الخميس : 06-10-2022

غزة.. كنوز تاريخية طمسها الحصار والعدوان الصهيوني

تفيض غزة بحكايا موغلة في الزمن ومطرّزة بعبق التاريخ والماضي السحيق، وتزخر مناطقها بمعالم أثرية تعود إلى قرون خلت، شاهدة على حضارة شعب متجذّر منذ الأزل في هذه الأرض الطيبة.

يضم قطاع غزة300 موقع مصنف أثريا، ضمن سجلات منظمة اليونسكو بينهم 40 مسجدا و23 مبنى وعددا من المعالم الدينية المسيحية، ويعود تاريخ هذه المواقع الأثرية والسياحية إلى عصور مختلفة وتتنوع ما بين القصور والمساجد والكنائس والحمامات والبيوت الأثرية، وهي تمثل السجل الحضاري لمدينة غزة، لأنها تحفظ تاريخ الحضارات التي تعاقبت على الحياة في هذا المكان.

وتشير الاكتشافات الأثرية في غزة إلى تجذّر الفلسطينيين في أرضهم منذ آلاف السنين رغم محاولات الاحتلال إثبات عكس ذلك من خلال رواياته المزيّفة والكاذبة.

تحديات حماية الآثار

وتواجه الآثار في قطاع غزة تحديات صعبة ومتعددة، إذ تصارع من أجل البقاء صامدة أمام فعل وانعكاسات الزمن وضيق ذات اليد، حيث الحصار المطبق الذي طال كافة مناحي الحياة وأثّر على لقمة العيش اليومية، مما أدى إلى ترميم بعض المعالم الأثرية بأقل الإمكانيات المتاحة حتى تحافظ على وجودها الحضاري.

وانعكست آثار الحصار الجائر المفروض على غزة، من خلال غياب السياح وعدم إقبال المواطنين والخبراء الدوليين على زيارتها، وبالتالي فقد خسرت هذه المعالم الأثرية أهم رافد مالي كان يمكن أن يساهم في ترميمها ومساعدتها على البقاء شامخة.

ويضاف إلى المعاناة من آثار الحصار، الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي لا تسلم منها الأماكن الأثرية، حيث يتعمّد الاحتلال استهداف هذه المواقع متحججا بظروف الحرب التي لا تتيح له التمييز بينها وبين غيرها، أو أن هناك مراكز للمقاومة بين هذه المعالم الأثرية.

وبشأن ترميم الأثار التي تتعرض لانهيارات بفعل عوامل الزمن، فإن خبراء الترميم لدى وزارة السياحة والآثار لا يملكون الخبرة الكافية لمعالجة أبنية ومعالم ذات أهمية تاريخية وحضارية كبيرة، فالحصار المفروض على غزة حال دون عقد دورات تدريبية لزيادة مهارات المتخصصين في ترميم الآثار من القطاع، وذلك بالتعاون مع دول عربية متفوقة في هذا المجال.

 الاحتلال يسرق الآثار

لقد شهدت غزة منذ احتلالها سنة 1967على مدار القرن الأخير سرقة عدة آثار من قبل الاحتلال الصهيوني، لتُعرض هذه المسروقات في المتاحف العالمية، إذ دأب الكيان الصهيوني على المشاركة في معارض عالمية من خلال تقديم تراث ومأكولات وأزياء فلسطينية على أنها صهيونية زورا وبهتانا.

‏قبيل انسحاب الاحتلال من قطاع غزة، قام الجنود الصهاينة بفتح 15 موقعا أثريا ونهبوا محتوياته في انتهاك صارخ لكل الاتفاقيات الدولية، في حين ظلّت تضيّق على الفلسطينيين من خلال منعهم من التنقيب على الآثار، حيث لم تكن توافق على أي محاولة فلسطينية للبحث في هذا المجال، بنيّة الاستفراد بالمعالم الفلسطينية ونهبها وتحويلها إلى متاحفه بهدف طمس معالم التاريخ الفلسطيني القديم.

وتم اكتشاف في وسط قطاع غزة بعد العام 1972 ما يقارب 50 تابوتا كنعانيا يعود تاريخها إلى 1200 عام قبل الميلاد، إلا أن الاحتلال الصهيوني صادرها كلها لصالحه.

مواقع لها تاريخ

المواقع والأبنية الأثرية في غزة تعود إلى فترات مختلفة منذ العصر الكنعاني حتى العصر العثماني، ومن أهم الأديرة الأثرية في فلسطين دير القديس هيلاريون، وهو عبارة عن تلّة أثرية عثر فيها على أرض فسيفسائية تعود إلى العصر البيزنطي.

ومن أشهر المواقع الأثرية في غزة، قصر الباشا الواقع في البلدة القديمة بمدينة غزة وتعود أبنية هذا القصر للفترة المملوكية.

ومن الاكتشافات التي لها أثر كبير لقدمها عند الفلسطينيين، المسجد العُمري وهو أقدم وأعرق مسجد في مدينة غزة، ويقع وسط “غزة القديمة” بالقرب من السوق القديم، وتبلغ مساحته 4100 متر مربع، يحمل 38 عامودا من الرخام الجميل والمتين البناء، والذي يعكس في جماله وروعته بداعة الفن المعماري القديم في مدينة غزة.

ومسجد السيد هاشم الذي يعد من أجمل جوامع غزة الأثرية، وهو عبارة عن صحن مكشوف تحيط به أربع ظلال أكبرها ظلة القبلة، ويوجد به ضريح السيد هاشم بن عبد مناف جد رسول الله محمد “ص” الذي توفي في غزة أثناء رحلته التجارية رحلة الصيف.

ومن المناطق الأثرية الرائعة أيضا “الكنيسة البيزنطية” والتي تعود للفترة الزمنية 408 م، وتشتمل على عناصر معمارية متكاملة، وتحتوي على أرضيات فسيفسائية ملوّنة تصوّر الحياة الطبيعية في مدينة غزة.

ومن بين النماذج الأثرية الرائعة، حمام السمرة وهو أحد الحمامات العثمانية في فلسطين والوحيد المتبقّي إلى غاية الآن في مدينة غزة.

ورغم التدمير والنهب وتقييد الترميم من طرف سلطات الاحتلال، إلا أن المناطق الأثرية في غزة ما تزال كثيرة وتعج بالحضارة القديمة ما بين مواقع ومقابر وقطع أثرية وأبنية دينية إسلامية ومسيحية.

وتثبت هذه المكتشفات الحق الفلسطيني المتجذّر في هذه الأرض المباركة التي تحوي طبقاتها كنوزا حضارية وشواهد عمرانية ومعالم ومقتنيات تاريخية أثرية تجزم بارتقاء وسمو الحضارة الفلسطينية منذ آلاف السنين.