الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

فلسفة الخير والشر

Author
محمد نبيل كبها 06 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

بالمرحلة الوثنية كان هناك إلهين “إله للخير وإله للشّر”، وفي الأديان السابقة أيضا كان هناك إله للخير وآخر للشر، ففي الزارديشتية مثلا أو ما يعرف ب “الماجوسيّة الزارديشتية”، وهي إحدى الديانات الإيرانية القديمة ولكن بفلسفة دينيّة آسيويّة، كانت هذه الديانة هي الرسميّة للإمبراطوريات الإخمينيّة والباراثيّة والساسانيّة، وهي أحد أقدم الديانات في العالم، والتي شُيّدت على يد رجل الدّين الفارسي (زارديشت) كانوا يتّخذون فيها إلهين أيضاً.

الزاديشتيّين كان يعبدون “أهورا مَزدا” وهو إله الخير، و”أهريمان” وهو إله الشر، وهو عينه “أنغرا ماينو” بلغة الأفستا “Avestan”، وهي قريبة من اللغة الفارسية، و”أهريمان” هو المتعارف لدينا “بالشيطان- إبليس”.

بينما نحن المسلمون نعبد إلها واحدا فقط، وهو الله تبارك وتعالى، ورمز الشر بالنّسبة لنا هو “إبليس”، وهو ليس إله وإنما مخلوق من مخلوقات الله، رفض كلمة الله تعالى بالسجود لآدم، ليصبح لاحقاً علماً لكل ما هو سيّء.

لماذا هذا الملعون “إبليس” وإغواؤه وعصيانه ليس حادثة أو ظاهرة أو قصّة بالنسبة لنا، وإنما ضرورة! بمعنى، لماذا يخلق الله تعالى هذا الشر؟ وهل وجود إبليس ضروري؟ لقد كان وما زال هذا السؤال الأهم للنوع الإنساني، ولبعض الاتجاهات مثل المشكّكين “Skeptics”، واللّاأدريين “Agnostics”، واللّادينيّين “Not religious”، والملاحدة “Atheist”، فهو عبارة عن نافذة بالنسبة لهم جميعاً، فمن وجهة نظرهم هم يتنفّسون الهواء ويبرّرون أفعالهم بسؤالهم: كيف يخلق الله نقيضهُ ثم يأتي ليحاسبنا على أعمالنا!؟ هذا ظُلم ولا يُصُح وليس من العدل في شيء!!

إنّني أجد بكل تواضع أنّ وجود إبليس ضروري، وبالتالي وجود الشر لازِم لنا، لأن حريّة الاختيار لا تُعرف إلّا من خلال الجانب الآخر، ولن يكون هناك معنى للحرّية إذا لم يكن هناك حيّز للشّر بالتواجد إلى جانبنا، وتخيّل معي أنّ إبليس ليس له وجود، معنى ذلك أنّه لا يوجد شر، وبالتّالي لن نرتكب المعاصي والذّنوب والأخطاء، وعليه فإننا أصبحنا تماماً كالملائكة، لا فرق بيننا وبينهم، ولن يكون للإنسان ولحريّته واختياره أي معنى، لأن الله تعالى لا يريد مخلوقا مبرمجا على طاعته، ولو أراد هذا لأخلف الملائكة عِوضا عن الإنسان، ولقد طلبت الملائكة ذلك من الله عندما قالت: “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ” (الأية رقم 30 من سورة البقرة) ولكن رؤية الله سبحانهُ وحكمته مختلفة تماماً.

الله سبحانه صاغ مخلوقاً يختلف جملة وتفصيلاً، فقد ركّب سبحانهُ فيه الخطأ، وبالتّالي فإنّ آدم عبّر عن حريّة اختياره في المعصية لا في الطاعة، لأن الحريّة تعبّر بـ كلّا قبل نعم، وهذا يعني تمكينه من القدرة  على الرفض قبل القبول، لأن وجود المعصية هو دليل على الحريّة، ورب العالمين يُحب أن يُعصى فيُستغفر، وهنا جدليّة التوبة والطاعة والمعصية، لذلك قال رسول الله ﷺ: “كل بني أدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون”.

وجاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال، قال رسول الله ﷺ: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فَيُغفر لهم”.

ولكن علينا أن نَعي أن الله تعالى قال: “وما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك” (الآية رقم 79 من سورة النّساء) ولهذا جاءت الرسالة، فقال تعالى: “وأرسلناك للناس رسولا” (الآية رقم 79 من سورة النّساء) فبعث الله عزّ وجلّ لنا الرّسل والرسول الأعظم محمد ﷺ، ليوضّح لنا الأوامر والنواهي والحلال والحرام، فقال تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي” (الآية رقم 90 من سورة النّحل).

يقول ﷺ لنا بما معناه: إن الله لا يأمر بالزنا، إن الله لا يأمر بالكذب، إن الله لا يأمر بالقتل، لذلك ما أصابك من سيئة فمن نفسك، لأن تلك الفاحشة التي فعلتها كانت بإرادتك وباختيارك الحر، وهذا هو عملك وصُنعك، ولا شكّ أنّ الله تعالى خلق الخير والشر، ولكن الشر يُنسب لنا، فهو من أيدينا ومن أعمالنا.

وفي النهاية.. الملائكة نتيجتها ونهايتها ومصيرها معروف، ووظيفتها وقَدَرها ومقامها مَعلوم ومُحدّد، بينما الإنسان يجب أن يكتب قدرهُ ومصيرهُ، وهذا ينقلنا إلى أن المَلك هو كائن ناجٍ لا محال، ولا يوجد احتمال خسارة بالنّسبة له، لأنه لم يطلب الحريّة، بينما الانسان طلبها، وهو يحاول أن يبحث ويكتشف ويتعلّم ويحلل ويَخرُج بنتيجة لكي ينجوا بكل الوسائل، وبالتالي فإن الإنسان إزاء احتمالين، إمّا النجاة أو الخسارة، ولا معنى للنّجاة بغير احتمال خطر الخسارة.

Author محمد نبيل كبها
كاتب فلسطيني، عضو الإتحاد العام لكتاب وأدباء فلسطين، والعرب، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، وجامعات العلوم والبحوث والثقافة، ومنتدى الكتاب العربي.