أشعر دائما، في كل شرود، أنها إما أن تكون أو لا تكون.  لا يجوز أن تكون ناقصة، ولا أن تجزأ.

ولكن، بعد لحظات، أجدني أحيانا أطلبها مطلقة، دون حدود. وهذا طبيعي، لأنني بشر؛ ثم أستفيق من شرودي، وأذكر نفسي: من لا يمتلك جناحين للطيران… سيلقى حتفه حتما.

وأحيانا أحمل ذاتي عبئا لا يحتمل، فأضيق على نفسي الحال، وأحجم الحرية ضمن قالب ضيق، لكن، بعد برهة من التفكر، أدرك أن النفس تحتاج لأن تتنفس، أن تعيش… أن تكون.

أصدقائي، أعزائي… أعترف أنني ضعت، وضيعت بوصلتكم أيضا، لكن… اعذروني، ربما أنتم أكثر من قد يفهمني، وأقرب من يدرك معنى هذا الضياع. ضعت… نعم، لكنني أكتب، وأفكر، وأشرد، وهذا ما ينجيني.

أعزائي، لا أحب أن أتكلم عن الأشياء بمثالية، فالمثالية الزائدة تشبه الكذبة المزينة القاتلة، نصدقها أحيانا، لكنها تقتل الحقيقة في داخلنا. أشعر دوما أن من يتحدث عن كل شيء وكأنه كامل ومثالي، يبتعد عن الواقع الذي نعيشه، ويظلم ذاته وواقعه.

لذلك، لا أريد أن أقول إن الحرية المقيدة فقط، المحكومة بالقوانين والأنظمة، هي الأنموذج الذي يجب أن نتبعه كي لا يلومنا الناس أو يحكموا علينا. وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أمجد الحرية المطلقة حد الإفلات من كل شيء.

أنا لا أحتكم للمثالية، وأكره النظريات الجاهزة. أكره أن أستمع إلى شخص يلقي علينا ما حفظه من نظريات معلبة لا تشبه الواقع، ولا تراعي اختلافاتنا وتناقضاتنا كأشخاص نحاول أن نفهم ذواتنا وندرك أعماقنا.

فالنفس لا تحتاج إلى قوانين جامدة تقصيها، ولا إلى انفلات من كل شيء يضيعها. النفس بحاجة إلى مرونة تحتويها، وتوازن ينصفها. فالنسبية موجودة في كل شيء، والتوازن هو الحكم العادل في كل شيء.

دعونا نفكر سويا في عمق الحرية. تخيلوا معي أستاذا يترك تلاميذ صفه أثناء شرحه للدرس بحريتهم: فهذا يحدث صديقه، وذاك يرسم على اللوح، وتلك تنظر من النافذة، وآخر يجلس في المقعد الخلفي شاردا، والأستاذ يشرح درسه، والفوضى من حوله في كل مكان. هل برأيكم سيصل هو وتلاميذه إلى أي جدوى؟ طبعا لا، فالحرية التي أعطيت بعشوائية هنا أحدثت فوضى ضيعت كل شيء.

ومن مقلب آخر، تخيلوا معي العكس: صف مضبوط من كل الجوانب، غير مسموح فيه حتى بابتسامة، أو همسة خفيفة في أذن صديق. الأستاذ مقيد ذاته، محكم نفسه، يشرح الدرس فقط، والتلاميذ يتحركون تبعا لأوامر مرسومة، لا مجال فيه لمبادرة أو تعبير.

هل سيحب الطلاب هذا الصف؟  بالطبع لا، يا أصدقائي. ففي الحالة الأولى، الحرية المطلقة قتلت روح الصف، وجرته نحو الانفلات. وفي الثانية، الحرية المقيدة حد الاختناق، قتلت الشغف وأعدمته.  

من هنا، أعزائي، يمكننا أن نستنتج سويا أمرا في غاية الأهمية، وهو مفهوم الحرية. فلم تفسر في الأولى على أنها فوضى، ولم تأخذ في الثانية معناها الحقيقي ضمن الانضباط المتوازن.  

هذا هو الضياع الذي بدأت بالتفكير فيه منذ البداية؛ فاستنتجت أن للحرية كفة ميزان: كفة إن رجحت نحو التفلّت، مالت، وإن رجحت نحو التقييد، مالت أيضا. لكنها لا تستقيم ولا تثمر إلا إذا وزنت ومورست بالعقل.

