الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

عين الإنسان وعين الفيلسوف!

Author
محمد نبيل كبها 06 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أحد أدوات المنهج المعرفي هو المنهج العقلي “Rationalism”، وكان من أعلامه الفيلسوف الهولندي (باروخ سبينوزا) والفيلسوف الألماني (غوتفريد فيلهيلم لايبنتز) و”الدّيكارتيون” الذين أعادوا للعقل مكانته، فأحيوا عصر المنطق، ورسّخوا اسمه في التاريخ.

المنهج العقلاني له معانٍ في الدين، وأهمها هو تحكيم العقل في مسألة الوحي، بمعنى إخضاع الوحي لسلطة العقل والتفكير العقلي، فما يقرّه العقل نؤمن به، وما لا يقره نكفر به، وخصوصاً في مذهب الخوارقيّات “المعجزات- معجزات الأنبياء”، لذلك نجد الخوارق والمعجزات مرفوضة وغير معقولة في مذهب العقلانيّة.

وهذا بالنّسبة لي كلام سطحي لا طعم له، لأن كل ما هو حولك عبارة عن معجزة! وهذا ما أكّدهُ الكاتب الفرنسي (الفيكونت دوشاتوبريان) حيث كتب مرة يقول: “إنّ ما ليس بمُعجز ليس أقل إعجازا مّما يعد معجزاً”، يقصِد بهذه العبارة أنّ كل ما هو حولك ليس عاديّاً، فالعالم وما فيه عبارة عن معجزة.

عندما تقرأ في علم الأنثروبوتومي أو في علم الأناتومي، وتحديداً في جزئيّة تركيب عين الإنسان مثلاً، وكيف يُبصر الأشياء، ستُدرك أنه أمر غير عادي، بل إنه أمر مُعجز! فمُعجزة في النهاية أن نُبصر!

أحياناً كثيرة أتوجه إلى المرآة، وأبصر ذاتي فيها، وأتحدث معي، وأحاورها قائلا: “كيف أتحدّث؟ كيف أبصر؟ كيف أمشي؟ كيف أسمع؟ كيف أعقل؟”، ولا أقتنع بروايات العلوم “Anthropology، Anthropotomia، Anatomy، Biology، وغيرها من العلوم” في تفسير رؤيتنا وسماعنا وتفكرينا بالأشياء!؟ بل إنني أقول دائما أن ما يحدث لي وما يحدث من حولي هو عبارة عن معجزة، حتى لحظة استيقاظي من النّوم هي معجزة، لقد أطلقت عليها: “معُجزة استيقاظي في عالم المُعجزات”.

إن الأمر المُحبب والمُفضّل لأي إنسان في كوكب الأرض هو أن ينجب طفلاً يحمل اسمه، ولكن هل إنجاب الطفل أمر طبيعي!؟ المُعظم يراهُ أمراً طبيعيّاً، لأنهم اعتادوا عليه، ولكني دائماً أراه أمراً غير طبيعيّ! فكيف يخرج إنسان يتناول الكون بإصبعه من حيوان منوي وبويضة؟! هل هذا أمر طبيعي! أقسم بالله أنه أمر غير طبيعي! إنها معجزة تحدث أمامنا في كل ثانية، وصدق الله تعالى حينما قال: “يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ” (الاية رقم 19 من سورة الروم) يخرج إنسان حي من حيوان منوي وبويضة! إن هذه أكبر معجزة على صحن الوجود تؤشر على ذلك المفقود الذي ظهر به كل موجود!

الرسام الفرنسي (بول سيزان) مكث 5 سنوات يرسم لوحة تحكي منظر غروب الشمس! لأن سيزان لم ير في مشهد غروب الشمس منظرا عاديا، بل رآه مُدهشا ومُعجزا، وسحر غريب دفع يده لقرابة 5 سنوات لرسم لوحة تحكي قصّة هذه الّلقطة فقط!

لقد أقسم سبحانهُ في كتابه، بهذا المشهد العظيم قائلا: “وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ” (الأية رقم 33 من سورة المائدة) “وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ” (الأية رقم 17 من سورة العنكبوت) “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ” (الأية رقم 1 من سورة الليل) فمشهد أن يُسْدل الّليل أستاره على هذا العالم، هو حضور عظيم لا تراه إلا عين الفيلسوف الذي آمن بأنّ وراء هذه المعجزات خالق بديع وحكيم وعظيم أبدع هذا الوجود وكل ما هو موجود.

في النّهاية:

المُفكّر والفيلسوف الحقيقي يرى العالم بعين الطفل الذي يرى كل شيء يدور في فلك الاستقصاء، ولقد كانت إحدى تعريفات الفيلسوف اليوناني (أرسطو) للفلسفة هي “الدّهشة”، لأنّه كان يرى أن كل شيء مُدهش ومُعجز وغير طبيعي!!

لذلك.. هناك فرق كبير بأن ترى الشجرة بعين الإنسان العادي، وأن تراها بعين الفيلسوف!

هناك فارق عظيم بين أن ترى نملة سليمان بعين الإنسان، أو أن تراها بعين الفيلسوف!

 

Author محمد نبيل كبها
كاتب فلسطيني، عضو الإتحاد العام لكتاب وأدباء فلسطين، والعرب، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، وجامعات العلوم والبحوث والثقافة، ومنتدى الكتاب العربي.
↑