السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

فلسطين والعالم ونحن.. ما الذي يكشفه الصراع؟

Author
الهاشمي جيار 14 فبراير 2024
X Facebook TikTok Instagram

ما يجب القيام به في مواجهة الإنكار المفروض والعنف المدمّر، الذي ترتكبه الحكومة “الإسرائيلية الصهيونية” ضد السكان الفلسطينيين؟

من المُسَلَّمِ به أنّه لا يمكن طلب شيء من محتلّ متعصّب مدعوم، يتجاهل الاحتكام لقوانين الحرب والقوانين العامة بشكل أوسع، على الرغم من أنّها أدوات فعالة تسلّحت بها المجتمعات البشرية لتصفية خلافاتها المحتملة. لكن، ولمواجهة المأساة التي تدور أحداثها في غزة، تحت أنظار العالم المُرَوَّعة، يمكننا بالفعل أن نحتفظ تحت عنوان “الطوارئ الحيوية”، بالخيار الأسهل الذي يتطلّب ببساطة، المرور عبر ثلاثة عناصر سياقية من أجل أن يفهم الوضع بوضوح:

    ثبات المشروع الصهيوني منذ ظهوره في مؤتمر بازل، سنة 1897م.
    المراحل التي وصلت إليها العلاقات الدولية منذ ذلك الوقت.
    حرص أية قوة إمبريالية، ونقصد الحليف الرئيسي والحامي لـ”إسرائيل”، على بسط نفوذها إلى أقصى حدّ ممكن، وإنشاء قواعد حيثما ترى ذلك ضروريا لمصالحها.

تساعد هذه العناصر بالفعل، على التعرّف بشكل وثيق على حقائق عالم اليوم، كما أنّها تتيح المجال لكي نتراجع خطوة إلى الوراء، حتى ندرك بوضوح الحاجة الملحّة لجزائر ملتزمة تماما بالقضية الفلسطينية، كيف تستخلص الدروس من الأحداث الجارية وتفرض نفسها، وتكون قادرة على الحفاظ على استقلاليتها في مواجهة الهيمنة التي كشرت عن أنيابها بجرأة مفرطة، منذ نهاية القرن الماضي، لأنّ بلدنا لا يمكنه أن يظلّ بعيدا عن المشاكل والتحديات المعقّدة التي يواجهها العالم المضطرب من حوله، بل ويجب عليه أن يشقّ طريقه وسط الزحام، ويكافح من أجل أن يحتلّ مكانة محترمة بين بقية الأمم.

يتجلى كل ذلك أكثر فأكثر، من خلال الأحداث الجارية في فلسطين، والتي كشفت فعلا الضعف الشامل للشعوب المستضعفة وغير المسلّحة لمثل هذه التحديات، وهو الوضع الذي يجعلها تشعر بالحاجة الملحّة إلى إعادة تقييم نفسها، حتى تستكشف عيوبها وتقدّر تحرّكها وتستفيد من نقاط قوتها.

وفي هذا السياق، يعدّ التفكير بأثر رجعي ضروريًا لوضع المأساة التي تدور أحداثها في غزة، ضمن الواقع المتغيّر للحياة الدولية، مع إعادة تشكيلها بصورة مستمرة، فضلا عن احتياجاتها من الاستبصار والتكييف. وفي هذا الصدد، فإنّ الحرب التي أعلنها المحتل الإسرائيلي الصهيوني، على الشعب الفلسطيني شهر أكتوبر 2023م، وبتواطؤ واسع وكبير، تعكس إحدى اللحظات الحاسمة في تطوّر العلاقات الدولية، منذ أكثر من قرن.. كما أنها أيضًا، لحظة تتزامن مع ظهور جدل واسع النطاق على المستوى الدولي، يتعلّق أساسا بتبلور فكرة نشوء الأقطاب الجديدة، أو عالم متعدّد الرؤوس.

بما يتعلق الأمر..؟

إنّ ما يحدث في فلسطين، يأخذ له مكانة ضمن مسار طويل في العلاقات بين الدول، تعاقبت فيه أربعة نُظُمٍ كبرى؛