وهذا يعيدنا إلى قول أبي العلاء المعري: "أيها الغر، إن خصصت بعقل فاتبعه، فكل عقل نبي". الإنسان يا أصدقائي ابن الطبيعة، يجد ضالته فيها، وتشرح له دروسا تعلمه مفاهيم يعجز أحيانا عن إدراكها بنفسه.

إنني أجد في الطبيعة خير معلم، ففي مداورة فصولها نتعلم الانتظام، وفي جريان نهرها نتعلم أن الفوضى لا مكان لها؛ فالنهر يجري بحرية ضمن مجراه، ولا يخرج عنه إلا إن فاض، فيؤذي ويضيع.

والطيور فيها تحلق بانسجام، وتهاجر وفق فصول محددة، لا عبثا، بل وفق وجهة يرسمها جناحاها. وحين نضع عصفورا في قفص، ندرك أننا وإن أبقيناه حيا؛ فقد قصصنا جناحيه… سلبنا حريته… خرقنا نظامه.

اعذروني يا أصدقائي، واعذروا ضياعي، لقد تكلمت عن حرية العصفور، وأنا أنظر إلى العصفور الذي أحتجز حريته في قفص ليته كان قفصا من ذهب، لكنت خففت عن نفسي عبء احتجازه… ولو قليلا. تحدثت عن حرية عصفور طليق في السحاب، وأنا أقيد عصفورا بين قضبان ضيقة. لكن الاعتراف بالخطأ، كما يقولون، فضيلة. أدرك الآن، في هذه اللحظة، كم قسوت عليه، وكم ظلمته، كم من مرة نظرت إليه ولم أفهم صوته، لم يكن يغني… بل يتألم.  

كان يقول في كل نغمة:  

"أنا لم أخلق إلا لأحلق،  

لم أخلق لتحبني وتحبسني خلف القضبان.  

ففي الحرية… كل الحب".

أصدقائي، لقد تعلمت من عصفوري درسا وأنا أكتب الآن عن الحرية المتوازنة والواعية، تعلمت أن الحرية ليست مجرد إفلات وإطلاق سراح، لمجرد أنني نقضت ذاتي في كتابتي، بل وعي عميق بالحق في الطيران،  

وعي عميق بأن الحرية سلوك يمارس تحت الإيمان بالفكرة.

لقد أدركت الآن أن الضياع الذي شعرت به وأنا أكتب عن الحرية، بين الانفلات المطلق والقيد المشدد، هو لحظة إنقاذ دائما تضعني على السكة الصحيحة. فـالضياع كان ولا يزال بوصلتي التي تنير دربي.

أدركت أن الضياع لم يكن سوى بوصلتي التي تهديني في طريق الفهم والتفكر، وهو الضياع نفسه الذي قادني نحو فهم أعمق لمعنى الحرية الواعية والمتوازنة. أدركت أن الضياع لم يكن عبثيا، إنما طريقا سريًّا أوصلني إلى ضالتي.

رسالة إلى الشمس

رسالة إلى الشمس

آسيا عباس (باحثة وكاتبة من لبنان)

- أنتَ، يا أنتَ، مهلًا، توقّف قليلًا، ألا تسمعني!؟

هكذا، أناديه ولا يجيب..

أيّها العمر الذي يمرّ سريعًا كغفوة استفقت منها الآن، لماذا تركض؟! ومن أجل من؟!

طفلةً كنت في الأمس، أيّها الأمس السعيد، من أحزنك!؟

طفولتي صارت في مهبّ الرّيح، ولو كان عندي أمنية، لتمنّيت أن تعود..

في الحقل ما زالت آثار خطواتي، على أقدامي يعلّق الشوك والزهر، أبحث عن سعادة ربّما ضيّعها العمر منّي، أركض، أدور، أسابق الرّيح وابتسامتي حول فراشة بيضاء تتنقّل بين زهور الأقحوان، ومثلها، أنا مثلها، أحلم أن أطير.

كنت صغيرة جدًّا، وككلّ التّلاميذ ربّما، كرهت المدرسة حتى حلمت بالهرب منها دائمًا، لكنّ شيئًا منها، كان يشدّني إليها كلّما دارت في بالي أفكار شيطانيّة تدعوني للهروب، أسأل نفسي اليوم: ما هو؟ وأعرف في سرّي، أن مادّة اللّغة العربيّة، وحدها كانت تسحبني من نومي، وتجرّني لأجلس أمامها مثل سجين، لكنه سعيد، سعيد جدا.

