الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الكبش المحلي أم المستورد؟ قراءة بيطرية في جودة اللحم وصحة الأضحية

Author
بثينة صايفي 18 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع اقتراب عيد الأضحى في الجزائر، يتجدد النقاش داخل الأسر والأسواق حول طبيعة الأضاحي المعروضة، لا سيما الفروقات بين الكباش المستوردة ونظيرتها المحلية من حيث جودة اللحم، ظروف التربية، وطرق التعامل معها قبل الذبح، هذا النقاش الذي أصبح جزءًا من التحضيرات الموسمية للعيد، يعكس وعيا استهلاكيا متزايدا لدى المواطنين، الذين لم يعودوا يركزون على السعر فقط، بل باتوا يولون اهتماما أكبر لجودة اللحوم وسلامتها الصحية، باعتبارها عنصرا أساسيا في ضمان عيد آمن وصحي.

فمع بداية العد التنازلي لهذه المناسبة الدينية، تشهد الأسواق حركة نشطة وطلبا متزايدا على الأضاحي، في ظل تباين الآراء حول أفضل الخيارات المتاحة، فبين من يفضل الخروف المحلي لارتباطه بالبيئة التقليدية وجودة لحمه، ومن يرى في المستورد حلا اقتصاديا أو بديلا متاحا بكثرة، يبقى المستهلك الجزائري أمام مجموعة من المعايير التي أصبحت أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار العفوي.

وفي هذا السياق، ساهمت بعض الآليات التنظيمية الحديثة، وعلى رأسها المنصات الرقمية المخصصة لاقتناء الأضاحي، في إعادة تشكيل طريقة التعامل مع هذه السوق الموسمية، من خلال توفير قدر أكبر من الشفافية وتنظيم عمليات البيع والاقتناء، ما أتاح للمواطن فرصة المقارنة واتخاذ قرار أكثر وعيا بين مختلف السلالات المعروضة.

وتأتي هذه التحولات في سياق عام يتسم بتزايد الاهتمام بالسلامة الغذائية وجودة اللحوم، وهو ما فتح الباب أمام آراء المختصين والأطباء البيطريين لتوضيح الفروقات العلمية والعملية بين أنواع الأضاحي، وظروف نقلها وتربيتها، وتأثير ذلك على جودة اللحم بعد الذبح، في محاولة لتوجيه المستهلك نحو اختيارات أكثر وعيا ومسؤولية خلال هذه المناسبة الدينية المهمة.

 

الفرق بين الكبش المحلي والمستورد

يؤكد الطبيب البيطري، عامر زيان، أن الاختلاف بين الكبش المحلي والمستورد لا يقتصر على الشكل أو الحجم فقط، بل يتعدى ذلك ليشمل مجموعة من المعايير العلمية والبيطرية المرتبطة بطبيعة السلالة، ونظام التربية، وقدرة الحيوان على التأقلم مع البيئة، وصولًا إلى جودة اللحم والحالة الصحية العامة.

عامر زيان طبيب بيطري
عامر زيان طبيب بيطري

فمن حيث السلالة، يوضح المتحدث أن الكبش المحلي ينحدر من سلالات متأقلمة مع البيئة الجزائرية منذ سنوات طويلة، ما يمنحه قدرة أكبر على التكيف مع التغيرات المناخية القاسية مثل الحرارة المرتفعة، الجفاف، ونقص المراعي في بعض المناطق. في المقابل، يخضع الكبش المستورد لسلالات مختلفة تأتي من بيئات مناخية أخرى، ما يجعله أحيانًا أكثر حساسية للتغيرات المفاجئة عند وصوله، خاصة خلال فترة التأقلم الأولى.

أما من ناحية طريقة التربية، فيشير الطبيب إلى أن الكبش المحلي يعتمد في الغالب على الرعي الطبيعي والتغذية التقليدية القائمة على الأعشاب المحلية، وهو ما ينعكس على توازن نموه وتكوّن الدهون في جسمه، بينما يتم تربية جزء من الخرفان المستوردة داخل أنظمة تسمين مكثف تعتمد على الأعلاف المركبة، بهدف تسريع النمو وزيادة الوزن في فترة قصيرة، وهو ما قد يؤثر على طبيعة تكوين اللحم من حيث القوام والدسامة.

