فاته الكثير من لم يتعرّف على الموسيقى الجزائرية

يحب الإنسان الأغنيات التي يفهمها، ونشأ عليها ويحس بها وتشبه ما يرغب بقوله وقد لا يستسيغ موسيقى بعيدة عن فهمه ولغته وبيئته كما قد يكون منفتحًا على كل أنواع الموسيقى بكل لغات العالم، هذا يتوقف على الشخص نفسه.

كبرنا مثلاً في الغرب الجزائري على أغاني الراي والمدّاحات والشيخة الريميتي وغيرهم، لذا حتى عندما تكون الأغاني هابطة أو كلماتها بسيطة جدًا وليس فيها لمسة إبداعية حقيقية إلاّ أنّنا نحس بها بعمق.. وتتمكّن من تحريك دواخلنا ذلك لأنّها تخاطبنا بلغتنا الأم وبما نرغب بترجمته٬ بلهجة الشوارع دون تنقيح ولا تشذيب ولا بريستيج ولا حمولات ثقافية وعلمية.

أنتَ تخلع عنك كل ما تعلمته وكل ما هذّبته في نفسك لتنزل إلى الشارع وللشارع سحره أيضًا مثل الفرق بين أن تأكل الطعام في مطعمٍ فخم بالشوكة والسكين وبين أن تغمس بالخبز بأصابعك في المرق ولا تكتفي بأكل اللحم بل تحمل العظم وتبدأ بتعريته بأسنانك من بقايا اللحم.. وقد تجد متعتك المثلى في الوضع الثاني.

أغنياتنا الجزائرية ربما لن يتمكّن غيرنا من تذوقها حقًا، لست أتحدث عن بضعة أغاني إيقاعية وصلت للعالمية، أتحدث بشكلٍ خاص عن الأغاني العاطفية التي تستوجب فهمًا واستيعابًا كأغاني الشاب حسني مثلاً.. الذي أدّى أغنيات خالدة مثل “الشيرة الي نبغيها” أغنية “صبرت وطال عذابي وما تبكيش” وما إلى ذلك.

هنالك الشاب كاتشو أيضًا الذي ترك أغنيات فارقة مثل أغنية “دمي همّي” وكان يؤدي الأغنيات الشاوية بطابع مميّز ويتنقل بخفة بين طبقات صوته من العالية إلى المنخفضة حسب الموّال والمقاطع٬ وربما أبلغ مثال هو الفن الذي قدّمه المغني القبائلي الراحل معطوب لوناس.

الكثير من الجزائريين ممّن لا يفهمون اللهجة القبائلية أو اللغة الأمازيغية عمومًا٬ يستهجنون صوت معطوب لوناس بل ينفرون منه ويجدون صوته مزعجًا ولا يملك حتى الموهبة التي تؤهله لأن يكون مغنيًا عكس إيدير الذي انتقى لونًا يناسب صوته وآيت منقلات وحتى محمد علاوة المعروف بصوت جميل٬ اقتحم معطوب لوناس الساحة الفنية بشخصيته المتمردة وصوته الغريب الأجش ولكن القبائليين والأمازيغيين الذين يفهمون أغنياته٬ يحبونها ويحسونها٬ دائمًا يقولون لك إن انتقدتَه٬ لو كنت قادرًا على فهم ما يغنيه لأحببته وبالفعل أصبح لمعطوب مستمعون ومحبون جدد عندما توفرت أغنياته في اليوتيوب بكلمات مترجمة إلى العربية والفرنسية. بفضل الترجمة أصبح المستمع قادرًا على فهم أغنية مثلاً كأغنية آين آين والإحساس بالشعر الذي قام معطوب بغنائه.

وقبل الحديث عن المستمعين الأجانب الذين لم يتقبلوا الموسيقى الجزائرية بعد فلنتحدث عن أبناء البلد أولاً٬ هنالك جزائريون من الشرق لا يحبون أغاني الراي وهنالك جزائريون من الغرب لا يحبون الموسيقى الشاوية والسطايفية التي يجدون إيقاعاتها رتيبة.

أمّا أنا أعد نفسي محظوظة جدًا لأنّني عشت في مدن جزائرية مختلفة وبفضل تنقلاتي أصبح لديّ أذن تجيد الاستمتاع بالقصبة التبسية والزرنة وبموسيقى الريميتي والغناء الشاوي والنايلي ولآيت منڨلات وآكلي دي وابراهيم طيب وغيرهم وعندما أصغي إلى بعض الأغنيات وأستمتع بها وبمقاطعها أتحسّر وأنا أفكر في كل من لم يصله فنّنا وموسيقانا٬ فاته الكثير من لم يتعرف على الموسيقى الجزائرية ولم يختبر تجربة الإحساس بها.