حسنًا، أنا الآن أجلس أمام نافذتي، أشرد كمن يرى آخر اللّيل، وأفكّر: لمَ كنت أفضّل معلمات وأساتذة اللغة العربية على الجميع منذ طفولتي وحتّى الصّبا؟ لمَ كنت أحفظ القصائد التي نأخذها من غير قصد منّي، ومن دون أن أقرّر هذا؟ كنت أردّدها دائمًا، أمشي في غرف البيت، في دارنا، في الطريق، تحت شجرة حفظتني كاسمي، وكلّما فعلت، أشعر أنّني أطير! حقًّا كنت أطير، وما زلت..

اليوم، وبعدما كبرت، أعرف جيّدًا أنني لم أكن أبحث فيها سوى عن حرّيّتي..

ما زلت أذكر جيّدًا ذلك اليوم، كنّا نأخذ درسًا في التّعبير، سألت المعلّمة كلّ أحدٍ منّا عن حلمنا البعيد، لم أنسَ أبدًا ما قلته حينها، المشهد بقي ماثلًا أمامي إلى الآن رغم السنين التي مرت عليه، حتى الغبار الذي غطّاه كاملًا لم يمنع كونه ظلَّ باقيًا في ذاكرتي كنقشٍ على حجر.. كنت الوحيدة في الصّف التي كانت أحلامها أكبر منها، أصدقائي، كان أقصى حلم عندهم، أن يصبحوا دكاترة في الطبّ وما شابه. حين وصل الدّور إليّ، أجبت المعلمة عن حلمي، قمت من مكاني بحماسة لم أعهدها من قبل، كان نيسان يطلّ علينا بخجل، الشّمس فوق الأسقف كقبّعة، مشيت صوب النّافذة بخطًى سريعة كأحد يخاف أن يضيّع حلمه، نظرت إليها، وقلت: "عليّ أن أصل إليكِ، لا بدّ أن أصل..".

وهكذا، كنت كلّما أريد أن أحلم، أركض، وأنظر صوب الشّمس..

ضحكَت المعلمة، ولا أعرف لماذا، لكنّني حزنت وقتها، ربّما لأنها جعلتني أشعر كم يبدو هذا الحلم ساذجًا.. المهم، أجابتني بسخرية: "لا تنسَيْ أن تطيري.."، تقوّس فمي حتى خلته سيسقط أرضًا، منعت دمعتي من السقوط، وكانت المرة الأولى التي أكره فيها معلّمة اللّغة العربية في حياتي. كان فيّ شيء يدعوني لأكمل حديثي، فتابعت رغم شعوري الحزين لحظتها، نظرت إليها نظرة تحدٍّ، وقلت بإصرار وبكلمات عنيدة: "أحلم أن أصبح كاتبة في المستقبل، وحينها، سأفعل كل ما أريده.. أعدك..".

اليوم، أنا "آسيا عباس"، لا أعرف كيف أصنّف نفسي، أصدقائي يعتبرونني كاتبة جيّدة ربّما، أمّي تراني نجمة، وتنتظر كلماتي بكلّ حب، أبي يراني مستقبلًا يمشي على قدميه، ويفخر بي، يشير إليّ أمام النّاس كمعجزة، ولا أعرف لماذا، وأنا الآن لو سألني أحدهم ما حلمي، لأجبت: "لا أريد أجنحة، يكفيني ظلّ شجرة، أراقب العابرين بعين ثاقبة، لأكتب قصيدة تخص الجميع، ومعي فيروز، تجلس بقربي، وتغني لي:

أعطني الناي وغنِّ

فالغنا سرّ الوجود

ومثلها أغني وأنا أنظر صوب الشّمس التي تسمعني جيدًا، وتراني من بعيد، ثم تكمل فيروز بصوتها الحنون:

هل فرشت العشب ليلًا

وتلحّفت الفضا

زاهدًا فيما سيأتي

ناسيًا ما قد مضى..

الله! ما أجمل أن تكون حرًّا وطليقًا من كلّ شيء!!

أغلقت نافذتي، كسرت شرودي الطّويل، ومشيت صوب الطّريق..

