الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

عودة أفران الزجاج للاشتعال.. الجزائر تستعيد إحدى صناعاتها الاستراتيجية

Author
صبرينة عيلان 08 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعود الصناعة الزجاجية الجزائرية إلى الواجهة من بوابة الاستثمار والإحياء الصناعي، بعد سنوات من الركود والتراجع، فداخل مركب “NOVER” التابع لمجمع “ENAVA”، عاد وهج أفران الصهر للاشتعال من جديد، معلنا انطلاق مرحلة جديدة في مسار إعادة بعث الصناعات التحويلية الوطنية، ضمن مخطط استراتيجي تقوده الشركة القابضة الجزائرية للتخصصات الكيمياوية (ACS) لسنة 2026.

هذا المشروع، الذي تجاوزت كلفته مليار دينار جزائري، لا يمثل مجرد إعادة تشغيل وحدة إنتاجية متوقفة، بل يعكس توجها اقتصاديا أوسع تسعى من خلاله الجزائر إلى استعادة قدراتها الصناعية وتعزيز الإنتاج المحلي، عبر الاعتماد على الكفاءات الوطنية وتحديث وسائل الإنتاج وفق المعايير الصناعية الحديثة.

فمع دخول فرن الصهر الجديد حيز الخدمة، شرعت المؤسسة في تلبية أولى الطلبيات الموجهة للسوق الوطنية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 45 طنا يوميا، ما يسمح بتغطية أكثر من ثلث احتياجات السوق من الأدوات الزجاجية.

المشروع يعكس تحولا في فلسفة الدولة الاقتصادية

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المشروع يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الجانب الصناعي المباشر، ليمثل مؤشرا على عودة الدولة إلى الاستثمار الإنتاجي طويل المدى.

وأوضح تيغرسي أن إعادة بعث نشاط إنتاج الزجاج المضغوط يجب ألا تُقرأ باعتبارها عملية تقنية مرتبطة بإصلاح فرن صهر أو استئناف نشاط صناعي فقط، بل باعتبارها تحولا في المقاربة الاقتصادية للدولة الجزائرية، التي بدأت تدرك أن تحقيق الأمن الاقتصادي لا يمكن أن يتم دون قاعدة صناعية قوية قادرة على تغطية الحاجيات الأساسية للسوق المحلية.

وأشار إلى أن الجزائر عاشت، خلال سنوات طويلة، تحت تأثير نموذج اقتصادي قائم على الاستيراد والاستهلاك، وهو ما أضعف النسيج الصناعي الوطني وجعل السوق المحلية مرتبطة بشكل كبير بالمنتجات الأجنبية. غير أن التحولات الاقتصادية العالمية، والأزمات المرتبطة بسلاسل التموين، وتقلبات الأسعار الدولية، دفعت السلطات العمومية إلى إعادة النظر في هذه المقاربة والعودة إلى منطق الاستثمار الصناعي المنتج.

ويكتسي المشروع أبعادا اقتصادية وتنموية متعددة، تمتد من تقليص فاتورة الاستيراد ورفع نسبة الإدماج المحلي، إلى خلق مناصب شغل جديدة وتحفيز الصناعات المرتبطة بالتعليب الغذائي والطباعة الصناعية.

كما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول قدرة الصناعة الجزائرية على استعادة مكانتها في الصناعات التحويلية، والتحوّل من منطق الاستهلاك والاستيراد إلى منطق الإنتاج والقيمة المضافة والتنافسية.

عودة أفران الزجاج إلى الاشتعال في الجزائر

ومع عودة فرن الصهر إلى الخدمة، بعد عملية تجديد وتأهيل شاملة، بدأت أولى الطلبيات تتجه إلى السوق الوطنية، ضمن مخطط استراتيجي تقوده الشركة القابضة الجزائرية للتخصصات الكيمياوية “ACS” لسنة 2026.

ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره أكثر من مجرد إعادة تشغيل وحدة صناعية متوقفة، بل كجزء من رؤية اقتصادية أوسع تسعى الجزائر من خلالها إلى استعادة قدراتها الإنتاجية، وبناء اقتصاد يقوم على التصنيع والتحويل المحلي بدل الاعتماد المفرط على الاستيراد.

وأشار الخبير تيغرسي إلى أن مشروع “NOVER” يمثل نموذجا عمليا لهذا التحوّل، لأنه يندرج ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى إعادة تشغيل المؤسسات الصناعية العمومية وتثمين الأصول الإنتاجية المعطلة بدل تركها خارج الدورة الاقتصادية.

وأكد تيغرسي أن صناعة الزجاج تُعد من الصناعات التحويلية ذات الطابع الاستراتيجي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بقطاعات اقتصادية واستهلاكية متعددة، مثل الصناعات الغذائية، التعليب، الصناعات الدوائية، الفندقة، المطاعم، والتجهيزات المنزلية.

ويرى أن استعادة الإنتاج المحلي في هذا المجال لا تعني فقط توفير الأكواب والكؤوس والأطباق، وإنما تعني بناء منظومة صناعية مترابطة قادرة على تحريك عدة قطاعات اقتصادية في الوقت نفسه. فكل نشاط صناعي مرتبط بالزجاج يخلق بدوره طلبا على النقل، التغليف، التوزيع، التخزين، والخدمات الصناعية المختلفة، ما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية الداخلية.

وأضاف أن الجزائر تمتلك سوقا استهلاكية واسعة للمنتجات الزجاجية، وهو ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع خيارا اقتصاديا منطقيا، خاصة مع ارتفاع الطلب المحلي على أدوات المائدة وأوعية التعليب الزجاجية والمنتجات المرتبطة بالاستهلاك اليومي.

استثمار بأكثر من مليار دينار لإعادة تثمين الأصول الصناعية

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن تخصيص أكثر من مليار دينار جزائري لإعادة تأهيل مركب “NOVER” يعكس وجود إرادة حقيقية لإعادة بعث الصناعة الوطنية. كما أن تمويل المشروع من الموارد الخاصة للشركة، مع مرافقة مالية وبشرية من مجمع “ENAVA”، يؤكد أن المؤسسات العمومية بدأت تتجه تدريجيا نحو الاستثمار المنتج بدل الاكتفاء بالتسيير الإداري التقليدي.

واعتبر تيغرسي أن هذا النوع من المشاريع يحمل رسالة اقتصادية مهمة، مفادها أن الدولة تراهن على إعادة تثمين القدرات الصناعية الموجودة محليا، بدل اللجوء المستمر إلى الاستيراد أو ترك المنشآت الصناعية في حالة جمود.

وأوضح أن إعادة تشغيل مصنع متوقف تظل أقل تكلفة وأكثر نجاعة من بناء قاعدة صناعية جديدة من الصفر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تمتلك خبرة سابقة ويداً عاملة مؤهلة وبنية تحتية جاهزة للاستغلال.

45 طنا يوميا خطوة مهمة لتقليص الواردات

وبشأن الأثر الاقتصادي المباشر للمشروع، أوضح تيغرسي أن الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 45 طنا يوميا يمثل مؤشرا مهما على قدرة المصنع على استعادة مكانته داخل السوق الوطنية، خاصة أن هذه القدرة تسمح بتغطية حوالي 35 بالمائة من احتياجات السوق الجزائرية من المنتجات الزجاجية واسعة الاستهلاك.

وأضاف أن هذه النسبة تحمل دلالات اقتصادية كبيرة، لأن السوق الجزائرية كانت تعتمد خلال السنوات الماضية بشكل واسع على المنتجات المستوردة لتغطية الطلب المحلي، وهو ما تسبب في استنزاف معتبر للعملة الصعبة.