    النظام الأوروبي الذي تأسّس مع نهاية القرن التاسع عشر، على أيدي القوى الاستعمارية والإمبريالية لبريطانيا العظمى، فرنسا وألمانيا، والذي انهار بين عامي 1919 و1945 لصالح القوى الجديدة.
    النظام الآسيوي الذي أنشأته اليابان بعد انتصاراتها على الصين؛ 1894-1895م، وعلى روسيا؛ 1904-1905م، والذي تلاشى بدوره بعد عام 1945م.
    نظام ثنائي القطب تأسّس بعد هذا التاريخ، تحت قيادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، في تكريس ميداني لإيديولوجيتين متعارضتين؛ الرأسمالية من جهة، والشيوعية من جهة أخرى. وقد أدى التنافس الشرس بين القوتين إلى تقسيم العالم واقتطاع مناطق نفوذ واسعة، كان من بينها “الكيان الصهيوني” الذي تمّ زرعه في منطقة إستراتيجية ومتميّزة سنة 1948م من طرف المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، كحليف أساسي طوال تاريخ الحرب الباردة؛ 1947/1991، والذي تخلّلته بعض الفترات للتعايش السلمي، كما أطلق على تلك السياسات؛ 1953-1962، ثم سياسات “الانفراج”؛ 1963-1979.. وقد استمر هذا النظام 46 سنة، قبل أن يتراجع مع وصول الرئيس “ريغان” إلى السلطة في الولايات المتحدة؛ 1981-1989، والرئيس “غورباتشوف” في الاتحاد السوفييتي؛ 1985-1991. ليشهد العالم انهيار هذا النظام بين عامي 1989 مع سقوط جدار برلين، والعام 1991 بتفكّك الاتحاد السوفييتي، مما أدى إلى ظهور النظام “أحادي القطب” الذي ستهيمن عليه الولايات المتحدة.
    إنه الوضع الجديد الذي جعل من الولايات المتحدة الأمريكية تبلغ مستوى “القوة الخارقة”، في شكل “روما الجديدة” – Bender, 2005 -، بنفس خصوصيات الإمبراطوريات القديمة؛ الدفع بحدود نفوذها إلى أبعد ما أمكن، وتحت ذرائع مختلفة، يظهر من بينها اليوم، فكرة حماية النظام الدولي الجديد.

لكن، وعوض تكريس الأمل الكبير الذي روّج له العالم الغربي وبصوت عالٍ، تمجيدا لانتصار الرأسمالية تحت كفالة الديمقراطية الليبرالية، ظهر توجه ينحى إلى معارضة النظام الجديد، توجهات يشهدها المجتمع الأممي مع مطلع القرن الجديد، وهي الطريقة التي تحاول بها الأقطاب القديمة تعزيز وجودها، على هامش منظمات الأمم المتحدة، في حين تظهر أقطاب جديدة منذ عام 1992:

الاتحاد الأوروبي.. منظمة شنغهاي.. مجموعة الثماني.. مجموعة العشرين.. “البريكس”… يكفي أن نقول بأنّ مع نهاية النظام ثنائي القطب، الذي تمّ إنشاؤه إبان التقسيم الذي تمّ تنفيذه في ليفاديا – يالطا – شهر فبراير 1945م من قبل الثلاثي؛ روزفلت، ستالين وتشرشل، نقول؛ “لن يعود العالم كما كان من قبل.. لقد غيّر أساسه وأصبح من المُلحِّ فهم المبادئ الجديدة..” – B.Badie and D.Vidal, 2023 -.

إنها هزّة كبيرة تصاحبها معاني وتأويلات، حيث تسود بشكل متزايد مفاهيم الواقعية والمنافسة، القوة والتحالف وتوازن القوى، البراغماتية والمصالح والفعالية، في العلاقات بين الدول.. وحيث، نتيجة لذلك، فقدت من قيمتها؛ المبادئ القانونية والأخلاقية، التعاطف والمشاعر، التسامح والرحمة.. هذه الهزّة، والتي مكّنت الكيان الصهيوني “إسرائيل” – كمثال – من الاستفادة من تداعياتها بشكل كبير، كانت قد وقعت في سياق انفتاح واسع للأسواق وتحوّلات تقنية عميقة، أدّت إلى ظهور مسارات تعبئة وصحوة جانحة باتجاه إقامة عمل جماعي في العديد من البلدان التي تجرأت على الانخراط في عملية منافسة واسعة النطاق. وهذه البلدان هي تلك التي أظهرت في وقت مبكر جداً التبصر والجرأة.

معظم هذه الدول جاءت من العالم المتخلّف، فقد قامت بتقييم الديناميكيات التي كانت بداياتها منذ الصدمة النفطية العام 1973م، وضاعفت جهودها حتى لا تتحوّل إلى وضع “الراكب المتطفّل” لقطار العولمة الذي تم الإعلان عن انطلاقه بالفعل، مع إنشاء الـ”غات” 1947م، ومجموعة السبع 1975. لقد عملت هذه الدول بجدية لتغيير طرق تفكيرها وعملها في سياق تسوده فكرتان أساسيتان، من بين أفكار أخرى:

