تحوّل الأربعاء 25 نوفمبر في العاصمة بيساو إلى مشهد فوضوي يهدّد الاستقرار الهش في غينيا بيساو، بعد سماع دويّ إطلاق نار قرب القصر الرئاسي ومقر اللجنة الوطنية للانتخابات، ما دفع المواطنين إلى الفرار بحثاً عن مأوى آمن. وفي خضم هذا الاضطراب، أعلن عسكريون “السيطرة الكاملة” على البلاد و“تعليق العملية الانتخابية”، ما أثار مخاوف واسعة من احتمال دخول البلاد في حلقة انقلاب جديدة تضاف إلى تاريخها الطويل من الاضطرابات، إذ شهدت غينيا بيساو تسعة انقلابات ومحاولات انقلابية منذ استقلالها عن البرتغال سنة 1974 وحتى عام 2020.
هذه التطورات جاءت قبل ساعات فقط من الموعد المنتظر لإعلان النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد الماضي، والتي يتنافس فيها الرئيس الحالي عمر سيسكو إمبالو مع أبرز منافسيه فرناندو دياس. ورغم غياب المعلومات الدقيقة حول الجهة التي تقف وراء الهجوم، سارع المتحدث باسم إمبالو، أنطونيو يايا سيدي، إلى اتهام مسلحين تابعين لمنافس الرئيس بمحاولة “عرقلة إعلان النتائج”، لكنه لم يقدم أي أدلة تدعم هذا الادعاء، ما عمّق الغموض حول هوية الفاعلين وخلفيات التحرك المسلح.
ويؤكد المحلل السياسي السوداني المختص بالشؤون الإفريقية، الدكتور مبروك إسحاق عبد الله، في تصريح لـ الأيام نيوز أن ما تشهده غينيا بيساو “يمثل انفجاراً جديداً لصراعات قديمة تتجدد مع كل محطة انتخابية”. ويضيف أن هشاشة المؤسسات وتعدد مراكز القوة داخل الجيش “يجعلان السلاح لاعبا أساسياً في رسم ملامح السلطة”، مشيراً إلى أن البلاد “لم تنجح في بناء منظومة سياسية مستقرة قادرة على احتواء التوترات دون أن تنزلق إلى العنف”. ويرى الدكتور مبروك أن إطلاق النار قرب لجنة الانتخابات “يبدو محاولة واضحة للتأثير على المسار الديمقراطي، وهو تكتيك تكرر عدة مرات في تاريخ البلاد السياسي المضطرب”.
من جانبه، يحذر الباحث حسين قنبر، مدير مركز دراسات الشرق والسلام، من أن تعليق العملية الانتخابية “يمثل لحظة خطيرة قد تفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني يصعب السيطرة عليه”. ويؤكد في تصريح لـ الأيام نيوز أن البلاد “تعيش حالة استقطاب حاد بين معسكر الرئيس والمعارضة، وأي خلل في الشرعية قد يدفع الأطراف داخل المؤسسة العسكرية إلى فرض واقع جديد بالقوة”. ويرى قنبر أن الوضع في غينيا بيساو “لا يهم مواطنيها فقط، بل ينعكس على كامل المنطقة الساحلية المحاذية للسنغال وغينيا، والتي تعاني أصلاً هشاشة مزمنة وصعوداً لتهديدات الجريمة المنظمة”.
وهكذا، تجد غينيا بيساو نفسها مرة أخرى أمام مفترق طرق خطير: إما نجاح السلطات في احتواء الأزمة وعودة الانتخابات إلى مسارها الطبيعي، أو دخول البلاد في نفق جديد من الانقلابات والنزاعات المسلحة التي لطالما شكلت جزءاً من تاريخها السياسي. وبين اتهامات السلطة وغموض الفاعلين وتوتر الشارع، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، فيما تنتظر القارة الإفريقية والمجتمع الدولي ما ستكشف عنه الساعات المقبلة من ملامح مستقبل بلد لم يعرف الاستقرار طويلاً.

