لم يكتفِ الغرب الأوروبي بالتمدد الاستعماري في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ونهب ثروات الشعوب وبسط هيمنته عليها، بل سعى أيضا إلى اجتثاث المجتمعات من أصالتها ومعتقداتها وثقافاتها، وتفريغها من كل عناصر هوياتها الوطنية، وإشباعها بفلسفاته المادية ومذاهبه الفكرية الهدامة للقيم الإنسانية. كثيرا ما يشبه هذا السعي "عقد فاوستوي": الإنسان يطمح لتجاوز حدوده وتحقيق ما يستعصي عليه، يجذبه الوعد بالسلطة والمعرفة والقوة، لكن الثمن الذي يدفعه الإنسان غالبا ما يكون من صميم روحه وهويته. ومع التطوّر التكنولوجي المذهل في عصرنا الراهن، انطلقت مشاريع جديدة لـ"تصنيع" الإنسان اللامنتمي، يبرمج تحت مسمى "العولمة"، التي تعتبر "غير الغربي" مجرد تابع مُستلَب فكريا ووجدانيا، وليس شريكا فاعلا يملك الحق في تقرير مصير البشرية، في صدى واضح لـ"الصفقة الفاوستية" التي تجعل الإنسان رهين طموحه مقابل تلاشي جوهره.
الغرب، رغم صغر مساحته الجغرافية وقلّة موارده مقارنة بالعالم العربي وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، صار يشبه الثقب الأسود، يريد ابتلاع العالم، بما بلغه من رقيٍّ علمي، وما امتلكه من وسائل تكنولوجية فاقت قدرة العقل على تخيّل مستوى تطوّرها! بمعنى آخر، إن قوة الغرب مرهونة بالآلة التقنية، فإذا ما تعطّلت هذه الآلة، أو إذا ما انقلبت عليها المجتمعات الغربية بحثا عن أنماط أخرى لحياة متحرّرة من سلطة المادة ومنتوجات تلك الآلة، فإن الغرب سيموت حتمًا، وتموت حضارته التي تُعتبر تمدّنًا أكثر ما تُعتبر حضارة بمعناها الحقيقي الذي يتضمن القيم الإنسانية والأخلاق النبيلة التي تحترم الآخرين المنتشرين على جغرافيات الوجود البشري.
ولكن، هل يُمكن أن تنقلب المجتمعات الغربية على "حضارتها"؟ يستدعي الجوابُ قراءةً مُعمّقة لما يُمكن اعتبارها إرهاصات انقلاب لدى الأجيال الغربية "الجديدة" التي تعارض أن يكون الغرب مركزًا للعالم وثقبه الأسود الذي يهدّد الوجود البشري، بل هي تؤمن بحق الإنسان في الحياة مهما كان انتماؤه الجغرافي والثقافي والديني.. ولكن لا يجب المراهنة على هذا الأمر، لأن الغرب تحوّل إلى إيديولوجية اعتنقها المنبهرون به إلى حدّ الغلو، لا سيما في عالمنا العربي الذي سرت في بعض جغرافيّاته روحُ "القابلية للاستعمار".. وصارت بعض المفاهيم مثل: الوطنية، الأصالة، الثقافة (اللغة، التاريخ، الدين، العادات والتقاليد)، مجرد مفردات في قاموس قديم!
عزيزي القارئ، تحدّثنا عن الغرب، ولكننا لم نضبط معناه، وأتفق مع المعنى الذي يدور في ذهنك، ولكن لا بأس أن نضع له تعريفًا من كتاب "تغريب العالم" للكاتب الفرنسي "سيرج لاتوش" الذي يرى أنه يجب النظر إلى الغرب باعتباره كيانًا جغرافيًّا: أوروبا، وله ديانة: المسيحية، وله فلسفة هي: التنوير، وضمن إثنية: هي العرق الأبيض، وداخل نظام اقتصادي: الرأسمالية". ونضيف إلى هذه الاعتبارات اعتبارا آخر هو لون الدم، فالغرب يرى في نفسه "صاحب دم أزرق"، بمعنى أنه ينتمي إلى أرقى طبقة بشرية خالية وخالصة من الشوائب، بعبارة أخرى - إن جاز التعبير - هو "شعب العلم المختار"، اختاره العلم ليكون السيّد في هذا الكوكب، فله الحق بحكم هذا الاختيار أن يهيمن على ثروات الشعوب ويسخّرها لخدمته. ولا تتعجّب عزيزي القارئ من هذه الرؤية، فمنذ دخل الغرب في عصر العلم - ما يُسمّى النهضة الأوروبية - رفع لواء استعمار الأرض في إفريقيا وآسيا وأمريكا!
والحق أن "أصحاب الدم الأزرق" عبارةٌ كانت منتشرة في كثير من الثقافات وتعني الانتماء إلى الطبقة الأرستقراطية، ربما كانت أكثر انتشار في إسبانيا لأن عائلات النبلاء كانت تتفاخر بأصولها الأوروبية وبصفاء عرقها وعدم اختلاطها بالأندلسيين من العرب والمسلمين القادمين من إفريقيا وآسيا. ومن باب التجنّي نزعم أن الغرب يرى في نفسه من أصحاب الدم الأزرق، لأن هذا الزعم يُفسّر لماذا أريقت وتُراق الدماء العربية، فلا يأبه للأمر، كأنما هي دماء خُلقت من أجل أن يبقى الدم الغربي أزرقا، ولتوضيح الفكرة أكثر، نستذكر أبيات الشاعر الدمشقي "أديب إسحاق" (1857 - 1885)، قال:
قتل امرئٍ في غابةٍ -- جريمةٌ لا تُغتَفر
وقتل شعبٍ آمنٍ -- مسأَلةٌ فيها نظر
والحقُّ للقوَّةِ لا -- يُعطاهُ الاَّ مَن ظفر
ذي حالة الدنيا فكن -- من شرّها على حذر
يجب الاعتراف بأن الغرب فاعلٌ حضاري، وشعوب "بقية العالم" - لا سيما العالم العربي - هي مفعول به أو مفعول فيه ليس أكثر، وحتى الذين يسبّحون بحمد الغرب هم - في أحسن الأحوال - مجرد مبني للمجهول سينتهي للمجهول حتما! والوعي وحده لا يكفي للتحرر من حالة "المفعول به"، بل يجب أن يكون وعيًا مقاوما وثوريًّا يسعى إلى الاستثمار في الإنسان الفعّال بالعلم والعمل والإيمان. وعي مقاوم وثوري يغرس فينا القناعة بأن التطوّر المادي للغرب انطلق من استعمار أوطاننا وبُني بجماجمنا ودمائنا وثرواتنا، واستمرار هذا التطور بدون قيم أخلاقية وإنسانية يعني استمرار منطق الاستعمار، وبسط المزيد من الهيمنة بالقوة العسكرية أو بالأدوات "القذرة" للسياسة والاقتصاد والإعلام.. والغلوّ في الانبهار بالغرب أدّى إلى مزيدٍ من التخلف ولم يفتح أبواب المستقبل أمامنا!
في مدار هذه الأفكار، توجّهت جريدة "الأيام نيوز" إلى نخبة من الكُتّاب الأفاضل بهذه الرسالة: وصل الانبهار العربي بالغرب، والتبعية لحضارته المادية، إلى حد القناعة والتسليم بأنه هو العالم، بينما غيره من المناطق والأمم والشعوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا.. هي مجرد توابع له أو واقعة في مدار تأثيراته الفكرية والثقافية والتكنولوجية.. مع الإقرار بأن الأمر قد يكون مرتبطا بالميراث الاستعماري أو القوة العسكرية الغربية أو الهيمنة التكنولوجية التي امتدت إلى تفاصيل حياتنا المجتمعية والفردية، وأثّرت في العادات والتقاليد وأنماط التفكير!
ولكن ما هو هذا الغرب؟ هل نقصد به النطاق الجغرافي الخاضع لمناخ معيّن، أم هو البيئة الأولى للنظام الرأسمالي وارتباطه بالحركات الاستعمارية، أم هو منطلق الحروب الصليبية على الشرق، أم هو فكرة استحوذت على العقل العربي وترسّخت فيه فصارت قناعة تعيق أيّ نظرة تحرر من الهيمنة الفكرية والتكنولوجية الغربية على الذات العربية؟
إن احتكار الغرب للتكنولوجيا المعاصرة، وتوظيفه لها في بسط قيمه وأفكاره وفلسفاته، وفي المقابل محاربته للأصالة الشرقية (خاصة)، يؤكد بأن البشرية واقعة تحت طائلة "تغريب العالم": في آسيا وإفريقيا خاصة.. فهل نحن نتوجّه فعليًّا إلى التغريب واستلاب هويّتنا وأصالتنا؟ وما دور المثقف العربي في مواجهة هذا التغريب؟ وهل يُمكن أن تبرز مشاريع فكرية تُحصّن العقل العربي، وتحفظ خصوصيات الأجيال القادمة؟
أليس في الإمكان ميلاد أجيال جديدة في الغرب نفسه تناهض "تغريب العالم"، وتكون لها أفكار وطروحات إنسانية تحترم الآخر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؟ وما الذي يتوجّب على المثقف العربي فعله في الظرفية التاريخية الراهنة؟
عزيزي القارئ، هل تعتقد بأن الغرب هو العالم؟ وهل قدرنا أن نكون تابعين له، نستهلك منتوجاته، ونعتنق أفكاره، ونتبع أنماطه في الحياة؟ أم علينا أن نستثمر عناصر قوّتنا المعنوية والمادية، ونثبت بأننا شركاء في هذا العالم، ولنا مكاننا ومكانتنا المؤثّرة فيه؟
أكاد أسمعك عزيزي القارئ وأنت تحدّث نفسك: لن يتركونا بسلام، وسيثيرون الزوابع والأعاصير في طريق نهضتنا، ولن يقبلوا بأن نكون قوة معنوية ومادية مؤثّرة في هذا العالم. نعم، أوافق هواجسك ومخاوفك، ولكن علينا أن نقنع أنفسنا بأن الأرض تدور، والغرب أدرك بأنه يتهالك من داخله، ويسير نحو موته، لذلك هو يسعى إلى إهلاك العالم وهدمه قبل أن يهلك ويتهدّم هو نفسه.. فعلينا ألاّ ننتظر "موت الغرب" حتى ننطلق، فحينها ربما نكون قد تغرّبنا فعلا، ومصيرنا هو مصير الغرب! وربما "تغريب العالم" هو معنى آخر لـ"طلوع الشمس من مغربها"! وفي الحالتين هي "القيامة" أو بداية النهاية: نهاية الغرب وحده، أو نهايتنا معه.

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)
أنا وابن "نظيرة" ولعبة "الدّاما"..
نشأت في حيٍّ شعبي، أذكر المبنى جيّدًا، مدخلٌ واسعٌ من الباطون مستطيل الشكل، تكسر الأعشاب بعض زواياه فتعضّ على أوجاعها ووحدتها وتسكت، منتظرةً رشّة ماءٍ من ولدٍ شقيّ فتحيا إلى حين، أو منتحرةً تحت مؤخّرة شقيٍّ آخر أتعبه الهرب من جارتنا "نظيرة".
وكنّا - نحن الأطفال الأشقياء - نحيا مثل هذه الأعشاب، بين حياةٍ وموت، أو قُل بين حياةٍ صاخبة وأُخرى مكبّلة من الأهل والجيران و"نظيرة". تذكّروا "نظيرة" جيّدًا، إذ لم يكن لـ"نظيرة" نظير، وأنا الآن أتذكّر شعرها المرمي فوق رأسها كالعهن المنفوش، ونظرتها الحادّة.
كانت "نظيرة" تملك مقهى، سقفه عريشة نبات الليف، ويقع مقهاها هذا بقرب دكّانة "أبو صالح". ولا بدّ أن أذكر أنّ ذاك المقهى كان يتحوّل إلى حانة لبيع الخمور ليلًا، إذ إنّه ومنذ ذاك العهد كان حديث الليل يمحوه النهار، وتفرك جسده ليفة تلك العريشة.
أين أنا من كلّ هذا؟ نسيت أن أذكر دوري في هذا المشهد. كنت أنا و"فؤاد" ابن "نظيرة" صديقَين مقرّبَين مع فارقٍ بسيط، هو أنّ "فؤاد" كان غنّيًا وكنت مُعدَمًا.
تحدّاني "فؤاد" ذات يوم في لعبة "الداما"، وهي لعبةٌ تشبه الشطرنج، لكنّنا كنّا - نحن المُعدَمون - نفصّلها من خشبةٍ مرميّة، نضع خطوطًا في الطول وأخرى في العرض، لتتشكّل مربّعات يتّسع كلّ مربّعٍ منها لسدّة قنينة بيبسي.
كنت بارعًا في اللعبة، وحين تحدّاني "فؤاد" سرَت في روحي فرحةٌ لا مثيل لها، إذ إنّ نزول الأغنياء عن عرشهم للحظات كافٍ لخلق مساحةٍ من السّعادة للفقراء المُعدَمين. تجمهر الرّفاق حولنا وبدأت اللعبة، وكنت متأكّدًا من أنّ سعادتي ستتضاعف إثر فوزي على فؤاد. لكنّني خسرت، فاز عليّ فؤاد فوزًا كاسحًا، أكل أحجاري الستة عشر كلها بحجرين منه. وقد تحمّلت خسارتي الفادحة تلك أمام مرأى من الرفاق الذين كانوا يرونني عبقريّ الداما. وظلّت شماتة هؤلاء "الكلاب" ترافقني لسنةٍ على ما أذكر.
تمرّنت خلال سنةٍ أكثر، وكان فؤاد يسخر منّي إثر خسارتي أمامه كلّما التقينا، فازداد في صدري الإصرار على رد الصاع صاعين، ولم أكن أخبره بتمريناتي الخفيّة. بعد عامٍ أوحيت إلى صديقٍ لي أن يستفزّ فؤاد لكي يطلب مواجهتي مرة ثانية، وحدث ما أردت، وامتلأت غبطةً وسعادة، ودعوتُ الجميع مجدّدًا لرؤية المواجهة التي ستردّ لي اعتباري، بدأنا في اللعب، وكان أن أكل فؤاد أحجاري كلها بحجرٍ واحدٍ تلك المرّة. يا للهول! ظننتم أنّي سأفوز لأنّني أمتلك الإصرار والعزيمة أليس كذلك؟ أقسم أنّكم ظننتم هكذا، لكنّني خسرت وضحك عليّ ابن نظيرة ونظيرة وكلّ الرّفاق، فاعتزلت اللعب بالداما.
لعبة الداما، كانت أحجارًا من تنك، نضع ستَّ عشرة سدّة في الشرق وستَّ عشرة سدّة في الغرب، وتبدأ اللعبة، هذا يحرّك أحجاره وذاك يحرّك أحجاره ويفوز في نهاية الأمر من يمتلك الرؤية الأقوى والذكاء الأكبر. لم يكن من مكانٍ للحظّ فيها، ولا حتّى للعزيمة والإصرار، أو للصدفة، من يفكّر أفضل لا محالة يفُز.
أيقنت مع الوقت شيئًا مهمًّا، وهو أنّ من يملك ذهنًا مشتّتًا ومعدةً خاوية لن يستطيع الفوز على من يملك ذهنًا مرتاح البال ومعدةً ملأى. كما أدركت أنّ أحجاري الصّدئة التي وضعتها في الشرق لن تصلح في أن تجابه الأحجار نفسها إن وُضعت في الغرب بيد من هو أقوى منّي، فالمشكلة لم تكن في أن يصبح فؤاد مثلي أو أصبح مثله، بل أن أفكّر بذهنٍ صافٍ لا يأكله الجوع والفقر والبؤس، وأنّ فؤاد هو فؤاد لن يتغيّر، وأنّني حين تخلّيت عن فكرة أن أكون مثله أو أجعله مثلي سأفوز عليه.
التقينا منذ مدّة يسيرة أنا وفؤاد، صديقي القديم، تعانقنا إذ إنّنا لم نكن قد التقينا منذ الطفولة، ودعاني إلى لعبة داما جديدة، لم يكن بيننا جمهور هذه المرّة، إذ إنّ الرفاق سرقتهم الغربة، جلسنا، احتسينا فنجانين من القهوة، لعبنا الداما سويًّا، وخسرت أيضًا. قال لي فؤاد مقهقهًا: المشكلة أنّك لم تتخلّ بعد عن فكرة أنّك عبقريّ الداما، تخلَّ عنها، اخلعها عنك، وفي المرّة المقبلة ستفوز، حتمًا ستفوز.
ما زلت أشكّ في ذلك، لكنّني اقتنعت بما قاله.

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)
الإعجاب المفرط بالغرب مُضر بصحة أمّتنا!
حين يعجب شاب بفتاة، أو العكس، يصبح الشخص المعجب، في أحيان كثيرة، تحت تأثير صورة معينة، وهذه الصورة تكون وليدة خياله. لن أقول إن الصورة وهمية مئة بالمئة، لكن من المؤكد أن فيها من الوهم الكثير. فالمُحبّ يغفل عن مساوئ الحبيب، وليس هذا التغافل بالمعنى الإيجابي، بل بالمعنى السلبي، كمن يحاول إقناع نفسه بأن التدخين مفيد للصحة فقط لأن حبيبه يعشق التدخين.
والمُحبّ قد يسمح لنفسه بأن يعيش وسط أحلام لا تمتّ إلى الواقع بصِلة، فيرى حبيبه من أكثر الناس صدقا ووفاء وتضحية، ويعتبر بأن الكلام الذي يخرج من فمه هو الحقيقة المطلقة، وبأن كل ما يفعله هو الصواب الذي لا صواب من بعده.
وهذا الإعجاب المبالَغ به مُضرّ، فهو يجعل الشخص في كوكب آخر، كوكب لا يشبه الكوكب الذي يعيش فيه حقا، فيصبح غير قادر على رؤية الواقع وبالتالي غير قادر على مواجهته، فيقتله أبسط وأضعف سهم قد يرميه أحدهم باتجاهه.
وهذا هو حالنا نحن العرب، ننظر إلى الغرب بافتتان كما لو أن الله قد وضع في تلك الزاوية الجغرافية القبول كله، والذكاء والحكمة والتطور، وتركنا نحن العرب لا نتمتّع سوى بالحظ القليل، أما الذكاء والحكمة والتطور فكأنها أمور نادرة عندنا.
ربما لا نملك جميعنا كعرب النظرة نفسها، لكن مع الأسف الأغلبية تمتلكها، وطريقة حياتنا تؤكد هذا الأمر المؤلم. إذ إن طريقة حياة كل منا تعكس طريقة تفكيره، وهكذا يصبح ما نفكر فيه على مرأى الجميع، ولا يمكن للأشعار والقصائد أن تخفيه مهما حاولنا.
فملابسنا، ومأكولاتنا، وطريقة تعاملنا مع الناس، ما نقوله وما نكتبه وما نقرؤه، كله يعبّر عن انجاذبنا إلى ثقافة الغرب، وإلى طريقة الحياة هناك، التي لو أمعنّا التفكير لوجدنا أن فيها الكثير من المضار، لكننا نرفض التفكير ونرفض الاعتراف بأن في الغرب مآسٍ كثيرة.
نريد أن نعيش بحرية، كل منا يملك منزلا خاصا بعيدا عن منزل الأسرة، فيقول الموظف أنه سيقوم بتخبئة راتبه الشهري لكي يتمكن من شراء أو استئجار شقة ليعيش فيها بمفرده، وكذلك تفعل الموظفة، ولماذا؟ لأنهما يريان أو يسمعان أنه في الغرب كل شخص يعيش في بيت منفصل عن بيت العائلة.
بربكم أخبروني، هل هنالك مكان أكثر دفئا من بيت العائلة؟! هناك حيث حنان الأم وعطف الأب ومحبة الإخوة. هناك حيث تتصاعد روائح الأطعمة الشهية، وتتعانق القلوب على سفرة واحدة مليئة بالأدعية.
حسنا، فليكن خيار كل شخص امتلاك منزل يسكن فيه حين يتزوج، لكن ما الحاجة الفعلية لمنزل يعيش فيه الشخص بمفرده دون زوج أو زوجة أو أبناء؟! هذه واحدة من الأمور التي أرى كثرا يحاولون تقليد الغرب فيها، وطبعا الأمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى، وأنا هنا لن أقوم بتعدادها، فجلّ ما أريد قوله هو أن تأثّرنا بالغرب بات أقوى من أيّ وقت مضى، فعلينا أن نستيقظ لكي نستعيد أصالتنا بعيدا عن التقليد الأعمى لهذا وذاك. وهذا التقليد لا يتوقّف على المسكن أو المشرب أو العلاقات الاجتماعية، بل يتعدّاه إلى شتى مجالات الحياة.
فلننظر مثلا إلى عالم الكتابة الإبداعية، سنجد حينها أن كُتّابا من البلدان العربية يحاولون تقليد الكتّاب الأجانب، فتصبح قصصهم غير واضحة الهوية، فهي ليست بالقصص العربية وليست بالقصص الأجنبية أيضا.
باختصار، إن كُثرا من الكتّاب العرب قد باتوا يكتبون قصصا لا هوية لها. وهم بهذا التصرف يضعفون كتاباتهم ويجردونها من معناها الأسمى. وهنا دعونا نتذكّر أن "نجيب محفوظ"، وهو الأديب العربي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل للآداب، قد كتب عن الحارات المصرية بكل صدق، وروى قصص شخصيات مصرية ووصف معاناتها وعبّر عن هواجسها، ولم يحاول ولو للحظة واحدة أن يشوّه أيّ حارة من حارات مصر لكي يجعلها شبيهة بشوارع باريس. فلماذا نجد أن الكتّاب العرب اليوم يحاولون تصوير مدنهم وقراهم كما لو أنها مدن أميركية؟!
أليس حريًّا بالكاتب العربي أن يتّخذ الأديب "نجيب محفوظ" قدوة له، فيكتب عن قرى ومدن بلده بكل صدق واعتزاز عوَض أن ينسلخ عن واقعه ويحاول محاكاة من لا يعرفهم إلى عن طريق الدعاية مثلًا؟!
أليس الأدب مرآة الأوطان؟ فكل وطن بحاجة إلى كتّاب يجعلونه يقف أمام المرآة، فيرى جماله كما عيوبه، لكي يفتخر بنفسه وفي الوقت عينه يعمل على إصلاح ما يجب إصلاحه.
وهنا نؤكد على واجب كل مثقف، وكاتب وفنان عربي، ألا يسمح للأوهام بأن تغريه، ونشدّد على دوره الفعال في رسم صورة وطنه الذي لا يمكن له أن يستغني عنه، وإن البلدان العربية لا ينقصها شيء سوى أن يراها أبناؤها بعين الحقيقة، فلا يصغّرونها ولا يقللون من قيمتها ولا ينكرون شأنها الرفيع.

محمد كمال إبراهيم (شاعر وكاتب من لبنان)
"الهويات القاتلة".. ما رأي الكاتب "أمين معلوف"؟
لا أدري، وأنا أكتبُ هذا المقال، إن كان يحقُّ لي أن يُنشر باسمي، فأنا لا أنفكُّ أرى أمامي كتابًا يلخص طرائق النظر إلى هذه المسألة، مسألة الهوية والتبعية العربية للغرب، وإن كنتَ ستختلف معي - ومع المؤلف - عزيزي القارئ. وإني أدعوك إلى قراءة هذا الكتاب كاملًا، ولك أن تدعو لي، أو عليّ!
بدايةً، يبدأ "أمين معلوف"، الكاتب اللبناني الفرنسي، كتابه "الهويات القاتلة"، بمعاناته المتكررة في إصرار أكثرية من يقابله على معرفة تفضيله في وصف هويته، بين لبنانية وفرنسية. ويعبّر عن رغبته في أن يكبر العالم والإنسان عن هذه التصنيفات، ويقول:
"إنَّ كلَّ من يجاهر بهوية أكثر تعقيدًا يجد نفسه مُهَمَّشًا؛ فالشاب الذي وُلد في فرنسا لأبوين جزائرييَن يحمل في داخله انتماءين بديهيين ويفترض به أن يكون قادرًا على الاضطلاع بهما على السواء. وقد قلت إنهما انتماءان بغية التوضيح، ولكن مكوّنات شخصيته أكثر تعدّدًا، سواء أتعلق الأمر باللغة والمعتقدات وأسلوب العيش والروابط الأسرية والأذواق الفنية أم أنواع المأكل لأن التأثيرات الفرنسية والأوروبية والغربية تمتزج في كيانه بالتأثيرات العربية والبربرية والأفريقية والإسلامية... إنها تجربة غنية ومثمرة لو شعر هذا الشاب بحرية عيشها إلى أقصى حدودها، وبالتشجيع على الاضطلاع بكل أنواعها. وعلى نقيض ذلك، قد يكون مساره صدمة قاسية لو عدّه بعضهم خائنًا بل مُرتَدًّا كلما أكّد هويته الفرنسية، ولّوجد نفسه ضحية التحجّر والريبة أو العداء كلما جاهر بأصوله الجزائرية"، (ص12). إن هذه الحيرة لصعبة، ولا بد لأيّة ثقافة أن تؤثّر في الثقافات الأخرى، لذلك على كل فرد منّا أن يسأل نفسه: "ما الذي في ثقافة البلد المضيف يشكّل جزءًا من الحد الأدنى الذي يفترض بكل شخص الانتماء إليه، وما الذي يمكنه معارضته أو رفضه بصورة مشروعة؟ والسؤال نفسه يصح على الثقافة الأصلية للمهاجرين: ما هي مقومات هذه الثقافة التي تستحق أن تنقل إلى بلد التبني كهبة ثمينة، وما هي العادات والممارسات التي يجب أن تبقى في غرفة الانتظار". (ص55 - 56).
"إننا غالبًا ما نولي الأهمية أكثر مما ينبغي لتأثير الأديان في الشعوب وتاريخها، وليس كفاية لتأثير الشعوب وتاريخها في الأديان. وأنا أعرف أن هذا التأثير متبادل؛ فالمجتمع يصنع الدين الذي بدوره يصنع المجتمع. غير أنني ألاحظ أننا قد اعتدنا رؤية هذا الجانب من الجدلية فحسب مما يشوّه المشهد بصورة غريبة. وعندما يتعلق الأمر بالإسلام، لا يتردد بعضهم قط في تحميله المسؤولية عن كامل المآسي التي عرفتها المجتمعات المسلمة ولا تزال. ولا أنتقد هذه الرؤية لأنها مجحفة فحسب، بل أنتقدها لأنها تجعل أحداث العالم غير مفهومة إطلاقا". (ص82).
إن الحضارة البشرية ليست وليدة اليوم، ولا القرنين الأخيرين، بل هي رحلة تبادلت فيها الحضارات إمساك الدفّة. واليوم "البشرية أصبحت تملك الوسائل التقنية للسيطرة على العالم"، و"نضجت لبروز حضارة عالمية. لقد كانت البويضة جاهزة للتخصيب، وقد قامت أوروبا بتخصيبها". و"هكذا - يكفي أن ننظر حولنا! - نرى الغرب حاضرًا أينما كان. في فلاديفوستوك وسنغافورة على السواء، وفي بوسطن وداكار وطشقند وساو باولو ونومييا والقدس والجزائر العاصمة. فمنذ خمس مائة عام، كل ما يؤثر تأثيرا دائمًا في أفكار البشر أو صحتهم أو بيئتهم أو حياتهم الشخصية هو من صنع الغرب. الرأسمالية والشيوعية والفاشية والتحليل النفسي وعلم البيئة والكهرباء والطائرة والسيارة والقنبلة الذرية والهاتف والتلفاز والمعلوماتية والبنسلين وأقراص منع الحمل وحقوق الإنسان، كذلك غرف الغاز... نعم، كل ذلك، سعادة البشر وتعاستهم، كله جاء من الغرب"، (ص86-87).
ومن الأمثلة حالة واضحة، "إن ما تظهره حالة محمد علي هو أن التحديث في العالم العربي اعتبر، في مرحلة مبكرة جدا، ضرورة بل حاجة ماسة [...] في حين كانت أوروبا قد أخذت في الحسبان أثقالها الثقافية والاجتماعية والدينية؛ بل، وبالإضافة إلى ذلك، اعتماد التغريب، وفي الوقت نفسه، الاحتماء من غرب في أوج ازدهاره، يتميز بمطامع لا حدود لها، وغالبا ما يزدري الآخرين"، (ص95).
انتقل "معلوف" بين عناوين أربعة، بنى عليها كتابه المتسلسل في الأفكار والأمثلة، فبعد فصل "هويتي انتماءاتي"، انتقل إلى "عندما تأتي الحداثة من عند الآخر"، وصل إلى "زمن القبائل الكونية". وكان من الطبيعي أن يكون فصله الأخير مرتبطًا بالمجتمع الخاضع للتغيير؛ إنّه "ترويض الفهد".
"لماذا الفهد؟ لأنه يَقتل إذا ما تعرض للاضطهاد، ويَقتل إذا ما سنحت له الفرصة، والأسوأ هو إطلاق سراحه بعد إصابته، ولأنه قابل للترويض تحديدا"، (ص167). "يجب أن يحظى كل منا بالتشجيع على اعتبار هويته حصيلة لانتماءاته العديدة بدلًا من حصرها في انتماء واحد يرفعه إلى مستوى الانتماء الأسمى، وأداة للاستعباد، وأحيانا أداة للحرب.."، (ص185).
لقد ألّف "معلوف" كتابًا كاملًا للدفاع عن فكرة الهوية، ومعرفتها، وحق التمسك كلٌّ في هويته الخاصة. فما دور المثقف غير التشجيع على هذه الأفكار البناءة، ليس عن طريق الكتابة عنها فحسب، بل عن طريق التصرف بالسلوك الذي يتوافق مع انفراد كل شخص بهويته، وبحق كل مجتمع بالتمتّع بثقافته الخاصة، التي لا بأس إن تلاقحت مع ثقافات أخرى قد تجد فيها استكمالًا لما قد ينقصها، مع التأكيد على الابتعاد عن كل ما يحوّل هذه الثقافة إلى مجتمع محض تابع، مستسلم، مُبعَد عن المشاركة في بناء "القبيلة الكونية الواحدة".
وبما هو من أجمل خاتمات الكتب، ختم "أمين معلوف" كتابه "الهويات القاتلة" بتمنٍّ جميلٍ؛ وهو أن يقرأ حفيده هذا الكتاب، مستغربًا ما قد يدفع جدّه إلى تأليفه، والدفاع عن أفكار أصبحت في زمنه محض مسلمات.
وإنّي أرى، أنَّ في أفكار "معلوف" - على دقتها وحسن استشرافها - مبالغةً في تلطيف نوايا الغرب، فمن يعلم ما بعقول الغربيين المسيطرين، والفرحين من تبعية الشرق لهم - خاصةً العرب - من أفكار قد تكون جهنمية، بكل ما قد تحمله هذه الكلمة من معانٍ ونوايا خفيّة، في ظل ابتعاد المجتمع العربي عن فهم مقصده في تركيب الهوية..
وختامًا، عزيزي القارئ، إن لك هويّتك الخاصة التي لا يشاركك فيها غيرك، حتى توأمك الأصلي، إن الهوية لَأعلى من أن تُحَدَّ في انتماء واحد، أو فكرة واحدة، أو ميل واحد. إنّها أنت، وأنت فقط، فإني -مُتَّفِقًا مع معلوف وشاكرًا له على توضيحه - أرى الهويات على عدد الخلائق.
المرجع: معلوف، أمين (2016). الهويات القاتلة (ط 4)، تر. نهلة بيضون، بيروت: دار الفارابي.

بدر شحادة (باحث في الشؤون التاريخيّة والاستراتيجية)
عندما تُغيّب صُنّاع الوعي.. يتمدد الفراغ!
عندما يُغيَّب الأكاديميّون عن دورهم الجوهريّ في المجتمع ــ وهو قيادة الوعي وتوجيهه على اختلاف مستوياته ــ يصبح من الطبيعي أن يتصدّر المشهدَ مؤثّرون فارغون فكريًّا، فيتّخذهم الناسُ قادةً وموجّهين، لأن الساحة خلت ممّن يستحقّ الصدارة.
لقد انشغل كثيرٌ من الأكاديميين بالنشر في مجلات "سكوبس" والمجلات المحكّمة، وليس في هذا الجهد خطأ؛ لكنّ الاقتصار عليه يحوّل المعرفة إلى دائرة مغلقة، يتحدّث فيها الأكاديمي إلى نظيره، بينما يبقى المجتمع بعيدًا عن جوهر الرسالة ورحابة الفكرة.
وقد سألني أحد المتنطّحين على أطراف الرؤية الضيقة:
- ما نفع الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والأدب؟
- أليس الأولى أن نُعلِّم أبناءنا العلوم؟
والحقّ أنّ العلوم تشكّل رافعة التطوّر، وتبني الصناعات، وتُدرّ الأموال. لكنّ العلوم وحدها لا تنهض بالأمم. فالمجتمعات التي تقدّمت لم تفعل ذلك بالعلم التجريبي فقط، بل بصحبة نُخبٍ ثقافية وفلسفية وسياسية قادت الوعي، ومهّدت الطريق أمام العلماء ليصنعوا مجدهم.
فلم يكن تقدّم الطبّ والهندسة والرياضيات ليبلغ ما بلغ لولا سقراط وأفلاطون وأرسطو، الذين وضعوا قواعد التفكير والمنطق، ودرّبوا العقل على السؤال والنقاش والبحث. فالفلسفة هي التي خلقت البيئة التي ازدهرت فيها العلوم.
كما أنّ ابن الهيثم والخوارزمي والبيروني والرازي قد خرجوا من مجتمع كان فيه الأدباء والفلاسفة والمتكلّمون والمفسّرون صُنّاع الوعي، يفتحون أبواب الفكر ويُوسّعون المدارك. وبالتالي فإن العلماء قد تقدّموا في نظرياتهم وتجاربهم لأنّ بيئتهم الثقافية دفعتهم نحو الإبداع.
وفي أوروبا الحديثة أيضا، فإن نيوتن وغاوس.. وغيرهم، لم يرتقوا بشكل منفصلٍ، بل قامت نهضتهم عبر نخب فكرية ــ مثل ديكارت وروسو وفولتير وكانط ــ أعادت تشكيل نظرة المجتمع للعقل، والحرية، والإنسان، والعلم، فمهّدوا الطريق لثورة علمية غير مسبوقة.
حتّى في التجربة العربية الحديثة، حين كان طه حسين، وسلامة موسى، والأرسوزي، والجابري، وعبد الله العلايلي، يشغلون الفضاء الثقافي العربي، كانت المجتمعات أكثر قدرة على الفهم والتحليل، وأكثر جرأة في قراءة الواقع. وحين غاب أمثالهم - أو غُيّبوا - تمدّد الفراغ، وبرز مؤثّرون بلا معرفة ولا مشروع.
لا ينهض مجتمعٌ بلا قراءة فلسفية لنفسه، وبلا نخبة تدرك دهاليز السياسة الدولية وتناقضاتها وموازين قواها.
ولا يتقدم وطنٌ بلا عقلٍ جمعي يقوده مثقفون حقيقيون، يفتحون الأبواب أمام العلماء، لا أن يتركوا الساحة لمشاهير فارغين يوجّهون الرأي العام ويشكّلون أذواق الناس بلا علم ولا عمق.
إن القيادة قد تكون بلا منصب، ولكنها لا تكون بلا أثر.
إنّها تلك النخب التي تُحرّك السلطة، وتوجّه العلماء، وتبني الوعي، وترفع المجتمع نحو النهوض.. نحو حضارة تستحق أن تكون في الصدارة.. على الدوام.

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)
عزيزي "ديكارت".. أعياني التفكير ولا أشعر بوجودي!
عن أيّ حقيقة وجوديّة تتحدّث يا "ديكارت؟" فأنا لم أعد واثقًا من وجودي، أنا حقًّا أفكّر، هذا ما أنا واثق منه، ولكن لم يخطر ببالي إن كان وجودي مرتبط بالتّفكير أيًّا كان؟ أم بنوعيّة التّفكير؟ فأنت لم توضّح لنا كيف نحقّق بقاءنا، رميت لنا بضع فلسفة وتركتنا مقتنعين سنين وسنين أنّنا ها هنا، بكلّيتنا، بتاريخنا، بمستقبلنا، حتى أُصيبت وجوديّتنا بالأنيميا الحادّة التي تسبّبت لنا بالهلوسة، وأصبحنا مقتنعين أنّنا مُستهدفون، وشبح العدوّ متربّص بثباتنا.
أنا إنسان عربي، أسكن داخل جدران أرواحكم فردًا فردًا، أطرق أبواب عروبتكم، أبحث عن وجوديّتي في زواريب انتماءاتكم، كنت أقرأ داخل أرواحكم فسيفساء الفخر عن حضارة بنيتم عليها حقيقة لا تُمحى. ولكن! لم يتوقّع أحدكم، ولم يقتنع، أنّ الحقيقة ستتحوّل إلى مياه راكدة في بحيرة التّاريخ. ظللتم تضربون الكأس بالكأس إلى أن أُصبتُ باليرقان كأوراق خريف أتهاوى، وكلّما مررت بكم أطلب الدّواء، أجدكم سكارى المجد المنصرم. فلسفتكم عن صحتي معقّدة، حبال "تشربكت" بعضها ببعض، وطاقتي في السّؤال مهدورة تحت راية الصّمود.
كلّما مررت بأحدكم وجدته يخبط قدمه بالأرض، تفور من غليانه فكرة الوطن والانتماء والغد المشرق، وهو يخاف في الحقيقة، أن يفتح أبواب النّور، يخاف أن يقول لا أريد هذا الواقع المفروض، وإنّما أريد واقعهم، هؤلاء الذين طبّقوا فلسفة الحياة، ولم ينظّروا لها، رسموها فعلًا بدل أن يحنّطوها قولًا على جدران خوفهم. هو في الحقيقة يرفض الاعتراف أنّه يذوق اليوم مرارة الخسارة، وأنّ دولاب المجد قد انقلب عليه، ليس لأنّهم كانوا الأقوى، ولا الأذكى، بل لأنّهم نجحوا في أن يُطفئوا في أعيننا شعلة الانتماء المطلق، وقدّموا لنا أطباقًا من الانتماءات العديدة، مع رشّة من البهارات الحارّة عن الفشل الدّاخلي.
لماذا أغرق في عالم التّفكير ومصير وجودي رهن إشارة منهم؟ ليس لأنّهم الأقوى، بل لأنّهم الأذكى في الإغراء. فسألت الذكاء الاصطناعي عن فلسفة التفكير لأفهم ما الذي يغرينا فعلًا تجاههم، ليكون جوابه أنّه عمليّة تحليليّة وعقلانيّة تهدف إلى فهم طبيعة الواقع والمعرفة والقيم. جميل جدًّا هذا العمق في القول، ولكن للحظات تاهت منّي العقلانيّة، ما الفائدة من هذه العبارات الفوّاحة وأنا يأكلني الاصفرار، وينخر حقيقتي فقر الدّم؟ ما فائدة التفكير المطلق إن كان التنفيذ سرابًا؟ لأفهم أنّهم أغرونا بتكفير التّفكير المطلق، والسّير في طريق التّطبيق، فمن المخطئ بيننا؟
وأنا هنا لا أزال أطرق الأبواب راجيًا الدّواء، حتى شعر بي أحدكم، ويقرّر أن ينتشلني من جذوري الذّابلة، ليأخذني معه إلى الطّرف الآخر من العالم لنبدأ معًا مرحلة ما بعد التّفكير، لنكون نحن الوجود، لنحقّق فلسفة الحلم، لنتخطّى فسيفساء التاريخ ونبدأ بلوحة أكثر عصريّة.
"أنا أفكّر إذًا أنا موجود" ولكن بماذا أفكّر وأين أنا موجود؟ هذا هو السّؤال الذي لم نكن نبحث عن إجابته، أفكّر كيف أصبت باليرقان، ما السّبيل للشّفاء، وأين الدّواء؟ ومن الذي صنع هذا الدّواء؟ في الحقيقة سقوطي على أرض نومها عميق أنساني قدراتي، إلى أن جاء ذلك الحالم وأنقذني، أخذني إلى عالم نقل مرحلة الفلسفة القوليّة إلى حقيقة فعليّة. هناك كنت أنا المصنّع، وأنا المفكّر، كنت أنا الكيان بكلّيتي، بعروبتي، بإيماني، ولكن الفرق الوحيد أنّني كنت بأرض حيّة تعرف كيف تزرع الفكر، كيف تدعمه بالدّواء، وكيف يُزهر في شوارعها وجودي، هناك ظهر وجهي التّنافسي، وانقلب على وجهه وجهي التّشاؤمي.
رحلنا ليس نكرانًا للأرض، ولا للماضي، ولا لكلّ وقت حاولنا فيه النّجاة، وإنّما رحلنا لننجو فعلًا. إذ ليست المشكلة في المكوث شرقًا أو غربًا، ولكن المشكلة في رحلة البحث عن الذات الوجوديّة، هل أبقيها مدفونة تحت حجّة العروبة؟ ومن قال أنّنا لم نأخذ عروبتنا معنا لنُثبت وجودها، لنعالجها، حيث انقطع من أرضها الدّواء.
يا "ديكارت" أنا كنت أفكّر ولكني لم أكن موجودًا، كنت مستهلكًا في حرث أرض على سرير الـ"coma"، لست أدري كيف خرجت منها حيًّا، ولكنّي أدري أنّني أنا من عاش هناك، أنا ولا أحد سواي. لم يكن الغرب من احتلّني، ولكن في الحقيقة أنا من استغلّيت الفرصة التي قدّمها إليّ والتي لم أجدها في وهم المستقبل المرسوم على الجدران، فهل أعود الآن؟
إلى أين أعود؟ وأنا أعلم أنّ في عودتي ستغمرني الأنيميا شوقًا قاتلًا بسبب الأعشاب الضّارة التي لم يتمّ اقتلاعها لتنهش عظامي التي ستعود إلى الذّوبان، إلى أين أعود؟ وأنا أعلم أنّ بقاياي الموجودة في أعماق كلّ فرد تصرخ تريد الخروج، تريد الحياة، تريد قتل الفكر الأبدي، ليحيا اليوم حقيقة موجودة.
هل أعود حيث ترعرعت لأكون وفيّا للذكريات؟ فماذا عن اليوم؟ ماذا عن الغد؟ ماذا عن الحلم المبتور في قوقعة المجد الأزلي؟
من يقول إنّ حضارة اليوم هي حضارتهم، هم فقط، فقد أفلتت من يده الحقيقة! هي حضارة الفُرص، من الهند، وباكستان، وإفريقيا، والدّول العربيّة، هي ليست هجرة أدمغة، فمن بقي ليس أقلّ ذكاءً، وإنّما هي هجرة فرص، في سبيل البحث عن الانتماء إلى غد يتحدّى واقعه، حيث أصبح الحلم في الدّاخل مرميًّا على طرقات العجز، مهشّمًا. أليس الوطن حيث نحيا لا حيث نموت؟
أعود إن عدتم إلى الوجود، إن أعددتم لي وطنًا لا يقطع عنّي الدّواء لأموت وأنا أفكّر. هل أوجّه أصابع الاتّهام إليهم؟ أم إلى نفسي التي استسلمت هنا لتحارب هناك؟ أم إلى الفرصة التي منحتني الحياة؟ أم أتّهم العجز؟ "أم أنّ الحق على الطّليان؟".

غنى نجيب الشفشق (كاتبة من لبنان)
أيها الغرب.. لسنا فئران تجارب؟
لا تزال معظم شعوب الدّول، لا سيّما بعض التي وقعت تحت سلطة الاستعمار، تتَّبع الغرب على أنَّه سيّد العالم وقائده، وملك تربَّع على عروش الدّول المستصغَرة. إنّهم في الغرب يعرّفون أنفسهم بأنَّهم صنَّاع المستقبل وأنّ الكون كلّه يدور في فلكهم، متناسين بذلك دور العرب وغيرهم من الدّول في تطوّرهم. الفكرة تولد في رأس من يمتلك أجياب فارغة ولكن تشتريها بثمنٍ بخسٍ عمالقة الاقتصاد، كصدقة منهم ثمَّ يبدؤون بتطويرها. ولكنَّ المضحك المبكي في القصَّة أنَّنا نحن التّجار الصّغار نصفّق لهم عندما ينتهون من تطوير منتجهم بغض النَّظر عن نوعه ومصدره الأساسي حين كان فكرة. زد على ذلك، تصفيق مع ابتسامة وأمنية:" لمَ لم أكن غربيا".
كلّ شعوب الأرض تمتلك عقلا. منها من يستخدمه في تطوير بلده وأهله، ومنها من يضعه في جارورٍ ثمَّ يغلق عليه كهدية لغربيٍّ يوما ما!
الفكرة تعشق من يبحث عنها بعين عقله، ثمّ يدلّلها حتى تصبح جزءًا واقعيا من حياة البشر. فالتكنولوجيا مثلا التي كانت كطفلٍ رضيع في بدايتها، أصبحت اليوم أمًّا للتطوّر والتَّقدم. وهذا لم يعتمد فقط على توليد هذه الفكرة وتدوينها في دفتر المذكّرات، بل بالعمل والسّهر الدّائم.
من المؤسف أن ينظر إلينا كأنَّنا فئران تجارب في هذا العالم! فما زالت تلك الرّؤية الدَّونية لنا من الغرب، ونحن بضبابية عقلنا نتّبع ونصفّق ونصفّر إن لزم الأمر.
ولكن إلى متى؟.. ألن يولد ذلك الجيل الذي ينظر إلينا كأنَّنا مدرسة لإنشاء الفكر؟ إلى متى ستبقى نصف قارات العالم منسية إلا من ورقة امتحان الجغرافيا؟ هذه الخريطة ألا تحتاج رسما جديدا يعيد بنية العالم؟
كل ما ينقصها هو ثلَّة من الأشخاص تدافع عن هويتها قبل أن تنغمسَ حتى الرّأس باتّباعها الأعمى للغرب. المثقّف الحقيقي يمكنه أن يقرأ تاريخَ وطنه والتَّنبؤ بمستقبله، ليس بالمكتوب في الطَّالع، في باطن الكفّ أو في الجرائد الّتي تحاول سرقة عقولنا بمقالٍ، إنَّما بالعودة إلى الجذور والأصل ومعرفة تاريخٍ اندثرت معالمه بالتَّبعية العمياء. يمكنه أن يوقظَ العالم بخطاباته الفعلية لا بالخربشة فوق الجدران وبالإطارات المشتعلة في عرض الطّرقات.
نحن قادة، فنَّانون، ومثقّفون وأصحاب فكر. ودول آسيا وإفريقيا جزء مهمّ من خارطة العالم، ليست فقط معالم جغرافيّة للسيّاحة والسَّفر. ولكنَّنا كمثقفين، كتَّاب، وأصحاب فكر علينا أن نرفعَ صوتنا قليلا ونقول: "إنّنا شعوب ولدت من رحم الكلمة وليست هويّة ضائعة بين الذات والغرب".

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)
هذا زمن العولمة الغربية.. قراءة في الاستلاب الثقافي وذوبان الهويات الوطنية
لم يشهد التاريخ الإنساني مرحلة تشبه العصر الحديث في حجم التفوق المادي والتقني الذي حققته الحضارة الغربية، ولا في قدرة هذه الحضارة على بسط نفوذها على بقية العالم بهذه السرعة والقوة، ومع التحوّلات الكبرى التي أعقبت الثورة الصناعية ثم الثورة الرقمية، وجدت دول العالم الثالث نفسها ـ وخاصة في آسيا وإفريقيا ـ أمام أنموذج حضاري مهيمن، يتقدَّم بخطى ثابتة على المستويين الاقتصادي والعلمي، بينما تواجه شعوب هذه المناطق تحديات التخلف، وتبعات الاستعمار، وضعف البنى السياسية والاقتصادية، ومن هنا بدأ الانبهار، وتعمَّق ما اصطلح عليه بـ "تغريب العالم".
جذور الانبهار وآليّات الهيمنة
ظهر الانبهار بالحضارة الغربية في العالم غير الأوروبي منذ القرن التاسع عشر، حين بدا الغرب قوةً لا تُهزم: جيوش قوية، وعلوم متقدمة، وجامعات، ونُظم سياسية حديثة، وثورة علمية غير مسبوقة، بينما كان العالم الشرقي ـ المثقل بموروثات الاستبداد والتخلف والتجزئة ـ ينظر إلى هذا الأنموذج كما ينظر الطالب الضعيف إلى زميله المتفوّق، فيبدأ في محاكاته دون تمحيص.
ومع الامتداد العسكري والاقتصادي للغرب، تكرَّس أيضًا الامتداد الفكري والقيمي، فالاستعمار لم يكن مجرد احتلالٍ للأرض، بل كان ـ كما وصف مالك بن نبي ـ "استعمارًا للنفس". وقد ابتكر الغرب أدوات عديدة للهيمنة الناعمة:
1. القوة المعرفية والتعليمية: عبر إرسال البعثات، وإنشاء المدارس والجامعات الأجنبية.
2. القوة الإعلامية والثقافية: من خلال السينما، والصحافة، والبرامج، والموضات، واللغة.
3. القوة الاقتصادية: التي تجعل من الدول الفقيرة تابعةً لمنظومات إنتاج غربية.
4. القوة التكنولوجية: التي حوَّلت العالم إلى شبكة مترابطة تُدار من مراكز محددة.
وبهذه الأدوات مُهِّد الطريق لتغريب العالم، لا بالفرض المباشر، بل بالتشرب البطيء لصورة "الأنموذج الأرقى".
الاستلاب الثقافي.. حين يتحول الإعجاب إلى انقياد
الاستلاب الثقافي هو مرحلة أعمق من مجرد الإعجاب، فهو تبنّي غير واعٍ لقيم ومفاهيم حضارية غريبة، مقرون بإحساس بالدونية تجاه الذات، وعندما تتعمّق هذه الحالة، تتحوّل إلى مشروع ذوبان تدريجي للهوية.
ويظهر الاستلاب في عدة مظاهر هي: تبنّي اللغة الأجنبية بوصفها رمزًا للرقيِّ، حتى تُقدَّم على اللغة الأم، وتقليد أنماط الحياة الغربية، في العادات، واللباس، والفنون، من غير وعي بسياقها التاريخي، وتسطيح الثقافة المحلية والنظر إليها باعتبارها تراثًا "متخلفًا" لا مكان له في العصر الحديث، والانبهار بالنظم الغربية دون إدراك لخصوصيات السياق، مما يؤدي إلى استنساخ غير قادر على النجاح.
وقد عبَّر المفكرون عن ذلك بعبارات مختلفة: فـ"مالك بن نبي" تحدث عن "القابلية للاستعمار"، وإدوارد سعيد عن "التمثيل الاستشراقي"، وعبد الوهاب المسيري عن "النموذج المعرفي المادي" الذي يُفرغ الإنسان من جذوره.
العولمة.. حين تتحول العالمية إلى غربية
العولمة في جوهرها يمكن أن تكون حالة تفاعل إنساني رحبة، لكن العولمة كما مُورست كانت مشروعًا غربيًّا بامتياز؛ إذ عملت على جعل العالم سوقًا واحدة للمنتجات الغربية، ومسرحًا واحدًا للقيم السائدة في أمريكا وأوروبا.
فلم تُقِم العولمة وزنًا حقيقيًا للاختلاف الثقافي، ولا سعت إلى تحقيق توازنٍ حضاري؛ بل غدت أشبه بـ"قالب واحد" يجب على شعوب العالم أن تنصهر فيه. وهنا نشأت المخاوف من "التوحيد الثقافي" الذي يُقصي الهويات المحلية لصالح أنموذج مادي استهلاكي.
وفي آسيا وإفريقيا بدأت تظهر: هوات رقمية ومعرفية: تجعل هذه الدول مستهلكة لا منتجة للتكنولوجيا، وتبعية إعلامية وثقافية: تجعل العقل الجمعي يرى العالم من خلال عدسات غربية، وتحولات اجتماعية: تتصادم أحيانًا مع القيم المحلية.
لماذا انبهرت دول العالم الثالث؟
1. الفجوة الحضارية: تفوق الغرب العلمي والصناعي أوحى بأنَّ الاقتداء به هو السبيل الوحيد للنهضة.
2. إرث الاستعمار: ترك الاستعمار شعوبًا مثقلة بالعقد الاقتصادية والسياسية، وغرس فيها شعورًا بالنقص.
3. ضعف النُّخب المحلية: كثيرٌ من النخب المتعلمة في الخارج عادت وهي تحمل الأنموذج الغربي دون نقد، فساهمت في نشره.
4. جاذبية النمط الغربي: الإعلام والسينما والإعلانات صنعت صورة مثالية لحياة الغرب، عزّزت الانبهار.
5. غياب المشروع الحضاري البديل: فلم تقدّم كثير من الدول أنموذجًا ثقافيا قويا يوازن التيار الغربي.
هل التغريب قدرٌ محتوم؟
رغم كل هذا، أثبتَ التاريخ أنَّ الشعوب القوية بهويتها قادرة على التفاعل دون الذوبان، فاليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، والصين أظهرت أنَّ الأخذ عن الغرب لا يعني الاستلاب، إنها تمثل نماذج للنهضة المستندة إلى جذور حضارية محكمة.
أما ما تحتاجه دول إفريقيا والعالم العربي فهو:
1. صياغة مشروع نهضوي مستقل يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
2. إحياء الهوية الثقافية بوصفها مصدرًا للقوة وليس عائقًا للحداثة.
3. إنتاج المعرفة لا استيرادها فقط.
4. تعليم نقدي يعزّز الثقة بالذات، ويعلم الأجيال أنَّ الحداثة ليست حكرًا على حضارة واحدة.
5. إقامة حوار حضاري متوازن يقوم على الاعتراف المتبادل لا الاستتباع.
إنَّ تغريب العالم ليس مجرد عملية ثقافية، بل مشروع حضاري تمتد جذوره إلى قرون من السيطرة والتحكم، لكن الانبهار بالغرب ليس قدرًا محتومًا؛ فوعي الشعوب بذاتها هو الخطوة الأولى لاستعادة التوازن.
إنَّ العالم متعدد الحضارات، والإنسانية لا تتقدم حين تفرض حضارة واحدة لونها على الجميع، بل حين تتكامل الأصوات المختلفة، وتزدهر الخصوصيات ضمن إطار إنساني مشترك.
ويبقى التحدي الأكبر لدول آسيا وإفريقيا هو الانتقال من مرحلة الاستهلاك والانبهار إلى مرحلة الإبداع وبناء الهوية القادرة على التفاعل مع العصر دون أن تفقد روحها، وهذه هي معركة الوعي في زمن العولمة الغربية.
وفيما يلي عرض لمواقف الفلاسفة والمفكرين والأدباء الذين افتُتنوا بالحضارة الغربية، فانجذبوا إلى نموذجها، ودعوا شعوبهم إلى تقليدها والنسج على منوالها، مع تحليلٍ للسياق والدوافع والنتائج:
منذ القرن التاسع عشر ومع ازدياد الاحتكاك الحضاري بين الشرق والغرب، ظهر في العالمين العربي والآسيوي طيف من المفكرين والفلاسفة والكتّاب الذين رأوا في الحضارة الغربية أنموذجًا متقدمًا وناجحًا يستحق أن يُحتذى. وفي نظر هؤلاء، كان الغرب هو "طريق المستقبل"، وكان التقليد أو المحاكاة الثقافية والمعرفية ضرورة لنهضة مجتمعاتهم المتأخرة.
وهذا الموقف، وإن جاء من منطلق الرغبة في الإصلاح، فتح الباب أمام نقاش عميق حول الأصالة، والهوية، والحداثة.
جذور التوجه التغريبي
ظهور هذا الاتجاه لم يكن وليد إعجابٍ سطحي، بل كان نتاجًا لعدة عوامل:
1. صدمة الحداثة الغربية بعد الثورة الصناعية والتقدم العلمي غير المسبوق.
2. الهزائم العسكرية والسياسية التي كشفت ضعف الدول الشرقية أمام أوروبا.
3. رحلات الطلاب والنُّخب إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا، وعودتهم بنظرة إعجاب للنموذج الغربي.
4. الاعتقاد بأن سبب تأخّر الشرق هو تمسّكه بتقاليده، وأن الخلاص في القطيعة مع الماضي.
أبرز أسماء التيار التغريبي ودعواتهم
1. "رفاعة رافع الطهطاوي" (مصر).. البدايات الإصلاحية ذات الميول الغربية: رغم أنه لم يدعُ إلى التقليد الأعمى، فإنَّ انبهاره بفرنسا بدا واضحًا في كتابه "تخليص الإبريز"، فرأى في أوروبا نُظمًا سياسية عادلة، وتعليمًا متقدمًا، ودعا إلى "الأخذ عن الغرب" لتحقيق النهضة، لكنه بقي محافظًا على الجوهر الإسلامي.. كان الطهطاوي يمثّل التغريب المعتدل.
2. "خير الدين التونسي" (تونس).. الأخذ بنظم الغرب: في كتابه أقوم المسالك دعا إلى الاقتداء بالديمقراطية الغربية، والنظام البرلماني، والشفافية الإدارية، معتبرًا أنَّ خطوات الإصلاح لا تتم إلا عبر استنساخ تجربة الغرب في التنظيم والدولة.
3. فرح أنطون (لبنان).. العقلانية الغربية أنموذجًا: دعا إلى الانفتاح غير المشروط على الفلسفة الغربية، واعتبر أنَّ السبيل لنهضة العرب يكمن في إعادة إنتاج العقلانية الأوروبية، وفصل الدين عن الدولة على الطريقة الفرنسية.
4. سلامة موسى (مصر).. التغريب الصريح: هو أحد أبرز دعاة "القطيعة مع التراث"، فقد رأى أنَّ "مستقبل مصر في أوروبا"، ودعا إلى: استبدال الثقافة العربية بثقافة غربية علمانية، وتبنّي اللغة العاميّة وتقليل شأن العربية الفصحى، والإعجاب المطلق بالعلمانية، وعلوم الغرب، والأدب الغربي. ويمثل "سلامة موسى" أقصى درجات الافتتان بالحضارة الغربية.
5. "طه حسين" (مصر).. "الأخذ بالحضارة الغربية من منبعها": في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، قال إنَّ مصر جزء من أوروبا بحكم الجغرافيا والتاريخ، وإنَّ على المصريين أن يسيروا على "النسق الأوروبي في المدنية الحديثة". دعا إلى: تبنّي التعليم الغربي، وتحديث الثقافة العربية على أساس العقلانية الأوروبية. ومع أنه لم يدعُ إلى محو الهوية، إلا أنَّ رؤيته كانت أورومركزية بدرجة واضحة.
6. "قاسم أمين" (مصر).. الغرب أنموذجًا لتحرير المرأة: في سياق دعوته لتحرير المرأة، انطلق من المقارنة المطلقة بين وضع المرأة في الشرق والغرب، واعتبر الحضارة الغربية أنموذجًا جاهزًا يمكن استيراده لتحسين وضع المرأة في العالم الإسلامي.
7. "شبلي شميل" و"يعقوب صرُّوف" (لبنان ومصر).. العلمانية الغربية طريق التقدم: تأثر "شبلي شميل" بالداروينية الاجتماعية، ورأى أنَّ الغرب يمثل أنموذجًا للعلم والحضارة، ودعا إلى: سيادة العقل والعلم، وتبني المنهج المادي والعلمي الغربي.
8. "أتاتورك" (تركيا).. القطيعة الجذرية مع التراث: مثّل "أتاتورك" أقوى أنموذج للتغريب السياسي؛ إذ فرض: تغيير الحروف العربية إلى اللاتينية، وإلغاء الخلافة، وتبنّي الأنموذج الأوروبي للدولة الحديثة، وكانت رؤيته قائمة على الاندماج الكامل في الحضارة الغربية.
9. روَّاد التغريب في إيران وإفريقيا وآسيا:
- ميرزا فتح علي آخوندزاده: هاجم التراث الإسلامي ودعا إلى محاكاة أوروبا.
- جمال الدين الأفغاني في بعض مراحله: رغم نقده للغرب، إلا أنه أعجب بتقدمه العلمي والسياسي ودعا إلى الأخذ منه.
- النخب الإفريقية والآسيوية التي درست في فرنسا وإنجلترا: اعتبرت أنَّ الحضارة الغربية قدر محتوم يجب الالتحاق به.
خلفيات هذا الافتتان بالغرب
1. التأثر بعلوم الغرب: اختراعات الكهرباء، والصناعة، والطب، والجامعات الحديثة، كلها صنعت صورة حضارة متفوقة.
2. الإحباط من الواقع الشرقي: كانت المجتمعات العربية والآسيوية تعيش تخلفًا معرفيًا، وفسادًا سياسيًّا، وضعفًا عسكريًّا، فوجد البعض في الغرب "منقذا".
3. الاستعمار الثقافي: المدارس الأجنبية والإرساليات التبشيرية لعبت دورًا كبيرًا في تكوين نخب فُتنت بالغرب.
أثر هذا التيار المفتون بالغرب على المجتمعات
الآثار الإيجابية: إدخال التعليم الحديث، وتحديث اللغة والأساليب العلمية، وفتح باب النقد والإصلاح، وتأسيس مؤسسات الصحافة والجامعات.
الآثار السلبية: تعميق الاستلاب الثقافي لدى بعض النُّخب، وتقديم الغرب كمرجع وحيد للحداثة، وإضعاف الثقة بالتراث والهوية المحلية، وإحداث قطيعة شعورية بين المثقف والجمهور.
النقد الموجه إلى التيار التغريبي
واجه هذا الاتجاه نقدًا واسعًا من: الإمام محمد عبده ومالك بن نبي وطه عبد الرحمن ود. عبد الوهاب المسيري وإدوارد سعيد وعلي شريعتي. قال هؤلاء إنَّ مجرد استنساخ الغرب لا يصنع حضارة، وإنَّ التقدم المادي لا يبرّر ذوبان الهوية، وأكدوا أنَّ النهضة الحقيقية تقوم على أصالة متجددة لا على تقليدٍ أعمى.
افتتان بعض الفلاسفة والمفكرين بالحضارة الغربية كان جزءًا من حركة الإصلاح والصدمة الحضارية، لكنه أدى أحيانًا إلى تغريبٍ كامل.
وبين الانبهار والرفض، ظل التحدي الأكبر: كيف نأخذ من الحضارة الغربية قوّتها العلمية والفكرية دون أن نفقد خصوصيتنا وهويتنا؟
إنها معركة وعي لا تزال مفتوحة بين "الأخذ" و"الانبهار"، وبين "التفاعل" و"الاستلاب".
رؤية في معركة الوعي الحضاري
في مقابل تيار الانبهار بالحضارة الغربية واعتبارها النموذج الوحيد الممكن للتقدم، ظهر تيار آخر من المفكرين والفلاسفة والأدباء الذين رفضوا التقليد الأعمى، وحاولوا إعادة بناء الذات الحضارية على أسس من الأصالة، وفي الوقت نفسه الانفتاح العقلاني على الآخر دون تبعية أو ذوبان.
يمثل هؤلاء صوتَ "المقاومة الثقافية" الذي حافظ على الجذور، وصاغ مفاهيم نقدية مهمة جعلت قضية الهوية محورًا للنهضة.
السياق التاريخي لظهور تيار الأصالة
ظهر هذا التيار بوضوح بعد أن اتضح:
1. أنَّ استنساخ الأنموذج الغربي لا يؤدي إلى نهضة حقيقية بل تبعية.
2. أنَّ الغرب نفسه لا يقدّم أنموذجًا أخلاقيًا شاملاً؛ فالتقدّم المادي رافقه استعمار، وعنصرية، وصراعات عالمية.
3. أنَّ الخصوصية الحضارية تمثّل عنصر قوة لا ضعف.
4. أنَّ محاولات التغريب أدت إلى أزمة هوية في المجتمعات الإسلامية والشرقية.
وهذا الوعي دفع مفكرين كبارًا إلى إعادة الاعتبار للهوية الحضارية بوصفها أساسًا للحداثة. وأبرز رواد تيار الأصالة ومواقفهم:
1. "جمال الدين الأفغاني" – النهضة من الداخل: رغم انفتاحه على الغرب، إلا أنه رفض الانبهار به، وحذّر من الاستعمار الفكري، ودعا إلى: إحياء العقل الإسلامي، والاعتماد على الذات في الإصلاح، ورفض الذوبان في الغرب، وكان يؤمن بأنَّ النهضة تأتي من تحرير الإرادة الشرقية لا من تقليدٍ خارجي.
2. "محمد عبده" – الأصالة المنفتحة: أعاد تفسير الإسلام بما يجعله قادرًا على استيعاب العصر، وقال إنَّ "ما عند الغرب من خير إنما هو نتيجة العمل بما في ديننا من روح". ورفض التقليد الأعمى، ودعا إلى: إصلاح ديني داخلي، وتحديث التعليم من الجذور (العربية – الإسلامية)، والجمع بين العقل والدين. ويمثّل "محمد عبده" تيار الإصلاح القائم على الهوية والذي ينهل من الأصالة دون انغلاق.
3. "رشيد رضا" – حماية الهوية: قاوم التغريب الثقافي والسياسي، وخصوصًا الدعوات للفصل التام بين الدين والدولة، واعتبر أنَّ الغرب يريد تفكيك المجتمعات الإسلامية عبر التقليد.
4. "محمد إقبال" (الهند/ باكستان) – بناء الذات الروحية: كان من أقوى الأصوات التي رفضت الانبهار، وطرح مفهوم "الخُودي" (الذات) التي تعني: استقلال الفرد والمجتمع، وبناء قوة داخلية لا تستند إلى الغرب، والعودة إلى الجذور الروحية لصنع نهضة أصيلة.
5. "مالك بن نبي" (الجزائر) – نقد القابلية للاستعمار: من أهم مفكري القرن العشرين، قال إنَّ المشكلة ليست في الغرب فقط، بل في "القابلية للاستعمار" داخل الشعوب المتأخرة، ودعا إلى: استعادة الفاعلية الثقافية، وبناء حضارة من الداخل، وإعادة تعريف العلاقة بالغرب كعلاقة ندّية.
6. "عبد الوهاب المسيري" (مصر) – نقد النموذج الغربي المادي: قدَّم مشروعًا ضخمًا في نقد الصهيونية والمركزية الغربية، واعتبر أنَّ الغرب المعاصر قائم على: النموذج المادي الذي يُفرغ الإنسان من قيمه، والإنسان الأداتي المنتج والمستهلك بلا هوية، ودعا إلى أنموذج إنساني يستعيد الإنسان المتجذّر في قيمه وثقافته.
7. "طه عبد الرحمن" (المغرب) – فلسفة الهوية الأخلاقية: يُعدّ من أهم الفلاسفة العرب المعاصرين، وقد دعا إلى: التحديث الأخلاقي لا المادي فقط، ونقد "العقلانية الغربية المتعالية"، وبناء حداثة (عربية – إسلامية) من داخل اللغة والروح، وطرح مفهوم "التأصيل" المعرفي والفلسفي.
8. "علي شريعتي" (إيران) – العودة إلى الروح الثورية للتراث: كان يرى أنَّ التغريب يفرّغ المجتمعات من طاقتها، وأنَّ: الإسلام يحمل مشروعًا تحرريًا، وأنَّ الاستلاب الثقافي أخطر من الاستعمار العسكري، وأنَّ النهضة تأتي من الوعي الذاتي لا من المحاكاة.
9. "أنور عبد الملك" (مصر) – نقد الاستشراق والعنف الثقافي: وصف علاقة الغرب بالشرق بأنها علاقة هيمنة معرفية، ودعا إلى: تحرير الخطاب العربي من التبعية، وبناء علم اجتماع عربي أصيل.
10. "إدوارد سعيد" (فلسطين/ أمريكا) – فضح خطاب الاستشراق: في كتابه الشهير "الاستشراق"، كشف كيف صنع الغرب صورة مشوَّهة عن الشرق لتعزيز تفوقه. وكان موقفه مقاومة فكرية ضد: الهيمنة الثقافية، والخطابات الغربية التي تبرر السيطرة، ودعا إلى أن يكون الشرق مؤلفًا لا موضوعًا.
11. مفكرون وأدباء في إفريقيا وآسيا
- "نغوجي واثيونغو" (كينيا): دعا إلى "إزالة الاستعمار من الذهن"»، والكتابة بلغات الشعوب لا بلغة المستعمر.
- "رابندرانات طاغور" (الهند): انتقد التحضّر الغربي المادي، ودعا إلى حضارة روحية إنسانية.
- "هو تشي منه" (فيتنام): قاوم الهيمنة الفرنسية ثقافيًا وفكريًا معًا.
سمات الخطاب المناهض للتغريب
يمكن تلخيص أهم ملامح هذا الخطاب في النقاط التالية:
1. الأصالة ليست انغلاقًا: معظم هؤلاء لم يرفضوا العلم أو التقدم، بل رفضوا: الاستلاب، والتقليد، والذوبان، وتمسكوا بـ "التفاعل الواعي".
2. رفض المركزية الغربية: أكدوا أنَّ: الحضارات متعددة، وأنَّ الحداثة ليست ملكًا للغرب وحده، وأنَّ لكل أمّة حقها في تطوير نمطها الخاص من التقدم.
3. إعادة بناء الهوية: ركّزوا على: اللغة، والثقافة، والذاكرة الجماعية، والقيم الأخلاقية، ورأوا أنَّ الهوية قوة دافعة للنهضة لا عقبة.
4. نقد العلمانية المتطرفة والأنموذج المادي: اعتبروا أنَّ العلم بلا أخلاق يؤدي إلى: الاستعمار، والاستهلاكية، وتفكك الروابط الإنسانية.
5. الوعي النقدي: وضعوا منهجًا واضحًا يقوم على: القراءة النقدية للغرب، والقراءة النقدية للتراث أيضًا، والبحث عن "جسر" بين الماضي والمستقبل.
أثر تيار الأصالة في الفكر العربي والشرقي
1. إيجابيات: الحفاظ على الهوية، ومنع الذوبان الثقافي الكامل، وإنتاج فكر نقدي تجاه المركزية الغربية، وتحفيز مشاريع النهضة المستقلة، وإعادة الاعتبار للتراث بوصفه مخزونًا حضاريا.
2. سلبيات بعض اتجاهاته: بعض التيارات انزلقت نحو الانغلاق أو الأصولية، الخلط أحيانًا بين نقد التغريب ونقد التقدم نفسه.
ومع ذلك، بقي تيار الأصالة الاتجاه الأكثر محافظة على التوازن بين الذات والآخر.
معركة الهوية بين الأخذ والاستقلال
يمثل المفكرون الذين قاوموا التغريب خط الدفاع الأخير عن الذات الحضارية، وقد أدركوا أنَّ: التقدم لا يُستورد جاهزًا، والهوية لا تُشترى من الخارج، والنهضة لا تقوم على التقليد، بل على الإبداع من الداخل. لقد صنع هؤلاء المفكرون "وعيًا مقاومًا" يرفض رؤية العالم من خلال عين الآخر، ويصرّ على أنَّ الأصالة شرط للحداثة الحقيقية، وأنَّ الأمّة التي تفقد جذورها، تفقد مستقبلها.
معركة الوعي بين التبعية والاستقلال
يُظهر التحليل أنَّ ظاهرة التغريب لم تكن مجرد نقاش ثقافي، بل كانت - ولا تزال - معركة وعي حضاري بين نموذجين:
أنموذج يرى التقدّم في الاندماج في الحضارة الغربية بوصفها الأنموذج الأوحد، وأنموذج آخر يرى أنَّ التقدم الحقيقي ينشأ من داخل الذات الحضارية عبر التحديث المتزن، والانتقاء الواعي، ورفض الاستلاب.
وهكذا، فإنَّ أيَّ مشروع نهضوي معاصر يحتاج إلى: عقل نقدي لا يذوب في الآخر ولا ينغلق عنه، وهوية ثابتة قابلة للتجدّد، ووعي حضاري يدرك أن التقدم ليس استنساخًا بل إبداعًا، ورؤية مستقبلية تُزاوج بين الأصالة والانفتاح.
وبهذا التوازن وحده يمكن للعالم العربي والشرقي أن يبني نهضته الحديثة دون أن يفقد جذوره، وأن يستفيد من الغرب دون أن يتحوّل إلى نسخته الأدنى.

ختام زاوي (كاتبة من تونس)
المثقف العربي بين مطرقة الاستشراق وسندان التقليد
لقد خرج الغرب، انطلاقا من تاريخ معين، من قمقمه، حتى انتهى إلى السيطرة على الكرة الأرضية بأكملها. ولم يكن ذلك حدثا جديدا، فقد فرض على الشعوب الأخرى أسلحته و"إلهه" وقوانينه وتجارته ولغاته وهذا الشكل الأول من الهيمنة. في الوقت نفسه، كان الشرق يحاول العمل على القبول والامتثال بوسائل ملتوية، ليدلّ بذلك على الاعتراف بقوة الغير.
فلم تكن عملية التغريب تهم النخبة القليلة من الساسة أو من الطبقة البرجوازية، فقد كان هدفها الاستيلاء على عقول البسطاء الذين يمثّلون النسبة الأكبر، حتى لا يملك المثقف العربي السيطرة على تغيير المنهج الفكري أو التفوق على ما يعدّه الغربي من ثقافات تحسينية للوضع في الشرق تحت اسم التحديث.