من هنا، من تحت شجرة ما ملّت منّي، تجلس على الرّصيف منذ أعوام، أنظر في هذا الوجود، أكتب رسالة إلى الشمس، وأعرف أنها ستقرأ دائمًا ما سأكتب، وستفخر بي، أعرف ذلك جيّدًا..

"الأحد، ٩ نوفمبر 2025

عزيزتي الشّمس

أنا ابنتك التي تعرفينها جيدًا، عمري 22 سنة، كلّما نظرت إليكِ، حذّرني العالم منكِ، ولكن لا أبالي. بالأمس البعيد سخرت معلّمتي من حلمي، عليك أن تخبريها أنّني حقّقت أمنيتي، وأنني مهما اقتربت منك لن تحرقيني، أخبريها أنّي وصلت إليك بلا أجنحة، هكذا، تسربت إليكِ من كلماتي، أو عبر قصيدة وأغنية، قولي لها أيّ شيء، عليكِ أن تفعلي..

غدًا، عليكِ أن تأخذي رسالتي وترميها على مكتبها، وأخبريها أنّ كلّ الكتّاب، والشّعراء، والحالمين، يسافرون وهُم هنا، جالسون في أماكنهم. وأنّني كلّ يوم أسلّم عليكِ، وأهمس في أذنك: أنّ الذي يجب أن يحيا، عليه أن يكون حرًّا، ويصل إليكِ..

بالمناسبة، تذكرت اقتباسًا لـ "هانز أندرسن" يقول فيه: "لأن تكون حيًا فقط، هذا لا يكفي. يجب أن تملك ضوء شمس، وحريّة، وزهرةً صغيرة".

وداعًا أيّتها الشّمس المضيئة.. وداعًا..

مذكرات بائع الحرية

مذكّرات بائع الحرية

غنى نجيب الشفشق (كاتبة من لبنان)

قبيحُ المنظر أعرف!

عيناي غائرتانِ ووجهي شاحبٌ، لحيتي طويلة قليلاً لكنَّها بيضاء توحي بأنَّ الموت رفيقي. طويلٌ ولكنَّني "أهبل"، هكذا كانوا يصفونني. ولكنّ عينيّ الغائرتينِ تقرآن عمر المرأةِ من قدميها، وتحسبان ديون الرّجل من عددِ خطواته، وتعرفان عدد أحلام الطِّفلة من عدد قفزاتها... فأنا قبل كل ذلك قارئ وبائع كتب!!

من يشتري كتابًا برُبعِ دينار من قبيح؟

كل يوم أفترش الرّصيف بكتبي ذات الأغلفةِ القديمة، بأوراقها الصفراء ورائحتها المعتَّقة. لم تكن تحمل لونًا واحدًا، بل كان لديَّ تشكيلةٌ واسعةٌ من الكتب.. كتب في فنِّ الكذب، طرق الإغواء، كيف تحكمي الرِّجال في أربع ساعات، من علَّم النِّساء الكذب؟... وأُخرى في اكتشافِ جغرافيا العالم، "إيفل" ينتقل سيرًا على الأقدام إلى روما، المحيط الأطلسي مات حزنًا على كريستوف كولومبس... وكانت جميعها عناوين مثيرة إلَّا أنَّ أحدًا لم يكن ليشتري!!

تبًّا للقبحِ كيف يقطع الأرزاق! لو بقيت تجارتي مُفلسفة فلسوف أموت جوعًا في أقل من أسبوع.

وكان عليَّ أن أضع خطَّة!... فأنا مثقَّفٌ وأجيدُ التَّفكير، لا شيء يقيِّدُ عقلي. في كلِّ مرةٍ أتأمَّل المارَّة أرى طرف خيطٍ وهميّ يلتفُّ حول أعناقهم، ألسنتهم أو عند أقدامهم، وطرفًا آخر موصولًا في هواتفهم، ألعابهم أو محفظات نقودهم... لا داعي لأن ترهقَ نفسكَ في التَّفكير فهذا الخيط لا يراه إلا المثقَّفون أصحاب الوجه القبيح.

ومرَّت الأيام والخيط يزداد سِمكًا وكتبي لمّا تزل على حالها. فلمعت في خاطري فكرة: لماذا أيَّها القبيح لا تكتب لافتة لأبناءِ هذا العصر؟ لعلَّهم يشترون كتبًا... يشترون حريَّة التَّفكير في هذا الكون الملتفّ حول نفسهِ.