وفيما يتعلق بالتأقلم مع البيئة، يوضح زيان أن الكبش المحلي يتميز باستقرار صحي أكبر بحكم اعتياده على نفس الظروف البيئية والمناخية، ما يقلل من تعرضه للضغط والإجهاد. في حين أن الكبش المستورد قد يمر بفترة انتقالية صعبة بعد النقل الطويل، تترافق أحيانا مع إجهاد حراري وتراجع مؤقت في المناعة، ما يجعله أكثر عرضة لبعض الاضطرابات الصحية في الأيام الأولى.

كما يلفت إلى أن جودة اللحم تختلف أيضًا حسب هذه العوامل مجتمعة، حيث يمنح الرعي الطبيعي في البيئة المحلية نكهة أقوى وتوازنا أفضل في الدهون، بينما قد ينتج التسمين المكثف في بعض الحالات لحما أكثر دهنية أو مختلف القوام حسب نوع العلف وطريقة التربية.

ويخلص الطبيب البيطري إلى أن الحالة الصحية العامة للحيوان تبقى العامل الحاسم في جودة اللحم، سواء كان محليا أو مستوردا، إذ إن النظافة، التغذية المتوازنة، والمتابعة البيطرية الدقيقة هي التي تحدد في النهاية جودة الأضحية وسلامتها للاستهلاك.

 

قدرة الكبش المحلي على التأقلم والمناعة

يوضح المتحدث أن الكبش المحلي الجزائري، وخاصة سلالات معروفة مثل أولاد جلال، يتميز بقدرة لافتة على التأقلم مع الظروف المناخية القاسية التي تطبع البيئة الجزائرية، سواء تعلق الأمر بارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف أو فترات الجفاف ونقص المراعي في بعض المناطق، هذا التأقلم لم يأتِ بشكل عشوائي، بل هو نتيجة تراكمات وراثية وبيئية امتدت عبر سنوات طويلة من التربية داخل نفس النطاق الجغرافي، ما سمح بتكوين سلالات أكثر صلابة وقدرة على التعايش مع هذه الظروف دون تراجع كبير في الأداء الصحي أو الإنتاجي.

ويشير الطبيب البيطري إلى أن هذا التكيف البيئي ينعكس بشكل مباشر على جهاز المناعة لدى الكبش المحلي، حيث يكون عادة أكثر استقرارا وقدرة على مقاومة بعض الأمراض الطفيلية والتنفسية المنتشرة محليا، مقارنة بحيوانات لم تنشأ في نفس البيئة، كما أن تعرضه التدريجي والطبيعي لهذه الظروف عبر الأجيال ساهم في بناء نوع من “المناعة المكتسبة” على مستوى القطيع، ما يجعله أقل عرضة للاضطرابات الحادة عند تغيرات الطقس أو نقص الموارد الغذائية.

إضافة إلى ذلك، فإن نمط التربية التقليدي المعتمد على الرعي والتنقل بين المراعي يمنح الكبش المحلي نوعا من النشاط البدني المستمر، وهو ما يساهم بدوره في تعزيز اللياقة الصحية وتقوية المناعة الطبيعية، هذا التوازن بين العوامل الوراثية ونمط العيش يجعل الكبش المحلي، حسب المتحدث، أكثر استقرارا من الناحية الصحية في بيئته الأصلية، وأكثر قدرة على الاستمرار دون تدخلات بيطرية مكثفة مقارنة ببعض السلالات المستوردة التي تحتاج إلى فترة تأقلم ورعاية خاصة عند دخولها إلى البيئة المحلية.