    فكرة الحرب الاقتصادية، حيث تحاول الدول الحصول على تأثيرات جديدة، وأسواق جديدة ترغب في أخذها من دول أخرى. – d’Arcole, 1990 -.
    فكرة المنافسة، حيث كل شيء خاضع للقدرة على العمل والاستثمار في قطاعات أساسية مثل؛ الصناعة، الزراعة، المالية، البحث، التعليم، المانجمانت، التقنيات الجديدة، الإدارة، الاستشراف، الذكاء الاصطناعي.. بهذه الرؤية ارتقت البلدان المذكورة وصعدت في الواقع قبل العام 1973م وبوقت طويل، لأنّها كانت قد بدأت معركة النمو منذ ستينيات القرن الماضي، في نفس الوقت الذي انطلقت فيه الجزائر مستنفدة زخمها قبل الأوان، إلى أن فقدت مكانتها مع بداية الثمانينيات، وفي هذه اللحظة على وجه التحديد، حقّقت الدول الانطلاقة الصناعية التي أكسبتها مؤهلات الدول الصناعية الجديدة، ثم “الدول الناشئة”، الوصف الذي نسبه إليها الاقتصادي الهولندي أ.ف. اغتميل.

وبفضل نجاحها، فإنها واصلت مسيرتها وأصبحت دولا مهمة ورئيسية في الاقتصاد العالمي مع فجر القرن الجديد. واليوم، تشارك حوالي خمسين دولة حول العالم في منافسة متقاربة وفقًا للشعار الأولمبي؛ “أسرع – أعلى – أقوى”، وبرموز مميزة: NPIA أو “النمور الآسيوية”، مجموعة الإحدى عشر المقبلة، مجموعة الستة، بريكس، التنين وغيرها من “م”.

ما الذي يميّز هذه الدول الصاعدة؟ ما يميّزها هو التطوّر الصناعي الذي يؤدي إلى ارتفاع مستوى المعيشة.. هو النمو فوق المتوسط ​​العالمي.. هو صناعة تتطوّر من فروع ذات قيمة مضافة منخفضة، نحو إنتاج سلع أكثر تطوّرا.. هو مؤسساتية التحوّلات والانفتاح الاقتصادي، الذي أدى إلى زيادة الاندماج في الاقتصاد العالمي.. – ف. غالوا، 2022 -.

وهذا يفسّر باختصار كيف تتمكّن البلدان التي تخطّط، والتي تستشرف، والتي تبتكر، والتي لا تعتمد على الريع بل على الفرص، من فرض نفسها. وهذا يفسّر أيضًا، لماذا يستغل المستعمر الصهيوني “الإسرائيلي”، الذي أصبح عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2010، قوّته العسكرية والاقتصادية ويسمح لنفسه بقمع الفلسطينيين الذين لا يملكون سوى الشجاعة لمواجهته، من دون أن يتعرّض لأدنى عقاب.

بعد كل الذي سبق، يمكننا أن نسأل أنفسنا، لماذا أظهرت الجزائر جرأة أقل نسبيا، مقارنة بهذه الدول الصاعدة..؟ يرجع ذلك إلى كثير من الأسباب، أهمها عدم متابعة الأهداف والطموحات الصناعية التي حدّدتها لنفسها بعد استقلالها، على عكس كوريا الجنوبية على سبيل المثال، والتي كانت الجزائر في أفضل رواق بالنسبة إليها، على اعتبار أنّها كانت صاحبة السبق – أي الجزائر – في إطلاق البرامج التنموية الوطنية. والواقع أنّ الظروف المؤسفة التي مرت بها البلاد، كانت قد أفقدتها التوازن وأخذتها في اتجاه معاكس، حيث ظلّت، على الرغم من الإرادة السياسية التي لا جدال فيها، “تتجوّل” لأكثر من أربعة عقود من أزمة إلى أزمة، دون رؤية ملموسة للمستقبل، ومن دون مشروع اجتماعي حقيقي.. وهذا الذي يفسّر بشكل واضح، كثرة الأخطاء التي ظهرت على طول المسار التنموي، والتي تعيق اليوم الطموح الجماعي والتطلّع المشروع للدولة الجزائرية، من أجل لعب دور ريادي ضمن النخبة الأممية.

غياب التناغم..

هذه العيوب هي التي تطبع حالة الدول المتخلفة، وهي أعراض ظاهرة لأزمة النمو، والتي تخضع للمراقبة المستمرة من قبل السلطات العمومية. ورغم أنه وعلى مدى عقود من الزمن، كانت معظم النخب الجزائرية قد اجتهدت وقدّمت الأفكار والمقترحات اللازمة، وأعدّت الملفات الواجبة وقدّمت بإخلاص دعمها للسلطة السياسية، والتي لم تفشل بدورها، ولم تتخلّف عن اتخاذ العديد من القرارات ذات الصلة، من خلال الإصلاحات العديدة التي قامت بها منذ عام 1980م. إلا أنّ هذا الجهد المعتبر، لم يؤت ثماره في كل مرة، لأنه ظلّ يواجه الكثير من العقبات مختلفة الأشكال والألوان؛ مثل عدم الاستقرار والتوقف عن إتمام العمل.. غياب عمليات التعبئة الحقيقية للإمكانات البشرية، أو حتى المماطلة في اتخاذ القرار.

وقد أدى كل هذا مع مرور الوقت، إلى اختلال واضح في التآلف بين القول والفعل، والتناغم بين النوايا والأفعال والتطابق بين الكلام والإنجاز.. إلى بروز آثار محرجة، كان من أهمها؛

    بطء تنموي واضح في الجزائر، مقارنة ببعض الدول الأخرى.
    نزيف مخيف في طبقة النخبة.
    صعوبات جمّة في إعادة تشغيل الآلة الاقتصادية، رغم توفّر الإرادة السياسية لرفع القيود. وفي هذا السياق، يدرك المسؤولون فعلا حدّة هذه العقبات، ويزداد إدراكهم يقينا أمام مشاهد القمع التي يتعرّض لها الفلسطينيون كل يوم، حيث يؤكد الوضع بأنّ الشعوب المعدمة اقتصاديا وعسكريا، أكثر عرضة في عالم اليوم لمخاطر الهيمنة والظلم والعدوان، وتصبح فريسة سهلة بين أيدي “الوحوش الإمبريالية الضارية”. ويكفي أن نقول بأنّ فرض وجود أيّ أمة على الساحة العالمية، وضمان استقلالها وأمنها، يخضع بلا شك لثقلها الاقتصادي ولوزنها السياسي، فضلا عن التأثير الثقافي لدولتها ومجتمعها. وهنا، يتعيّن على الجزائر في هذه الحالة، أن تنظر إلى كل ذلك بعناية فائقة لاستباق المخاطر التي تحدق بها، والتي طالما أشار إليها المسؤولون في كل مناسبة، ثم أنها مطالبة بضرورة إحياء وبعث علاقاتها بالجسارة التي عرفت بها، والتي سمحت لها باعتلاء منصة التاريخ المعاصر خلال القرن العشرين.

في هذه الظروف الاستثنائية، وفي هذه اللحظات الهشّة والحساسة، حيث تسعى السلطات العمومية جاهدة من أجل تحسين الأمور والأوضاع، وحيث المأساة الفلسطينية الأليمة قد حفّزت الجميع أكثر من أيّ وقت مضى، على فتح الأعين بشكل كبير على الحقائق المريرة التي تحصل في العالم بصورة فوضوية فظيعة، يجدر بنا طرح سؤالين اثنين وبشكل ملحّ؛

    ما الذي يجب فعله لتسريع الخطى على درب التلاحم بين الصفوف وحشد الذكاء الجمعي لصالح التنمية..؟
    كيف نفعل ذلك..؟

سؤالان رهيبان يدوران حول إشكالية تكييف الجزائر مع العالم المتغيّر، والتي هي جزء منه، بهدف فرض نفسها والمشاركة بجرأة في المنافسات الجيوسياسية الحالية، ويشير هذا التكييف بالضرورة إلى حتمية الارتقاء عبر خمسة عناصر لا مفر منها، وهي معروفة لدى أولئك الذين يملكون سلطة اتخاذ القرار، ومع ذلك، فمن المهم أن نشير إليها، من دون أن نعطي الانطباع على أننا أكثر أخلاقية ولا نحن بصدد منح دروس لأحد؛

    التشخيص الدقيق للمعضلة الإدارية، واختلالات الكتلة الاجتماعية برمتها.
    رؤية فعالة متوقعة بنفس معايير مؤسسة كبرى، باعتبارها عنصرا “من نظام أوسع يشمل الإستراتيجيات والخطط والموازنات..” – Kotter, 2019 -، والتي تعطي تمثيلاً للمستقبل لتوجيه وتعبئة المجتمع.
    أفكار لا تقتصر على التجريد، بل تعمل بالفعل على إلقاء الضوء على العمل الملموس.
    ملخص تنفيذي يعتمد على التفاصيل الميدانية العملية.
    عملية تعبئة تهدف إلى تحفيز النخب، وإلى توحيد القوى الحية وتحريك العمل الجماعي.. هذه العناصر كلها هي الرهانات التي تكمن وراء الخطة المرسومة للسلطات العمومية، ولا سيما الواردة في إعلان السياسة العامة الأخير، الذي قدّمته الحكومة أمام البرلمان.