تناولت قلمًا وقطعة كرتون وبخطٍّ أنيقٍ رغم هيئتي المقزِّزة كتبت: "مَـن يُـرشـد سـمكـة تـائـهـةً فـي نـهـر المسيسيبي؟". فقط النِّساء الجميلات لفتتهنّ العبارة وتجمّعن قربي بِعصَوات السِّلفي وأغراضهنَّ التّجميلية، وكأنَّني كتبتُ إعلانًا عن موضى حديثة!

أذكر أنّ واحدة منهنّ قالت: "وحدهم الغرقى يشعرون بخوف السَّمكة". وأخرى ردّت: لا خوف في محاربة التَّيار طالما قلبك يفيض بالإيمان. وثالثةٌ قالت: "من أراد الإبحار فليأخذ قاربًا وطوق نجاة". ثمّ التفتن نحوي يسألنَني عن معنى العبارة، وبعد لحظة صمتٍ سألتهم: من يشتري الحريّة من سوقِ العبيدِ؟ ومن يكسر عصا المِظلَّة عندما تمطر السّماء حريّة؟

لأنّ النّهر رغم اتساعِه يبقى ضيِّقًا، اختارت السّيدة سمكة أن تثور عليهِ وتفرّ هربًا نحو المحيط بلا قيدٍ أو دليل. الكل فهم معنى الحديث لكنّ واحدةً منهنّ لم تجرؤ على نطقِ المغزى رغم أنّ الحبل معقودٌ من ألسنتهن.

الكاتب ابن الطبيعة.. حرّ ابن حرة!

جنى جهاد الحنفي (كاتبة وإعلامية فلسطينية في لبنان)

ترقص للعاصفة أحيانًا، وقد تقرر أن تنهار. تقدّم عطر شبابها دفعة واحدة، أو تشيخ قبل أن تتفتح. هي وردة لا تملك إلا رقتها، وبرقّتها هذه تجعلنا نحب الانتظار. حرّة، تسخى أحيانًا أو تؤجّل، لكننا ننتظرها، لأننا نعرف كيف يُبدع الحرّ حين يطلق لنفسه العنان.

مجدّدًا، لا تملك إلا رقّتها. فكيف بمن يملك العقل الذي يخطّط لألف وردة، والروح التي تستطيع أن تُلين ألف عاصفة لتعانق الألف وردة، والجسد القادر على زراعة الأرض؟

وكيف إذا كانت الحرية وقود الكنوز الثلاثة؟ هل هي محرّكهم فعلًا أم نتيجتهم؟ هي الاثنان ربما، لكن الأكيد أنّ الحرية هي نَفَس الإنسان، هي الحياة التي تدبّ فيه ليقوى حقًا على الحياة.

الحرية عقلٌ وقلب. هي الشعور بأن الكون يفتح لك ذراعيه، وأنك تبادله ذات العناق دون أن تصدّه. هي الوعي بأنك تستحقه، وأن استغلاله ذكاءٌ ونعمة. هي شهيقٌ رحيم؛ فحتى وإن كانت الهموم تقبع على صدرك، تختار أن تضحك مع أغنية لفيروز. ليست إيجابيةً تدّعي المثالية، بل اختيارٌ للحظة سعادة. ولا يختار إلا الحُرّ. هي أن يقول سبعة مليارات: "يمينًا"، فتقول أنت: "يسارًا".

الحرية عقل وقلب، هي الشعور بأن الكون يفتح لك ذراعيه، وأنك تبادله ذات العناق دون أن تصدّه. هي الوعي بأنك تستحقه، وأن استغلاله ذكاء ونعمة. هي شهيق رحيم، فحتى وإن كانت الهموم تقبع على صدرك، تختار أن تضحك على أنغام فيروز. ليست إيجابيةً تدّعي المثالية، بل اختيارٌ للحظة سعادة. ليست عنادًا، بل لأن الحرية ثقةٌ بأنّه لا يوجد احتمال واحد، ولا حقيقة واحدة.