 

خصائص الكبش المستورد وحجمه

أما بخصوص الكبش المستورد، فيشير الطبيب إلى أنه قد يكون في بعض الحالات أسرع نموا أو أكبر حجما حسب السلالة وبلد المنشأ، غير أن هذا لا ينطبق على جميع الخرفان المستوردة، إذ توجد منها أحجام صغيرة ومتوسطة تختلف حسب العمر وطريقة التسمين وظروف الاستيراد، ما ينفي فكرة أن المستورد دائما أكبر حجما.

ويرى الطبيب البيطري أن الفارق الحقيقي في جودة اللحم يعود أساسا إلى نمط التغذية والتربية، فالكبش المحلي يعتمد غالبا على الرعي الطبيعي والأعشاب المحلية، ما يمنح اللحم نكهة أقوى وتوازنا في نسبة الدهون، في المقابل، تعتمد بعض الخرفان المستوردة على التسمين المكثف بالأعلاف المركبة، وهو ما قد يغير من طبيعة اللحم ونكهته.

 

التأثير الصحي للنقل والتغذية على الكبش المستورد

ويضيف زيان أن الكبش المستورد قد يتعرض، خلال مراحل النقل الطويلة، خاصة عبر الشاحنات أو الرحلات البحرية والجوية، إلى مجموعة من الضغوط الجسدية والنفسية التي تؤثر مباشرة على حالته الصحية، ويأتي في مقدمة هذه العوامل الإجهاد الحراري، والاكتظاظ داخل وسائل النقل، وقلة التهوية، إضافة إلى نقص التغذية والماء خلال الرحلة، وهي ظروف مجتمعة تؤدي غالبا إلى تراجع مؤقت في المناعة الطبيعية للحيوان عند وصوله إلى وجهته.

ويشرح المتحدث أن هذا الضعف المناعي يجعل الكبش المستورد أكثر حساسية في الأيام الأولى بعد الاستقرار، حيث يكون غير متأقلم بعد مع المناخ الجديد وطبيعة البيئة المحلية. كما أن التغيير المفاجئ في نمط التغذية يُعد من أبرز العوامل التي تزيد من احتمالية ظهور مشاكل صحية، خصوصا عندما يتم الانتقال من أعلاف بلد المنشأ إلى أعلاف مختلفة في التركيبة والنوعية داخل السوق المحلية.

ومن بين أبرز الاضطرابات التي قد تظهر في هذه المرحلة، يذكر الطبيب البيطري التسممات المعوية الناتجة عن الإفراط في تناول الحبوب أو الأعلاف المركزة بشكل مفاجئ، إضافة إلى اضطرابات الجهاز الهضمي مثل الانتفاخات، الإسهالات، وتراجع الشهية. هذه الحالات، وإن كانت في كثير من الأحيان مؤقتة، إلا أنها قد تؤثر على الحالة العامة للحيوان إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح وسريع.

ولهذا السبب، يشدد زيان على أهمية اعتماد انتقال تدريجي في النظام الغذائي عند وصول الكبش المستورد، مع ضرورة توفير ظروف راحة مناسبة تشمل التهوية الجيدة، الماء النظيف، وتقليل التوتر قدر الإمكان، كما يؤكد أن مرحلة ما بعد النقل تعتبر فترة حساسة تتطلب متابعة بيطرية دقيقة، بهدف تفادي أي مضاعفات قد تنعكس سلبا على صحة الحيوان وجودة لحمه لاحقا.

 

الإجراءات الوقائية بعد اقتناء الأضحية

ينصح الطبيب البيطري بضرورة إدخال العلف بشكل تدريجي وعدم تغيير النظام الغذائي فجأة، مع توفير الماء النظيف والراحة والتهوية الجيدة، كما يؤكد على أهمية إجراء فحص بيطري أولي لكل أضحية، والتأكد من برنامج التلقيح، خاصة ضد أمراض التسممات المعوية مثل “الإنتروتوكسيميا”، التي تُعد من أخطر الأمراض السريعة عند الأغنام.

ويختم عامر زيان بالتأكيد على أن جودة التربية، النظافة، التغذية المتوازنة، والمتابعة البيطرية تبقى العامل الحاسم في تحديد صحة الكبش وجودة لحمه، سواء كان محليا أو مستوردا.