2025.01.13
فظاعة الاستدمار الفرنسي.. بعض تفاصيل المحرقة المنهجية مابين 1830 إلى 1962 مقالات رأي

فظاعة الاستدمار الفرنسي.. بعض تفاصيل المحرقة المنهجية مابين 1830 إلى 1962


ربيعة خطاب
26 ديسمبر 2025

لم يكن الوجود الفرنسي في الجزائر، منذ إنزال قواته العسكرية سنة 1830، مجرّد احتلال عسكري تقليدي، بل كان مشروعًا همجيا استعماريًا استيطانيًا إحلاليًا، قام منذ لحظته الأولى على منطق الإبادة والمحرقة والعنف الشامل، والإقصاء الممنهج، وتدمير الإنسان والأرض والهوية والذاكرة.

وعلى امتداد مئة واثنتين وثلاثين سنة، مارست فرنسا سياسات متواصلة ترقى، في مجموعها وبنيتها واستمراريتها، إلى جرائم ضد الإنسانية وممارسات إبادة جماعية، وهو ما أكده عدد معتبر من المؤرخين الفرنسيين والأوروبيين اعتمادًا على الأرشيف الفرنسي ذاته. وهم كثيرون !

الغزو وبدايات الإبادة (1830–1871)

الدكتور محمد مكي

الدكتور محمد مكي

في سنة 1830 احتلت فرنسا مدينة الجزائر بالقوة المسلحة، فنهبت الخزينة، وسطت على الخيرات والمقدرات ودمّرت البنية السياسية، و الاجتماعية وفرضت حكمًا عسكريًا قائمًا على القمع. ومنذ السنوات الأولى، اتخذ الاحتلال طابعًا إباديًا واضحًا، خاصة خلال الحروب التي شنّتها فرنسا لإخضاع المقاومة الشعبية؛ وللإشارة فقط على سبيل التمثيل

بين سنتي 1832 و1847 خاضت فرنسا حربًا شاملة ضد مقاومة الأمير عبد القادر، اعتمدت فيها سياسة الأرض المحروقة: إحراق القرى، تدمير المحاصيل، مصادرة المواشي، وتجويع السكان عمدًا لكسر إرادتهم. وفي هذا السياق وقعت كعينة فحسب محرقة كهوف الظهرة سنة 1845، حين أمر الكولونيل بيليسييه بخنق مئات المدنيين من قبيلة أولاد رياح داخل الكهوف بإشعال النيران عند مداخلها. وقد اعترف القائد الفرنسي نفسه في تقرير رسمي قائلاً:

«لقد أحرقتُ كل من كان داخل الكهوف… لقد أتممتُ مهمتي».

وفي الفترة نفسها كتب ألكسيس دو توكفيل، أحد أبرز مفكري فرنسا، معترفًا بطبيعة الحرب الاستعماريةومبررا المحرقة :

«نحن نحرق المحاصيل، نفرغ المخازن، ونستولي على النساء والأطفال… هذه هي الحرب في إفريقيا».

وقد أدت هذه السياسات، وفق تقديرات مؤرخين مثل بنجامان ستورا وأندريه مينيي وأوليفييه لوكور غرانميزون، وغيرهم كثر إلى فقدان الجزائر ما بين 30% و50% من سكانها خلال العقود الأولى من الاحتلال، حيث تراجع عدد السكان من نحو ثلاثة ملايين إلى أقل من مليوني نسمة!! ، وهو انهيار ديمغرافي كارثي بمعايير علم السكان.!

قمع الثورات وترسيخ الإبادة القانونية (1871–1914)

سنة 1871 اندلعت ثورة المقراني والحداد، فقوبلت بقمع دموي واسع شمل الإعدامات الجماعية، والمصادرات الكبرى للأراضي، ونفي آلاف الجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة. ولم يتوقف العنف عند السلاح، بل جرى تقنينه عبر تشريعات عنصرية.

وفي سنة 1881 صدر قانون الأهالي (Code de l’Indigénat)، الذي أسّس لنظام تمييز قانوني عنصري، فرض عقوبات جماعية، وجرّد الجزائري من حقوقه المدنية. مقابل حقوق وامتيازات كثيرة للمعمرين والمستوطنين الفرنسيين وقد وصف المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجرون هذا النظام بقوله:

«قانون الأهالي أسس لنظام فصل عنصري قبل الأبارتايد».

المجازر الكبرى في القرن العشرين (1914–1945)

بلغ العنف الاستعماري ذروة جديدة في 8 ماي 1945، حين ارتكبت القوات الفرنسية ومليشيات المستوطنين مجازر مروعة في سطيف وقالمة وخراطة، خلال مظاهرات سلمية للمطالبة بالحرية. استُخدمت الطائرات الحربية، والمدفعية، والإعدامات الميدانية، وإحراق القرى، ورمي الجثث في الوديان!

تتراوح تقديرات الضحايا بين 15 ألفًا في الرواية الفرنسية الرسمية، وأكثر بكثير من 45 ألف شهيد في التقديرات الجزائرية والمستقلة. وقد لخّص الجنرال دوفال دلالة هذه المجازر بقوله :

«لقد منحتُ فرنسا عشرين سنة من الهدوء» معبرا عن هول المجزرة وامتداداتها الزمنية وقدرتها على إطفاء جذوة المطالبة بالحق في تقرير مصير الجزائريين

حرب التحرير والإبادة الشاملة (1954–1962)

مع اندلاع ثورة التحرير الوطني سنة 1954 دخل الاستعمار الفرنسي مرحلته الأكثر دموية. اعتمدت فرنسا سياسة قائمة على التعذيب الممنهج، والإعدامات خارج القانون، وحرق الأخضر واليابس والاغتصاب، وتدمير القرى، وإنشاء محتشدات اعتقال جماعية.ووووو

تشير الإحصاءات الجزائرية إلى سقوط أكثر من 1.5 مليون شهيد، وتهجير ما يزيد عن 02 مليوني جزائري إلى محتشدات في ظروف لا إنسانية. وقد اعترف الجنرال السفاح بول أوساريس صراحة بأن التعذيب كان «ممنهجًا ومأذونًا به من السلطة السياسية».

الجرائم النووية واستمرار الجريمة (1960–1966)

بين 1960 و1966 أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في رقان وإن إيكر بالصحراء الجزائرية، عرّضت خلالها السكان المحليين للإشعاع دون حماية، وخلّفت نفايات مشعة ما تزال آثارها الصحية والبيئية مستمرة إلى اليوم، وفق وثائق وزارة الدفاع الفرنسية التي كُشف عنها لاحقًا.

شهادات تاريخية جامعة

يؤكد المؤرخ أوليفييه لوكور غرانميزون أن «الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان مشروع إبادة»، بينما يرى بنجامان ستورا أن «العنف الاستعماري لم يكن انحرافًا، بل جوهر النظام». أما فرانز فانون فاختصر الحقيقة بقوله:

«الاستعمار هو عنف في حالته الطبيعية»

__وكلمة خاتمة__

إن ما ارتكبته فرنسا في الجزائر بين 1830 و1962 ليس سلسلة أحداث معزولة، بل نظام إبادي متكامل، قائم على القصد والمنهج والاستمرارية، استهدف وجود الشعب الجزائري ماديًا ورمزيًا. ورغم مرور الزمن، ما تزال هذه الجرائم دون اعتراف قانوني صريح أو مساءلة دولية، لتبقى الذاكرة والعدالة والحقيقة مسؤولية تاريخية لم تسقط بالتقادم.

ورغم ذلك فما كُتب وقيل—مهما كان كان مؤلما ومهولا وفوق الوصف — فهو لا يمسّ إلا سطح الحقيقة، أمّا عمقها الحقيقي فيكمن في ما لم يُحصَ، ولم يُدوَّن، ولم يُسمَّ: في القرى التي مُسحت من الوجود ولم يبقَ لها أثر في الأرشيف، في الأطفال الذين ماتوا جوعًا بلا أسماء، في النساء اللواتي تجاوزت آلامهنّ الوصف ، وفي أجيالٍ كاملة وُلدت وهي تحمل في جسدها ووعيها ندوبًا لاتوصف ولا تُرى.

مساهمة: الدكتور محمد مكي