وأكد أن كل طن من الزجاج يتم إنتاجه محليا يعني تقليص فاتورة الاستيراد، ودعم احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف النقل والشحن عالمياً. كما أن الإنتاج المحلي يمنح مرونة أكبر للسوق الوطنية ويقلل من مخاطر الندرة واضطرابات التموين المرتبطة بالأزمات الدولية.

ومن بين أهم النقاط التي توقف عندها تيغرسي، مسألة الإدماج المحلي واعتماد المشروع على الكفاءات الوطنية في مختلف مراحل الإنجاز، من الدراسات التقنية وأشغال التأهيل إلى التشغيل والإنتاج الفعلي، مع الاستعانة بخبرات وطنية ودولية.

ويرى أن هذا المعطى يحمل أهمية استراتيجية، لأن بناء صناعة قوية لا يقوم فقط على شراء المعدات والتجهيزات، بل يرتبط أساسا بامتلاك المعرفة التقنية والتحكم في مختلف حلقات الإنتاج والصيانة والتطوير.

وأشار إلى أن الجزائر خسرت خلال العقود الماضية جزءا مهما من خبرتها الصناعية بسبب توقف العديد من الوحدات الإنتاجية وضعف الاستثمار وهجرة الكفاءات، ولذلك فإن نجاح “NOVER” في استعادة نشاطها بكفاءات وطنية يمثل مكسبا مهما يمكن البناء عليه مستقبلا في مشاريع صناعية أخرى.

وأوضح تيغرسي أن تنوع المنتجات التي سيوفرها المركب يمثل نقطة قوة إضافية للمشروع، حيث يشمل برنامج الإنتاج الأكواب، الكؤوس، الأطباق، السكريات، مناضد السجائر، أوعية التعليب الغذائي، إضافة إلى حلول الطباعة على الزجاج وتطبيقات صناعية أخرى.

وأضاف أن هذا التنوع يسمح للمؤسسة بالوصول إلى قطاعات متعددة وعدم الارتهان لسوق واحدة فقط، كما يفتح المجال أمام شراكات مع الصناعات الغذائية والفندقية والمؤسسات التجارية التي تحتاج إلى منتجات زجاجية محلية ذات جودة.

وأكد أن التوجه نحو منتجات التعليب الغذائي يحمل أهمية خاصة، لأن الجزائر تعمل على تطوير صناعاتها الغذائية والزراعية، ما يفرض توفير حلول تعليب محلية تقلل من الاعتماد على المنتجات المستوردة وتخفض تكاليف الإنتاج.

ورغم أهمية المشروع، شدد تيغرسي على أن نجاحه على المدى الطويل يبقى مرتبطا بعدة تحديات، أبرزها ضمان الجودة، التحكم في التكاليف، تطوير التكنولوجيا الصناعية، وتحسين شبكات التوزيع والتسويق.

وأوضح أن السوق الجزائرية تعرف منافسة قوية من المنتجات المستوردة، خاصة القادمة من الأسواق الآسيوية، وهو ما يفرض على المنتج المحلي تحقيق معايير عالية من الجودة والسعر التنافسي حتى يتمكن من فرض نفسه داخل السوق.

كما أشار إلى ضرورة الاستثمار المستمر في التكوين ونقل التكنولوجيا وتحديث خطوط الإنتاج، لأن الصناعة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على وفرة المواد الأولية، بل على القدرة على الابتكار وتحسين الأداء الصناعي.

وأضاف تيغرسي أن مشروع “NOVER” يمثل نموذجا يمكن تعميمه على مؤسسات صناعية أخرى، خاصة أن الجزائر تمتلك رصيدا مهما من المنشآت الصناعية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وإدماج ضمن الدورة الاقتصادية.

مؤكدا أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد منتج يقوم على التصنيع والتحويل وخلق الثروة محليا، معتبرا أن مثل هذه المشاريع تشكل جزءا أساسيا من معركة بناء السيادة الاقتصادية الوطنية.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية