فرنسا.. قصة أخرى عن الشعبوية الزاحفة على الديمقراطية

حَدثَ ما لم تتوقعه استطلاعات الرأي في فرنسا؛ حلّ النائب إيريك سيوتي أولا في الانتخابات التمهيدية التي أجراها حزب الجمهوريين ليخوض جولة نهائية في مواجهة النائبة والوزيرة السابقة فاليري بيكراس التي حلّت ثانية، والرسالة الواضحة هي أن داخل الحزب اليميني لا صوت يعلو على صوت اليمين.

 إيريك سيوتي هو في الحقيقة أقصى يمين الجمهوريين، أما فاليري بيكراس فقد قطعت خطوات في اتجاه اليمين عندما شددت مواقفها حيال الهجرة خلال الفترة الأخيرة، وهذه هي التفاصيل التي تزيد في وضوح الصورة الفرنسية التي يبرز فيها المترشح اليميني المتطرف إيريك زمور كبوصلة للانتخابات القادمة ومستقبل فرنسا.

صحيفة نيويورك تايمز نشرت مقالا وقّعه ميتشيل أبيدور وميغيل لاغو يصف زمور بأنه “الوجه الجديد لتاريخ فرنسي حافل بالعنصرية والكراهية وأنه يمثل مجرد تحديث لذلك التاريخ”.

القاعدة التي تحكم صعود الشعبويين لم تنتهك في فرنسا، فقد بدأ الأمر مبكرا بسقوط مروع لاستطلاعات الرأي التي بقيت إلى عهد قريب تميز الديمقراطيات العريقة وكانت مؤشرا على الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي يجعل المشهد قابلا للقراءة والتوقع بهوامش خطأ معقولة، كل هذا سقط في أمريكا قبل ستة أعوام عندما أطاح دونالد ترامب القادم من تلفزيون الواقع إلى ساحة السياسة بكل التوقعات وأخبر العالم بأن ديمقراطية أمريكا ونظامها السياسي بات معتلا، وأن الجسور التي تربط المؤسسة السياسية التقليدية بدأت تترنح بالفعل، واليوم تذكر نتائج الانتخابات التمهيدية لحزب الجمهوريين وإعلان زمور ترشّحه رسميا بأن الديمقراطية الفرنسية ماضية على طريق المرض والترهّل حتى أن جريدة ليبراسيون لم تجد ما تصف به ترشح زمور إلا عبارة “فضيحة الديمقراطية الفرنسية”.

زمور قائد السفينة الجانحة

ليست الأسماء هي ما يثير ذعر الغيورين على قيم الحرية والعدالة والأخُوّة في فرنسا، بل يخيفهم تحول خطاب الكراهية والعنصرية إلى مادة أساسية للنقاش السياسي في البلاد، حتى أن صحيفة نيويورك تايمز نشرت  مقالا وقّعه ميتشيل أبيدور وميغيل لاغو يصف زمور بأنه “الوجه الجديد لتاريخ فرنسي حافل بالعنصرية والكراهية وأنه يمثل مجرد تحديث لذلك التاريخ”، ثم إن صعود زمور لم يكن مجرد حادث معزول كما بدا ظهور ترامب المفاجئ على الساحة الأمريكية، بل مؤشرا على صعود التطرف في الوسط السياسي والمجتمع الفرنسي حيث أصبحت المواقف السياسية توزن بمعيار زمور، وتتنافس القوى السياسية المرشحة للعب الأدوار الأولى في انتخابات الرئاسة التي ستجري شهر أفريل/نيسان من السنة القادمة، على إعلان مواقف أكثر قربا من اليمين المتطرف وكأن الساسة يتقاسمون الشعور بأن الانتخابات ستحسمها أصوات المتطرفين الذين تشير استطلاعات الرأي إلى تزايدهم.

سؤال كبير يُطرح الآن: كيف لفرنسا التي يواجه اقتصادها تحديات كبيرة ليس أقلها أهمية آثار جائحة كورونا، ويتحدث خبراؤها عن تراجع كبير على الساحة الدولية، وفقدان لمناطق النفوذ التقليدية، أن تترك كل هذه القضايا الحساسة وتجعل من مواضيع الهجرة والهوية والإسلام والحجاب أولويات لها في انتخابات الرئاسة؟

يكفي التذكير بأن المرشح للفوز بتمثيل حزب الجمهوريين إيريك سيوتي كان قد رفض سنة 2017 الانضمام إلى جبهة واسعة لدعم إمانويل ماكرون ضد مارين لوبان في الدور الثاني لانتخابات الرئاسة، ثم إنه تعهد بدعم إيريك زمور في الدور الثاني في انتخابات 2022 في حال مروره ومواجهته مع إمانويل ماكرون، أما هذا الأخير فقد اختار أن يعود إلى قضايا الهجرة والإسلام في نفس الفترة التي صعد فيها نجم زمور وبدأت استطلاعات الرأي ترشِّحه لبلوغ الدور الثاني، وقد جاءت تصريحات ماكرون حول الجزائر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ثم تكريمه للحركى(الخونة الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي) في هذا السياق، أما الحديث عن اليسار فقد أصبح مجرد تفصيل مُهمَل في وسائل الإعلام الفرنسية وفي النقاش السياسي الدائر، بما يشير إلى أن الفرنسيين مُخيَّرون بين يمين اليمين واليمين المتطرف والكراهية الصرفة التي تقف على يمين اليمين المتطرف، حيث ينازع ماكرون مارين لوبان إرث والدها العنصري، ويقف زمور حَكَما بين الاثنين في بلد اندثر فيه الوسط بسبب هذا الاستقطاب الحاد.

سؤال كبير يُطرح الآن: كيف لفرنسا التي يواجه اقتصادها تحديات كبيرة ليس أقلها أهمية آثار جائحة كورونا، ويتحدث خبراؤها عن تراجع كبير على الساحة الدولية، وفقدان لمناطق النفوذ التقليدية، أن تترك كل هذه القضايا الحساسة وتجعل من مواضيع الهجرة والهوية والإسلام والحجاب أولويات لها في انتخابات الرئاسة؟ الإجابة على هذا السؤال سبق وأن قدّمت لها الحركة الاحتجاجية غير المسبوقة التي عرفت باسم السترات الصفراء، حركة عبَّرت بصدق عن انسداد القنوات التقليدية لحل النزاعات والتي تعتبر سِمة ملازمة للديمقراطية، وأشَّرَت على أزمة عميقة في المؤسسة السياسية التقليدية مع ضعف واضح للأحزاب السياسية التقليدية التي باتت تعيش حالة من التشظي، وحتى النقابات اعتبرت معنية بشكل مباشر بذلك الامتحان الذي مثلّته حركة السترات الصفراء، وبدل استيعاب تلك الإشارات اختارت النخب السياسية الانكفاء نحو المواضيع التي يسري الاعتقاد أنها تؤثر على خيارات الناخب الفرنسي.

ومعلوم أن فرنسا من أكثر الدول محافَظَةً على إرثها التاريخي واستغلالا له سياسيا، وتكاد تكون البلد الوحيد الذي يرفض النظر بشجاعة إلى الجانب المظلم من هذا التاريخ أو انتقاد رموزه الذين يصنفهم المؤرخون كمرتكبي جرائم ضد الإنسانية.

إحدى القواعد الأساسية للخطاب الشعبوي التركيز على الحلول السهلة واللعب على الانقسامات بين المجتمعات التي تتشكل منها الأمة، فالقول بأن سبب البطالة هو سرقة المهاجرين لمناصب شغل أبناء البلد، وأن تَرَدِّي الخدمات الصحية يعود إلى مزاحمة المهاجرين للفرنسيين، أسهل بكثير من الخوض في قضايا اقتصادية مُعقدة تنتهي باقتراح فرض مزيد من الضرائب ومضاعفة ساعات العمل وتأخير سن التقاعد، وتقديم مخطط قابل للتطبيق لإصلاح كل القطاعات، وهكذا تتحول مواضيع الهوية والأخطار التي تتهددها إلى مهرب من امتحانات السياسة الحقيقية خاصة وأن الجمهور اقتنع تماما بأن لا حلول لدى النخب وأن الوعود عادة ما تتبخر بمجرد إعلان اسم الفائز في الانتخابات، فقد جرَّب الفرنسيون نتائج الانتقال من يمين ساركوزي إلى يسار فرانسوا هولاند وكانوا شهودا على تَحوُّل ماكرون إلى يميني شرس في ظرف وجيز رغم أنه قادم من وزارة في حكومة يسارية.

