الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

في اليوم العالمي للترجمة.. من يوقظ حارس المعنى؟

Author
الأيام نيوز 30 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

يحتفي العالم، اليوم الأربعاء 30 سبتمبر، باليوم العالمي للترجمة في وقت تعيش فيه المهنة واحدا من أعمق التحولات التي عرفتها منذ انتقال النص من الورق إلى الحاسوب، بعدما دخل الذكاء الاصطناعي قلب العملية وأصبح قادرا على نقل صفحات كاملة بين لغات مختلفة خلال ثوان، فيما ترافق خدمات الترجمة المستخدم في هاتفه ومحرك البحث ومنصة العمل. ومع هذه السرعة الهائلة يعود هاجس قديم بثقل جديد: هل تنتقل الثقافة عندما تنتقل الكلمات؟

يحمل احتفال 2026 موضوع «التنوع اللغوي والحقوق اللغوية»، واختار الاتحاد الدولي للمترجمين عبارة «قوة أن تكون مفهوما» عنوانا فرعيا لهذا العام. ويربط الاتحاد الترجمة والترجمة الشفوية والمصطلحات بقدرة الإنسان على الوصول إلى التعليم والصحة والعدالة والخدمات العامة والمعلومات بلغة يستطيع التعامل معها، ويربط الحقوق اللغوية بالمشاركة الفعلية داخل المجتمع والمؤسسات.

تأتي المناسبة هذه المرة وسط مفارقة واضحة؛ لم تعرف البشرية من قبل قدرة تقنية مماثلة على نقل النص والكلام بين اللغات، لكنها لم تصل في الوقت نفسه إلى مساواة حقيقية بينها داخل العالم الرقمي. وتؤكد اليونسكو وجود أكثر من سبعة آلاف لغة مستخدمة في العالم، بينما لا يحضر على الإنترنت سوى نحو ألف منها، ما يعني أن آلاف اللغات تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بموارد رقمية محدودة.

ويجعل هذا الواقع يوم الترجمة مناسبة تتصل بقضايا أوسع من الشأن المهني للمترجمين، لأن الأمر يتعلق بمن يستطيع الوصول إلى المعرفة بلغته، ومن يستطيع إيصال إنتاجه إلى الآخرين، وأي اللغات تجد مكانا داخل النماذج الرقمية، وأيها تبقى على أطراف الثورة التقنية. وبين الطرفين تقف الترجمة عملا لغويا وثقافيا ومعرفيا يحمل مسؤولية أكبر من البحث عن مقابل كلمة في قاموس.

وترجع الأمم المتحدة إقرار المناسبة رسميا إلى 24 ماي 2017، حين اعتمدت الجمعية العامة القرار 71/288، وأعلنت 30 سبتمبر يوما دوليا للترجمة، تقديرا لدور المتخصصين في اللغات في تقريب الدول ودعم الحوار والتفاهم والتعاون والتنمية والسلام. ويرتبط التاريخ بالقديس جيروم، الذي يحتل موقعا معروفا في تاريخ الترجمة الغربية بسبب عمله في ترجمة الكتاب المقدس.

وسبقت اليونسكو القرار الأممي بعقود، عندما اعتمد مؤتمرها العام في نيروبي، يوم 22 نوفمبر 1976، توصية بشأن الحماية القانونية للمترجمين والترجمات وتحسين الوضع المهني للمترجم. وانطلقت الوثيقة من دور الترجمة في تداول الأعمال الأدبية والعلمية والتقنية عبر الحدود اللغوية، وفي انتقال الأفكار بين المجتمعات، مع اهتمام خاص بالأعمال المكتوبة بلغات أقل انتشارا.

وبعد نصف قرن تقريبا من تلك التوصية، تغيرت الأدوات التي يعمل بها المترجم إلى درجة يصعب معها مقارنة مكتبه الحالي بمكتب مترجم في سبعينيات القرن الماضي، لكن المهمة الجوهرية بقيت قائمة على نقل المعنى بأكبر قدر من الدقة. الجديد أن الآلة دخلت إلى قلب العملية، وأصبحت قادرة على اقتراح النص والمصطلح والأسلوب وإنتاج ترجمة كاملة قبل مراجعة الإنسان لها.

من نقل النص إلى حماية المعنى

ترتبط الصورة التقليدية للمترجم بالكتاب، لكن المهنة أوسع بكثير من هذا المشهد؛ إذ يعمل المترجم داخل المستشفى والمحكمة والمؤسسة الدولية والمختبر وشركة التكنولوجيا ووسيلة الإعلام وقاعة المفاوضات، ويتعامل مع الطب والقانون والاقتصاد والعلوم والدبلوماسية والثقافة. وفي عدد من هذه المجالات لا يبقى الخطأ مسألة أسلوب، لأن كلمة غير دقيقة قد تمس حقا أو التزاما أو تشخيصا أو قرارا.