الحرية أن تتقبّل السبعة مليارات، حتى وإن كنت على اليسار وحدك. ومن حكمته سبحانه وتعالى أنه خلق الكون رحبًا، ففتح الفضاء بسبع سماوات وما وراءها، وجعل الأرض بسبعة أعماق، ليقول لنا إن قلوبنا تشبه هذا الكون: متسعة دومًا لألف احتمال. دعوة لنفكر أبعد من القلب، لتكون العقول حفّارة لا تملّ من التنقيب.

الطبيعة ملهمة، والطبيعة نحن. منها تعلمنا قيمة الحرية، وتذوقنا جمالها حين تسرح عيوننا وقلوبنا في تمايل الشجر وأغاني الموج، فنعود أنقى وأرقى. وتعلمنا الذكاء أيضًا من انسجامها مع كل متغيّر حولها؛ فلا يتساقط الورق في الخريف صدفة، ولا ينحني الورد ضعفاً، بل انسجاماً مع بيئته ليعود أقوى.

الحرية لا تعني الانفصال عن الواقع أو التبرّؤ منه، بل فهم احتياجاته والتأقلم معه، حتى نوظّف أجمل ما فينا لخدمته وإصلاحه. ولو تجسدت الحرية، لكانت فصول السّنة؛ تقبل التأويلات والتعريفات والتبدلات المتعددة. فهي أيضًا تمرّدٌ على الواقع حين يخنق صاحبه بالأغلال.

أجمل الزهرات، تلك التي تنمو بين الثلوج، أو على جدارٍ أسمنتيٍّ قاسٍ. الحرية تعلّمك كيف تُطوّع المستحيل. وما يسرّ القيود فعليا هو ما يصنع الكاتب؛ فعندما يضيق المجتمع بأجنحة أحدهم، يتحوّل إلى كاتب.

الكاتب، قبل كل شيء، هو من يعرف معنى الحرية: أن يلعن الحبّ حرية، وأن يحبّ وطنه أكثر من نفسه حرية، وأن يقول ما لا يجرؤ الجميع على قوله حرية، وأن ينطق بلسان مجتمعٍ يخاف الحقيقة، تلك أيضًا حرية. فالحرية روح الشجاعة، والشجاعة روح الحرية.

الكاتب وجد في الطبيعة مُلهِمًا لأنه وجد فيها الحرية. تمرّد كبحرها، وترنّح بشعوره كزهورها. الكاتب ابن الطبيعة.. ابن الثرى، وابن الثراء الداخلي الذي لا يُرى، حرّ ابن حرة!

ولعلنا أبناءٌ عاقّون، نقصّ أجنحتنا من حيث لا ندري، ثم نعود فنحاول الطيران من جديد. خلقنا الله سبحانه وتعالى كواكبَ مصغّرة، لكننا نصرّ على التعامل مع اتساعنا كأنه قمقم.

نخنق كل فرصةٍ للإبداع حين نعتمد على البدائل التي نظنها أذكى، ونقارن بين عقلٍ أبدعه الله، وعقلٍ برمجته الآلات؛ مقارنةٌ ظالمة منذ بدايتها. ومع ذلك، نختار الأقل تفاؤلاً.. أو ربما الأقل وعيا. فالذكاء الاصطناعي اليوم يبدو كديكورٍ للحرية، لكنه في جوهره لا ينطق بما تختاره حريتنا، بل بما يختاره مبرمجوه.

ولعلّ من أغرب الظواهر التي تغزو عالمنا الأدبي اليوم أن شاعرًا أو كاتبًا يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليكتب عنه. لعلّه لا يدري أن الكتابة تحليقٌ من نبضةٍ إلى نبضة، ومن ضحكةٍ إلى دمعة. فكيف يستبدل كاتبٌ سماءه بطبقٍ ضيّق؟ ربما لأننا نحب فكرة إصدار الأوامر، لكننا ننسى أن الحرّ لا يعترف بالخَدَم، لأنه يؤمن أن الحرية هي الكرامة ذاتها.

في زمنٍ نخلع فيه هويتنا، ونجري وراء قشور الحرية، ينبغي أن ندرك أن الحرية لا تعني ارتداء ما لا يشبهنا، بل انتقاء ما يرتقي بنا. ليس كل ما يلمع في الغرب ذهبًا؛ فالصدق أيضا يلمع.

الحرية لا تعني أن نتخلى عن فرصة أن نلمع، بل أن نقيّمها ونمتلك ميزاننا الخاص، لنتقن لاحقًا صناعة الذهب الحقيقي.. وتصديره.