نبوءة ويلبيك

رغم كل هذا فإن السؤال عن رواج سلعة الكراهية والعنصرية في فرنسا يبقى مطروحا، ففي النهاية هذا بلد تتوفر فيه هوامش كبيرة من الحرية وملايين من مواطنيه ينحدرون من أصول مهاجرة، كما سمّاهم ساركوزي في غمرة استثماره الكبير في النقاش المنحرف عن الهوية، وكل هذه التفاصيل يفترض أنها توفر شروطا لسيادة العقلانية والانفتاح.

الحقيقة أن الكراهية صناعة قائمة بذاتها، أدواتها الإعلام، فإيريك زمور هو في النهاية منتوج إعلامي بامتياز، وما يحدث اليوم هو ثمار الاستثمار في الخوف باعتباره أفضل وسيلة لاستنهاض الشعور القومي، وليس عبثا أن يكون التاريخ هو المادة الأساسية في النقاشات السياسية التي نشّطها زمور، وهو أيضا المادة الأساسية في خطابات ماكرون ومارين لوبان وبقية الساسة الذين يتبارون في استعراض معرفتهم بالتاريخ الفرنسي ورموزه، ومعلوم أن فرنسا من أكثر الدول محافَظَةً على إرثها التاريخي واستغلالا له سياسيا، وتكاد تكون البلد الوحيد الذي يرفض النظر بشجاعة إلى الجانب المظلم من هذا التاريخ أو انتقاد رموزه الذين يصنفهم المؤرخون كمرتكبي جرائم ضد الإنسانية.

المفارقة الغريبة أن يهوديا من أصول جزائرية هو من يعيد سرد تاريخ فرنسا على الفرنسيين الأصليين ويعرض خدماته قائدا لهم في هذه المعركة المصيرية دفاعا عن الهوية الفرنسية.

قبل نحو سبع سنوات ( 7 جانفي 2015 ) صدرت للكاتب الفرنسي ميشال ويلبيك رواية بعنوان “خضوع” وقد بيعت منها 120 ألف نسخة خلال خمسة أيام، وبعد شهر كانت المبيعات قد بلغت 345 ألف نسخة في فرنسا وحدها وصارت الرواية على رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في ثلاث دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى الآلاف الذي قرأوها قبل صدورها بعد أن صارت الكتاب الأول في تاريخ فرنسا الذي تتم قرصنته وتوزيعه عبر الانترنيت قبل نزوله إلى المكتبات.

التذكير بسرعة انتشار هذه الرواية مُهمّ عندما نعرف أن موضوعها يدور حول انتخابات الرئاسة الفرنسية سنة 2022، التي تنتهي بفوز إسلامي بالرئاسة الفرنسية بعد تحالفات سياسية غريبة وأوضاع تضع فرنسا على حافة الحرب الأهلية وتكشف حالة من الانهيار تفقد معها البلاد هويتها وتُطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وفي الخلاصة ترسم الرواية صورة قريبة جدا مما يحذر منه إيريك زمور الفرنسيين، وتُكرِّس حالة الخوف من فقدان الهوية وغزو الإسلام وما يسميه زمور الاستبدال.

لقد وضع نُقّاد فرنسيون كبار رواية “خضوع” على قدم المساواة مع رواية 1984 وجعلوا كاتبها في مرتبة جورج أورويل، وتعامل معها المثقفون وعامة الفرنسيين كنبوءة مرعبة، لكن على بعد أربعة أشهر من اليوم الموعود ترتسم صورة مغايرة تماما، فلا يوجد أدنى احتمال لصعود شخصية متعاطفة مع المسلمين، والمفارقة الغريبة أن يهوديا من أصول جزائرية هو من يعيد سرد تاريخ فرنسا على الفرنسيين الأصليين ويعرض خدماته قائدا لهم في هذه المعركة المصيرية دفاعا عن الهوية الفرنسية، ولعل ميشيل ويلبيك سعيد جدا بهذا الجندي المتحمس، لكن من ينظرون إلى المستقبل يعرفون أن الشعبوية والعنصرية هي علامات أفول الأمم.