وتقدم الأمم المتحدة نموذجا عمليا على هذه المسؤولية من خلال عملها بست لغات رسمية هي العربية والصينية والإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية، حيث يتولى المتخصصون اللغويون معالجة وثائق تتصل بالسلام والأمن والقانون والاقتصاد والعلوم والقضايا الاجتماعية والإحصاء والتنمية، ضمن عمل يفرض دقة المصطلح وسلامة المعنى واحترام الآجال ومتطلبات العمل المؤسسي.

وتغير هذه الوظائف موقع الترجمة داخل المجتمع، لأن المريض الذي يتلقى تعليمات بلغة لا يتقنها يواجه حاجزا أمام المعلومة الصحية، وقد يفوت المتقاضي الذي يعجز عن استيعاب وثيقة قانونية جزء من حقه، بينما يبدأ الطالب الذي لا يجد المعرفة العلمية بلغته من موقع مختلف عن زميل يستطيع الوصول إليها مباشرة. لهذا يربط الاتحاد الدولي للمترجمين الحقوق اللغوية بالوصول العملي إلى المؤسسات والخدمات.

ويزداد وزن المسألة مع انتقال قطاعات واسعة من المعرفة والخدمات إلى البيئة الرقمية، إذ تدخل اللغة التي تملك ملايين النصوص المرقمنة والقواميس وقواعد المصطلحات والبيانات المتوازية التطبيقات الحديثة برصيد ضخم، بينما تبدأ اللغة التي تفتقر إلى هذه الموارد من نقطة أضعف. ويرتبط مستقبل الترجمة هنا بموقع اللغة نفسها داخل البيئة الرقمية التي تؤدي فيها الخوارزميات دورا متزايدا.

وقد تبدو الترجمة الآلية للوهلة الأولى حلا لهذه الفجوة، لأن تحسن البرامج يجعل الوصول إلى محتوى اللغات الأخرى أسرع وأقل كلفة، غير أن هذه النتيجة تقود إلى سؤال يتعلق بالمادة التي تعلمت منها الآلة اللغة التي تترجم منها وإليها. وتقود الإجابة مباشرة إلى البيانات ونوعيتها وحجمها وتوزيعها بين اللغات والمجتمعات والثقافات.

ولا يبدأ النظام الذي تدرب على مليارات الكلمات في لغة واسعة الحضور الرقمي من النقطة نفسها عند التعامل مع لغة محدودة الموارد، وتزداد المسألة تعقيدا داخل اللهجات والأشكال الشفوية واللغات التي لا تمتلك تنميطا رقميا واسعا. لذلك لا تلغي التقنية التفاوت اللغوي تلقائيا، وقد تنقل بعض صوره القديمة إلى بيئة جديدة إذا غابت الموارد المناسبة.

عندما دخل الذكاء الاصطناعي مكتب المترجم

عرفت الترجمة التقنية مراحل متعددة، بدأت بالقواميس الإلكترونية وذاكرات الترجمة، ثم انتقلت إلى الأنظمة الإحصائية والعصبية وصولا إلى النماذج التوليدية ومتعددة الوسائط. ويكمن الفارق الحالي في قدرة المستخدم العادي على الوصول إلى إمكانات كانت تحتاج قبل سنوات إلى برامج متخصصة، مع قدرة النظام على معالجة نصوص طويلة واقتراح أساليب وصياغات ومصطلحات خلال زمن قصير.

وتقدم الأمم المتحدة نموذجا عمليا للعلاقة بين الإنسان والأداة من خلال منظومة eLUNa، وهي بيئة إلكترونية للترجمة بمساعدة الحاسوب تستطيع التعرف إلى الجمل التي سبق أن ترجمها المختصون، واسترجاع المصطلحات المعتمدة في UNTERM، والوصول إلى وثائق ثنائية اللغة، والاستفادة من الترجمة الآلية في الجمل الجديدة، بينما يحتفظ المترجم بالمراجعة والاختيار وضبط الصياغة النهائية.

وتسير المؤسسات الأوروبية في اتجاه قريب؛ إذ تقدم المديرية العامة للترجمة في المفوضية الأوروبية خدماتها باللغات الرسمية الأربع والعشرين للاتحاد، وتجمع نشاطها بين الترجمة والتحرير وخدمات متعددة اللغات تعتمد الذكاء الاصطناعي، ومنها eTranslation. وتتعامل هذه التجربة المؤسسية مع التكنولوجيا باعتبارها أداة داخل سلسلة مهنية أوسع، لا بديلا كاملا عن الخبرة البشرية.

وتنبه المفوضية مستخدمي الترجمة الآلية إلى تفاوت الجودة والدقة بين النصوص والأزواج اللغوية، وتطلب عدم استخدام eTranslation لترجمة تشريعات الاتحاد الأوروبي، لأن النسخ الرسمية للقوانين متاحة أصلا بلغاته الرسمية. وتحمل هذه الملاحظة معنى مهما، إذ إن المؤسسة التي تطور أداة آلية للترجمة تحدد في الوقت نفسه مجالا لا تسمح فيه للأداة بأن تحل محل النص القانوني المعتمد.

ولا تظهر المشكلة دائما في جملة ركيكة يسهل اكتشافها، فقد ينتج النظام نصا بالغ السلاسة يحتوي اختيارا غير دقيق، وعندها يصبح الخطأ أصعب على القارئ العادي. وقد يخفي النص السلس لغويا خللا في المصطلح أو المقصد أو العلاقة بين الجمل، ويدفع المستخدم إلى الثقة في المحتوى لأن لغته تبدو طبيعية ومتماسكة.

وتزداد المخاطرة عندما يصل العمل إلى القانون أو الطب أو العقود أو الوثائق الرسمية، إذ لا تكفي الجملة الصحيحة نحويا في هذه المجالات، لأن المصطلح يحمل أثرا محددا، وقد تختلف النتائج بين اختيارين يبدوان مترادفين للقارئ غير المتخصص. لهذا يرتبط استعمال الذكاء الاصطناعي هنا بالمراجعة المهنية وبجهة تتحمل مسؤولية اعتماد النص النهائي.

الآلة تعرف الكلمة.. لكن ماذا تعرف عن الثقافة؟

يرى صهيب بولعراق، الخبير في الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي، أن التطور الحالي حقق تقدما كبيرا في معالجة البنية النحوية وإيجاد التكافؤ المعجمي بين اللغات، لكنه يصطدم بحد حقيقي عندما ينتقل العمل من نقل المفردة إلى التعامل مع العمق الثقافي الكامن وراءها، لأن اللغة تحمل تاريخ المجتمع وقيمه وطرائق تعبيره عن العالم.

صهيب بولعراق الخبير في الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي
صهيب بولعراق الخبير في الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي

ويشير بولعراق إلى وجود فرق في أداء النماذج بين التعرف إلى المفهوم الثقافي والقدرة على توظيفه داخل ترجمة مناسبة، إذ تستطيع الخوارزمية معرفة اسم مناسبة وطنية أو دينية، لكنها قد تختار نقلا مباشرا لا يحمل القيمة الرمزية أو الطقسية التي يعرفها أفراد المجتمع الذي تنتمي إليه المناسبة، وهنا تظهر حدود المعرفة المستمدة من الأنماط اللغوية وحدها.

وتزداد الصعوبة مع الأمثال والتعبيرات الاصطلاحية، لأن الجملة التي تبدو غريبة إذا نقل المترجم كلماتها واحدة بعد أخرى قد تكون شديدة الوضوح داخل بيئتها الأصلية بعدما تشكل معناها عبر الاستعمال الاجتماعي والثقافي. ويحتاج المترجم في هذه الحالة إلى البحث عن وظيفة العبارة وأثرها قبل البحث عن مفردات مقابلة لها في اللغة المستهدفة.

وتصل المشكلة إلى مستوى أعلى مع التورية واللعب بالكلمات، إذ يلفت بولعراق إلى أن العبارة التي تحمل معنيين أو تقوم على نكتة صوتية قد تتحول آليا إلى جملة تقريرية سليمة، لكنها تفقد العنصر الذي صنع قيمتها. تستطيع الخوارزمية اختيار معنى صحيح، لكنها قد تضحي بالمعنى الثاني الذي صنع المفارقة أو النكتة أو الإيحاء.

ويربط الخبير هذا القصور بطبيعة النماذج الاحتمالية واعتمادها على بيانات التدريب، إذ تبحث الأنظمة عن تسلسل لغوي مناسب استنادا إلى الأنماط التي تعلمتها، بينما ترتبط الثقافة بخبرة تاريخية واجتماعية لا تختزل في علاقة إحصائية بين الكلمات. ويزداد أثر المشكلة عندما تهيمن لغات ومجتمعات بعينها على جزء كبير من البيانات المتاحة للتدريب.

وتبرز قضية الانحياز الثقافي عندما تتلقى الخوارزمية موارد ضخمة من بيئة معينة وموارد أقل من بيئة أخرى، إذ قد تميل صياغاتها إلى الأنماط الأكثر حضورا في بياناتها. ولا يعني ذلك أن النظام يتبنى موقفا واعيا، بل إن توزيع المادة التي تعلم منها يؤثر في الخيارات التي يرجحها عند إنتاج النص وترتيب البدائل الممكنة.

ولهذا يستطيع الذكاء الاصطناعي الاقتراب من المعنى المباشر بدرجة عالية في عدد متزايد من الحالات، لكنه يواجه مناطق أصعب عندما يحتاج النص إلى ذاكرة جماعية أو معرفة بعادات المجتمع أو تاريخ العبارة. ولا تخص هذه المناطق الأدب وحده، بل تظهر أيضا في الخطاب السياسي والإعلان التجاري والحوار اليومي والمادة الإعلامية والخطاب الديني.

الرواية ليست قاعدة بيانات.. والشعر ليس قاموسا

تظهر حدود النقل الآلي بوضوح داخل الأدب، لأن الكاتب يستخدم اللغة لبناء عالم أوسع من تقديم المعلومات؛ إذ يبني الروائي شخصية من مفرداتها وإيقاعها وطريقة صمتها، ويختار الشاعر صوت الكلمة وموقعها وعلاقتها بما يسبقها وما يليها، بينما يستطيع النص الفلسفي تحميل المصطلح تاريخا فكريا يمتد عبر مدارس ومؤلفات ونقاشات متراكمة.

ويرتب بولعراق الأعمال الأدبية والفلسفية ضمن المجالات التي يصعب اختزالها في استبدال لغوي مباشر، لأن الرواية ليست قاعدة بيانات، والشعر ليس قاموسا، والنص الفلسفي ليس قائمة مصطلحات منفصلة. وقد تحمل كلمة واحدة تاريخ شخصية كاملة، بينما قد تقوم قيمة فقرة على استعارة أو مفارقة أو إيقاع لا يحتمل نقلا حرفيا.

وتتحول مهمة المترجم هنا إلى سلسلة من القرارات المتصلة ببعضها، تبدأ بالاختيار بين الحفاظ على غرابة النص الأصلي وتقريبه من قارئ اللغة الجديدة، وتمتد إلى البحث عن مثل يؤدي الوظيفة نفسها أو الاحتفاظ بالمثل الأصلي وشرح سياقه، وصولا إلى الاختيار بين نقل التورية بمعناها المباشر وصنع تورية أخرى تؤدي وظيفتها.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يفيد المترجم الأدبي، إذ يستطيع البحث في استعمالات كلمة واقتراح احتمالات ومقارنة تراكيب ومساعدة المترجم في بعض الأعمال التمهيدية، لكن القيمة الحاسمة تظهر عند الاختيار بين الاحتمالات. ويسأل المترجم هنا عن سلامة العبارة وعن قدرتها على أداء الوظيفة التي أدتها داخل النص الأصلي.

ويمثل الفارق بين الصحة والأثر أحد أهم حدود النقاش الحالي، لأن الآلة تستطيع الوصول إلى صياغة صحيحة لغويا، بينما يبحث المترجم الأدبي عن صوت وشخصية وإيقاع ومناخ، وقد يحتاج أحيانا إلى الابتعاد عن البنية الأصلية كي يحافظ على أثرها. وعرف المترجمون هذه المفارقة منذ زمن طويل، وجاءت الأدوات الجديدة لتجعلها أكثر حضورا في النقاش المهني.

الترجمة الفورية.. حين تقلصت المسافة إلى ثوان

لا يقف التحول عند النص المكتوب، فقد شهدت الترجمة الفورية تقدما كبيرا مع النماذج متعددة الوسائط التي تتعامل مع الكلام والصوت، وتقلص زمن الانتقال من لغة إلى أخرى. وأصبحت خدمات كانت تحتاج إلى تجهيزات متخصصة متاحة لملايين الأشخاص عبر الهواتف والحواسيب والتطبيقات، وهو تحول يحمل آثارا مباشرة على السفر والعمل والتواصل اليومي.