لذلك فإن المثقف العربي يقف أمام أزمة هوية، أي تصادم بين الثقافة الأصيلة والقيم الوافدة، مع ضغط الحداثة والتكنولوجيا والإعلام.. فكيف يستطيع المثقف العربي مواجهة الثقافة الغربية المهيمنة دون الوقوع في فخّ الرفض المطلق أو التبعية الكاملة، وفي ظلّ التحولات العميقة التي تفرضها الحداثة والعولمة على الهوية العربية؟ وهل يملك المثقف العربي قدرة إنتاج مشروع ثقافي مستقل في مواجهة التأثير الغربي، أم سيظل أسيرا حضاري خارجي؟
الاستشراق والمثقف العربي.. حدود المعرفة وميادين الصراع
يقول "إدوارد سعيد" في كتاب "الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء": "الشرق الذي يظهر في الاستشراق، هو نظام من الصور التي تمثله والتي صاغتها مجموعة كبيرة من القوى والتي أدخلت الشرق في مجال العلوم الغربية والوعي الغربي". فالاستشراق، بحسب "سعيد"، ليس مجرد دراسة موضوعية للشرق، بل هو عملية إنشاء وخلق لـ"شرق مُتخيَّل" يخدم حاجات الغرب النفسية والسياسية. هذا الشرق المُصنّع يتّسم بخصائص نمطية: الغرابة، الجمود، الاستبداد، الحسية، الدونية الحضارية. إنه ليس الشرق الحقيقي بتنوّعه وتعقيداته، بل صورة مسطّحة تختزل واقعا معقدا في قوالب جاهزة.
لذلك فالعملية الاستشراقية لم تكتفِ بدراسة الشرق، بل أدخلته في منظومة معرفية غربية، فلم يكن التغريب مجرد استيراد للتقنية، أو تقليد للأنماط الاستهلاكية، بل هو في جوهره عملية استلاب معرفي تجعل الآخر مركزا للمعنى ومقياسا للقيمة، بينما تتحول الذات إلى هامش يدور في فلك لا يملك السيطرة عليه.. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في التسليم بالتفوق المطلق للغرب على الصعيد الحضاري دون محايدة أو انحياز إلى الموروث.. لتنتزع الفاعلية التاريخية عنه وتحوّله إلى كيان ساكن، متلقٍّ للتأثيرات الخارجية، فتهيمن المنظومة الغربية المعاصرة على المجتمع الشرقي وهياكله بفرض نماذج معرفية لا تقدّمه فقط كمنهج، بل تقدّمه: كأنموذج اقتصادي رأسمالي، أو أنموذج ديمقراطي ليبرالي، أو أنموذج اجتماعي للحرية والفردانية، وأنموذج علمي في الجامعات والبحث، وبذلك ينتشر الأنموذج الغربي بوصفه الأنموذج "الافتراضي" أو "العالمي"..
وقد أثبت "صحة" نماذجه من خلال: التطور الصناعي، الذكاء الاصطناعي، الإنترنت ووسائل الإعلام..
حينها يتحول العقل العربي من عقل يرغب في التعلم إلى عقل مقتنع بالدونية الذاتية، يتغذى على المنتوج الدخيل دون وعي، وغير مدرك تماما أن التقليد هو مجرد فكرة خادعة.
وفي هذه الظروف سوف يعني التقليد نمطا وأسلوبا حضاريا يتماشى مع العصر بواسطة النخبة التابعة للاستشراق والتي تتناقض مع النخبة الداخلية التقليدية الجامدة.. باختصار، فالمثقف العربي قد يكون في مواجهة نخبتين متناقضتين: نخبة خارجية غربية مستشرِقة ونخبة محلية محافظة.
كيف يواجه المثقف العربي أزمة الهوية الناتجة عن سيطرة أنموذج حضاري غربي مستشرِق، في الوقت نفسه الذي يقابله فيه تقليد محلي جامد، وما الوسائل التي تمكنه من تحقيق استقلالية فكرية وتوازن بين الانفتاح والتشبّث بالخصوصية الثقافية؟
مسؤولية المثقف بين النقد والتأسيس
يقول "هاشم صالح": "كل مثقف يتحدث بصراحة عن الأمراض أو الرواسب التي يعاني منها الشعب، يعتبرونه ضد الشعب". تكشف مقولة "هاشم صالح" عن واحدة من أعمق المفارقات في علاقة المثقف بمجتمعه، خصوصًا في ثقافة "التابو" التي تتجلى فيها المقدسات المحرّمة. فالمجتمعات العربية تعاني من تضخّم خطير في دائرة المحرمات التي تحاصر المثقف الناقد: المقدس الديني يجعل أي نقد للخطاب الديني السائد كفرًا أو زندقة، والمقدس القومي يضع التاريخ والتراث واللغة فوق النقد فيصبح التساؤل عنها خيانة للأمة، والمقدس السياسي يحصن القائد والنظام من المساءلة فيتحول النقد إلى جريمة، والمقدس الاجتماعي يحمي البنى الأبوية والقبلية من أيّ مساس. وهكذا يجد المثقف نفسه محاصرا بحقل ألغام من المحرّمات، حيث أن أيّ خطوة نحو النقد الجاد قد تفجر اتهامات بالخيانة أو العمالة، مما يحول دون قيامه بدوره التنويري في فحص المسلمات وتفكيك البنى التي تعيق التقدم.
المثقف العربي في كفاح طويل من أجل التحرر السياسي والعقائدي والذي شهد معارضة عنيفة وأحيانا متقلبة بين التجديديين والمحافظين، المتدينين والعلمانيين، الراديكاليين والمعتدين.. فيجد نفسه في حالة دفاع على نفسه واستنتاجاته متكيّفا مع وضعه السابق ويدرك منذئذ أن الإيديولوجيات الإسلامية تشكل صورة محسوسة أمام القوة الغربية فإما أن تتلاشى أو تنغلق أو تتكيف مع الواقع دون الوقوع في فخ التبعية المطلقة.. ولكنه يدرك تماما أن الضغط الخارجي محتدم سينتهي إلى اختناق اقتصادي بعد رفض التبادل وإلى تفكيك أوصال المجتمع..
فكيف يوازن المثقف العربي بين مواجهة صدّ المجتمع المحافظ وخطر الهيمنة الغربية، ليتمكن من الانفتاح على الغرب دون فقدان هويته أو التعرض للعزلة؟
المثقف العربي اليوم يقف أمام مسؤولية مزدوجة: النقد للخطاب الغربي الذي يقدّم نفسه كأنموذج كوني وحيد، والتأسيس لبدائل معرفية تنطلق من الخصوصية الحضارية دون أن تنغلق عليها. فدور المثقف لا يكمن في رفض الغرب جملة وتفصيلا فهذا موقف انفعالي لا يؤدي إلا إلى مزيدا من التخلف، ولا في التماهي الكامل معه فهذا انسلاخ عن الذات، بل دوره الحقيقي يتمثل في الانتقائية الواعية التي تعني الأخذ من الغرب ما هو كوني وإنساني (العلم، المنهج النقدي، قيم الحرية والعدالة) مع رفض منطق الهيمنة والاستعلاء الحضاري، والاستفادة من التراث بما ينفع الحاضر دون تقديسه أو رفضه كليا. هذا التوازن الدقيق هو ما يمكّن المثقف من بناء حداثة خاصة، لا هي استنساخ غربي ولا هي انكفاء تراثي، بل تركيب إبداعي يحترم الذات ويحاور الآخر في آن معا..
التاريخانيّة كمنهج للخروج من الأزمة
يقول "عبد الله العروي" في كتابه "العرب والفكر التاريخي": "إن سير التاريخ لا يتوقف على المثقف، لكن المثقف مطالب بالخضوع إلى قوانين التاريخ إن أراد أن يكون له وجود وتأثير". ينتقد "العروي"، في مشروعه الفكري، أنموذجين للمثقف العربي: المثقف السلفي الذي يريد العودة إلى الماضي متجاهلاً قوانين التطور التاريخي، معتقداً أن استعادة أنموذج سابق ممكنة دون اعتبار للتحولات البنيوية. والمثقف الليبرالي الانتقائي الذي يأخذ من الحداثة الغربية قشورها دون فهم الشروط التاريخية التي أنتجتها، فيقع في التوفيقيّة العقيمة.
وهي رؤية تستدعي الكثير من التساؤلات حول الإيديولوجيين العرب، الذين يعتقدون ببداهة فكرهم ولا يشغلون بالهم إلا قليلا، في إدراك أنهم يفكرون فيستمرون في اتجاه يقدّم الماضي القريب كانحطاط غير مستحق والمستقبل كوعد سوف يوفى به عاجلا أم آجلا دون وعي كامل بآليات التفكير أو الأخطاء المحتملة. فيبدو المؤرخ العربي وحيدا في استنتاج أهمية التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل، ومن هنا نتطرق إلى مفهوم التاريخانيّة ودورها في التقدم العربي. فما هي التاريخانيّة؟ ولماذا تحتاج المجتمعات العربية إلى التاريخانية؟
التاريخانية - كما يطرحها عبد الله العروي وآخرون - ليست مجرد منهج أكاديمي لدراسة التاريخ، بل هي رؤية شاملة للوجود الإنساني تؤمن بأن كل ظاهرة اجتماعية أو فكرية هي نتاج شروطها التاريخية المحددة، وتقوم على مبادئ محورية: النسبية التاريخية حيث لا توجد حقائق مطلقة خارج التاريخ، والصيرورة والتطور المستمر للمجتمعات والأفكار، والحتمية النسبية التي تعترف بقوانين التاريخ الموضوعية دون جمود ميكانيكي، والسياق كمفتاح لفهم أي ظاهرة.
هذا المنهج يشكل مدخلاً حاسمًا لفهم أزمة التخلف العربي، إذ تعاني المجتمعات العربية من وعي ماهوي يرى للإسلام جوهرًا ثابتًا خارج التاريخ وللأمة هوية أزلية، ويبحث عن الحلول في الماضي عبر "العودة إلى السلف"، مما يشلّ القدرة على التقدم برفض الاعتراف بالتأخر التاريخي واعتبار التحديث خيانة للهوية. بالمقابل، تقدم التاريخانية بديلاً تحرريًّا يحرر التراث من القداسة بفهمه كنتاج لسياقات تاريخية محددة، ويعترف بالتأخر التاريخي كواقع موضوعي لا عيب أخلاقي، ويفهم الحداثة كعملية تاريخية لا يمكن استيراد نتائجها دون المرور بعملياتها.
وتظهر التطبيقات العملية للتاريخانية في عدة مجالات: في الفكر الديني من خلال النقد التاريخي للنصوص ونسبية الاجتهاد الفقهي وتجديد الخطاب الديني، وفي السياسة عبر نقد الاستبداد التاريخي وبناء الدولة الحديثة والتدرج في الإصلاح، وفي الثقافة والهوية بتبنّي هوية ديناميكية منفتحة تتجاوز ثنائيات الأصالة والمعاصرة، وفي التعليم بتدريس التاريخ نقدياً وتعليم التفكير النقدي بدلاً من التلقين.
رغم الاعتراضات الدينية حول تذويب الدين في التاريخ، والثقافية حول محو الهوية، والسياسية حول تبرير الوضع القائم، فإن التاريخانية لا تنفي المطلق الإلهي بل تنفي مطلقية الفهم البشري، ولا تلغي التراث بل تضعه في سياقه، ولا تبرر الواقع بل تفسره لتغييره بفاعلية. وتقدّم تجارب اليابان التي حققت الحداثة دون فقدان الهوية، وتركيا بقطيعتها الجذرية التي خلقت توترات مستمرة، والصين بتحديثها الانتقائي، نماذج لمسارات متعددة نحو الحداثة.
لكن تطبيق التاريخانية في العالم العربي يواجه معوقات فكرية كالوعي الماهوي المتجذّر وهيمنة الخطاب السلفي، ومعوقات سياسية كالاستبداد وتوظيف الدين سياسيا، ومعوقات اجتماعية كالبنى التقليدية والأمية والاغتراب الثقافي.
والخلاصة أن التاريخانية ليست حلاًّ سحريًّا لكنها شرط ضروري للتقدم العربي، إذ تمكّننا من فهم واقعنا بموضوعية، ونقد تراثنا بحرية، والانفتاح على الآخر بثقة، وبناء حداثتنا الخاصة، فالمطلوب ليس تطبيقها كإيديولوجية جامدة، بل تبنّي روحها النقدية التي ترى الإنسان والمجتمع في حركة تاريخية مستمرة، وهذا الوعي التاريخي وحده كفيل بتحريرنا من سجن الماضي ودفعنا نحو المستقبل..

وفاء داري (كاتبة باحثة من فلسطين)
"تغريب العالم" ومسؤولية المثقف العربي في الزمن الرقمي
ليس مفهوم "تغريب العالم" مجرد توصيف لحضور الغرب في تفاصيل حياتنا، بل هو حالة ثقافية شاملة تتجاوز حدود التكنولوجيا والاقتصاد لتطال تشكيل الوعي ذاته. فبقدر ما تحرّرت الإنسانية من قيود الجغرافيا بفعل الثورة الرقمية، بقدر ما أصبحت أكثر انكشافاً أمام منظومة قيمية تنتجها مراكز قوة محددة، وتعيد تشكيل الذائقة والسلوك والرؤية للحياة. وهنا تتبدّى خطورة اللحظة الراهنة: فالتغريب ليس انتقالاً قسريًّا نحو النموذج الغربي، بل تحوّله إلى معيار عالمي يفرض منطقه بوصفه الطبيعي، حتى على الشعوب التي تمتلك تاريخًا وثقافات مختلفة.
ومفهوم "تغريب العالم"، أو بكلمات أدق "الاستعمار الثقافي الناعم"، يشير إلى فرض النمط الغربي في التفكير والثقافة والاقتصاد والسياسة ونمط الحياة على المجتمعات الأخرى، بحيث تصبح "الحداثة" و"العالمية" مرادفتين للغرب، ولا سيما أوروبا وأمريكا. وتتجلّى أبرز أبعاده في الهيمنة الثقافية التي تفرض قيم الغرب وسلوكياته ولغاته بوصفها الأنموذج الأمثل؛ وفي التمركز حول الذات الغربية التي تُخضع العالم لمنطقها، فتجعل الآخر متأخرًا أو تابعًا. ويُضاف إلى ذلك النمط الاقتصادي والسياسي الموحّد، من خلال نشر الرأسمالية والديمقراطية الغربية باعتبارهما الطريق الأوحد للتقدّم. كما يسهم التغريب في إضعاف الهويات المحلية وتهميش اللغات والثقافات الأصلية لصالح الأنموذج الغربي. لذا يُطرح المفهوم غالبًا بنبرة نقدية في دراسات "ما بعد الاستعمار" التي تقارب قضايا الهوية والثقافة؛ إذ يُنظر إلى تغريب العالم بوصفه محاولة لتحويله إلى نسخة موحّدة تقصي التنوّع الحضاري باسم التحديث والعولمة.
لقد وجد العرب أنفسهم، بحكم الإرث الاستعماري من جهة، وهيمنة التكنولوجيا الغربية على تفاصيل الحياة اليومية من جهة أخرى، داخل دائرة تأثير تُعيد تشكيل العلاقة بالهوية واللغة والذاكرة. ومع الانفتاح اللامحدود، لم يعد الاحتكاك بالغرب مقصورًا على المعرفة، بل أصبح استهلاكًا متواصلًا لصورته ولغته وأنماط عيشه، حتى انزاحت الحدود بين الإعجاب المشروع والتبعية غير الواعية. والخطر الأكبر لا يكمن في التأثر، بل في القبول الضمني بأن الغرب هو مركز العالم، وأن بقية الثقافات مجرد أصداء أو ملحقات.
ولكن، ما الغرب الذي نتحدّث عنه؟ إنه ليس جغرافيا محددة، ولا مجرد إرث فلسفي أو تاريخ استعماري؛ بل شبكة من القيم والمفاهيم التي انتقلت من سياقها المحلي إلى الفضاء العالمي. الغرب فكرة قبل أن يكون مكانًا، صنعتها النهضة الأوروبية ثم صقلتها الحداثة الرأسمالية، وامتد تأثيرها عبر أدوات ناعمة، من التعليم إلى الإعلام، إلى الخيال الجمعي. وحين تتسلّل هذه الفكرة إلى الوعي العربي بلا مساءلة، تتحوّل إلى حاجز داخلي يمنع النظر إلى الذات خارج مرآتها.
وهنا تتقدّم مسؤولية المثقف العربي بوصفها ضرورة تاريخية لا ترفًا فكريًّا. فالمثقف اليوم ليس شاهدًا على التحوّلات فحسب، بل طرفا فاعلا في موازين القوى داخل المجال الرمزي؛ يمتلك القدرة على إنتاج معرفة بديلة، وإعادة صياغة الأسئلة بما يمنح الإنسان العربي قدرة على التمييز بين التفاعل الخلّاق مع الآخر، وبين الذوبان في نسقه. وليست المهمة في الانكفاء أو الدفاع الغريزي عن الأصالة، بل في محاورة العصر من داخل لغته، عبر رؤية إنسانية تقاوم التنميط وتستعيد التعدّد الثقافي للعالم.
إن التحصين الثقافي لا يتحقق بالخطابات الوعظية، بل ببناء مشاريع فكرية وتعليمية تُرسّخ الوعي النقدي لدى الأجيال. فالعربي الذي يعيش في فضاء افتراضي كوني يحتاج إلى أدوات قراءة لا إلى أسوار عزل. وعندما يمتلك هذا الوعي يصبح قادرًا على التفاعل مع التكنولوجيا من موقع الفاعل لا المستهلك، وعلى توظيفها لصالح مجتمعه وهويته.
ومن المفارقات أن ظاهرة التغريب، رغم اتساعها، تواجه اليوم مقاومات داخل الغرب ذاته؛ فهناك أجيال جديدة في الجامعات والحركات الثقافية تناهض المركزية الغربية وتبحث عن نماذج أكثر إنسانية وعدلًا. وهذا الحراك يمنح المثقف العربي فرصة للمشاركة في إنتاج خطاب عالمي جديد يقوم على احترام الخصوصيات لا إلغائها. غير أن اغتنام هذه الفرصة يقتضي حضورًا عربيًّا واثقًا، ورؤى فكرية تضيف إلى العالم ولا تكرّر صدى ما ينتجه.
إن التغريب ليس قدرًا، والهوية ليست معركة دفاعية. وما يحتاجه العرب اليوم هو مثقف يرى العالم من موقع الشريك لا التابع، ويستثمر التحولات التكنولوجية لتعميق إنسانية الثقافة العربية، لا لابتلاعها. وبين الانفتاح والخصوصية، وبين التفاعل والمساءلة، يولَد المستقبل الذي يليق بالأجيال القادمة.

يوسف الشمالي (كاتب من لبنان)
متى يصبح المثقف العربي "مصفاة" للأفكار لا إسفنجة لها؟
يبدو أنّ الانبهار العربي بالغرب وصل إلى مرحلة يمكن وصفها طبيًّا بـ"فقدان التوازن الحضاري"، وهو مرض موسمي يبدأ عادة عند شروق أيّ خبر تقني جديد في أوروبا أو أمريكا، وينتهي بعد دقائق.. حين نكتشف أن الأمر لا يعدو عن جهاز يشبه ما نملكه، لكن بشعار تفاحة مقضومة. ومع ذلك، يصرّ كثيرون على أن الغرب هو "العالم"، وكل ما عداه - نحن مثلاً - مجرد كواكب قزمية تدور في مداره الثقافي والفكري، كأنّ مصيرنا هو أن نكون امتدادًا لجاذبيته، لا لأنفسنا.
ولكن، دعونا نسأل بكل براءة الطفل الذي يعرف الحقيقة لكنه يخشى صدمة الكبار: ما هو هذا الغرب بالضبط؟ هل هو مكان جغرافي تشرق فيه الشمس بطريقة أكثر حداثة؟ أم هو المنطقة الصناعية التي أنتجت الرأسمالية ثم صدّرتها لنا معبّأة كعلب السردين؟ أم هو مجرد "فكرة" هبطت على العقل العربي، فأصابته بحالة انبهار مزمن جعلته يتسامح مع كل شيء، حتى مع تقلّبات الفصول الفكرية؟
الغرب بالنسبة إلى كثيرين ليس مكانًا، بل "وضعية"، موديل تفكير جاهز مع دليل استعمال: افتح عقلك، أزل كل ما يُشبه التراث، ضَع قليلًا من التكنولوجيا في الواجهة، أضِف كلمات أعجمية للتزيين، ثمّ حرّك جيدًا، (voilà!) أنت الآن "متغرّب مع مرتبة الشرف".
لكن المشكلة ليست في الغرب بحد ذاته؛ هذا الكائن الحضاري لا ينام الليل من أجل تطوير تكنولوجيا جديدة، ولا يمكن لومه إن قرّر تصديرها مع قليل من فلسفته وقيمه. المشكلة الحقيقية تكمن في القابلية المفتوحة لدينا لشراء كل شيء، حتى الأفكار المُعلّبة، مع أنّ تاريخنا قادر على إنتاج ما هو أعمق من ذلك بكثير.
لقد احتكر الغرب التكنولوجيا وبدأ بتوظيفها لنشر قيمه وفلسفاته: هذا أمرٌ طبيعي في لعبة القوى. لكن غير الطبيعي أن نحتكر نحن دور المتلقّي فقط، أو أن نمارس دور "المستهلك الحضاري" الذي يُصفّق لأيّ تطبيق جديد كأنه اكتشاف كوني. أما حين يتعلّق الأمر بتراثنا، فسرعان ما نصبح خبراء في التشكيك، ومتخصّصين في الحرج الثقافي.
فهل نحن متّجهون فعلاً نحو التغريب الكامل؟ ربما! فالعالم اليوم يعيش حالة "تغريب جماعي"، وآسيا وإفريقيا تحديدًا في حالة اختبار يومي لهويتهما. لكن السؤال الأهم: أين يقف المثقف العربي في هذا المسار؟ هل هو مشاهد في مسرحية لم تُمنح له فيها أيّ جملة؟ أم عليه أن يستعيد دوره التاريخي وأدواته، لا ليحارب الغرب، بل ليحرر العقل من "تقديس" الغرب؟
المشكلة ليست في التواصل مع الغرب، بل في أن يكون هذا التواصل أحادي الاتجاه: نحن ننظر إليه بانبهار، وهو ينظر إلينا كتجربة إثنوغرافية لطيفة. المثقف العربي اليوم مطالب بأن يكون "مصفاة" للأفكار، لا إسفنجة لها. عليه أن يفتح النوافذ، لكن دون أن يترك الريح تقلع السقف. أن يمنح الأجيال القادمة القدرة على التفاعل النقدي، لا التقليد الذائب في الآخر.
ثمّة احتمال آخر، غير متوقّع، لكنه أكثر إثارة: قد تنشأ في الغرب نفسه أجيال جديدة ترفض هذا الاتجاه نحو "تغريب العالم". شباب غربيّون بدأوا يفتشون عن المعنى خارج الاستهلاك، ويبحثون عن صوتٍ إنساني يتجاوز ضجيج التقنية. إنهم يشكّلون تيارًا صغيرًا اليوم، لكنه واعد، وقد يصبح يومًا ما شريكًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الشرق والغرب على أساس الاحترام المتبادل والتنوع الحقيقي.
الكرة الآن في ملعب المثقف العربي، لكن المطلوب منه ليس كتابة المزيد من الرثائيات عن الماضي، ولا إلقاء خطب تحذيرية عن ضياع الهوية. المطلوب ببساطة أن يقدّم "بديلًا فكريًّا"، مشروعًا معرفيًّا قادرًا على التفاعل مع التكنولوجيا دون الذوبان فيها، وعلى بناء ذائقة فكرية وعاطفية لدى الأجيال الشابّة تجعلهم يفكّرون قبل أن يصفّقوا، وينقدون قبل أن يتبنّوا، ويختارون قبل أن يقلّدوا.
قد لا نوقف التغريب، لكن يمكننا على الأقل أن نتوقّف عن اعتباره "آخر صيحات الموضة". وربما، فقط ربما، حين نستعيد ثقتنا بعقلنا وهويتنا، سنكتشف أن الحداثة ليست ملكًا لأحد، ولا الغرب هو العالم.. وأن العالم الحقيقي هو ذاك الذي نصنعه بأيدينا.