ويوضح بولعراق أن الأنظمة الحديثة تحركت بعيدا عن المسار التقليدي الذي يعتمد تحويل الكلام إلى نص، ثم ترجمة النص وإعادة تحويله إلى صوت، واتجهت بعض النماذج نحو معالجة أكثر مباشرة للإشارة الصوتية. وتستطيع تقنيات حديثة التعامل مع النبرة والسرعة وبعض السمات التعبيرية بدرجات متفاوتة، إلى جانب تقليص زمن الاستجابة إلى ثوان.

وتقدم هذه القدرات فائدة واضحة في مواقف كثيرة، إذ يستطيع مسافر التحدث إلى شخص لا يعرف لغته، ويمكن لمشارك في لقاء متابعة حديث بلغة أخرى، وتستطيع مؤسسة معالجة قدر كبير من المحتوى الصوتي بسرعة. لكن الاستخدام اليومي البسيط لا يحمل المسؤولية نفسها التي تحملها جلسة قضائية أو مفاوضات دبلوماسية أو استشارة طبية.

وتوضح الأمم المتحدة أن المترجم الفوري يحتاج إلى معرفة واسعة بالشؤون الدولية والموضوعات التقنية ومصطلحات المنظمة، وإلى القدرة على التعامل مع السرعة والأسلوب واللهجات المختلفة، إلى جانب العثور على مقابلات ثقافية مناسبة. وتبين هذه المتطلبات أن الترجمة الفورية المهنية تعتمد على فهم المجال والسياق والثقافة إلى جانب سماع الكلمات وإعادة إنتاجها بلغة أخرى.

ومن هنا يرى بولعراق أن سرعة الآلة لا تعني اختفاء المترجم، بل تغير موقعه داخل سلسلة العمل، إذ تؤدي التقنية دورا أكبر في المواقف التي تحتاج إلى استجابة سريعة ومباشرة، بينما تصبح الخبرة البشرية أكثر أهمية كلما احتاج النص إلى تحليل وتأويل وتكييف ثقافي وتقدير للأثر، ويتحول المترجم تدريجيا إلى مشرف معرفي على عمل تشارك فيه الأدوات الرقمية.

7 آلاف لغة أمام بوابة رقمية غير متساوية

تدفع هذه التحولات إلى سؤال أوسع من مستقبل المهنة يتعلق بمصير اللغات نفسها، إذ تشير اليونسكو إلى وجود أكثر من سبعة آلاف لغة مستخدمة في العالم، بينما لا يحضر على الإنترنت سوى نحو ألف لغة. ويكشف هذا الفارق أن الجزء الأكبر من التنوع اللغوي البشري لا يملك حضورا رقميا يناسب حجمه الثقافي والإنساني.

ولا تتعلق الفجوة بعدد المواقع وحده، لأن تقنيات اللغة تحتاج إلى نصوص رقمية ومدونات وقواميس وتسجيلات صوتية ونصوص متوازية وقواعد مصطلحات ومواد راجعها متخصصون. وتواجه كل لغة تفتقر إلى هذه الموارد صعوبة أكبر في تطوير أدوات التعرف إلى الكلام والترجمة الآلية ومعالجة اللغة الطبيعية والخدمات الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي.

ولهذا أطلقت اليونسكو خارطة طريق عالمية للتعدد اللغوي في العصر الرقمي، وربطت الحضور اللغوي على الإنترنت بالوصول إلى التعليم والصحة والعمل وبالهوية الثقافية والتماسك الاجتماعي. ويتحرك النقاش هنا من التقنية إلى العدالة اللغوية، لأن الفارق يظهر بين مجتمع يستطيع استخدام أدوات العصر بلغته ومجتمع يضطر إلى الانتقال إلى لغة أخرى حتى يستفيد منها.

وتتغير بهذا المعنى صورة الفجوة الرقمية، لأن امتلاك هاتف واتصال بالإنترنت لا يكفي إذا كانت الخدمات التي يحتاجها المستخدم ضعيفة بلغته، أو إذا قدمت له الأنظمة نتائج أقل دقة من تلك التي تقدمها لمستخدم لغة أخرى. وتحتاج المساواة الرقمية إلى موارد لغوية تسمح للتقنية بخدمة جماعات مختلفة بدرجات متقاربة من الجودة.

وتحتل الترجمة موقعا مركزيا داخل هذه العملية، لأن النصوص المترجمة بعناية والموارد المصطلحية والقواميس المتخصصة تستطيع المساهمة في بناء بيانات عالية الجودة. ولا ينقل المترجم المعرفة بين قارئين فقط في هذه الحالة، بل يشارك بطريقة غير مباشرة في إنتاج المادة التي تحتاجها تقنيات اللغة حتى تتعامل مع لغات متعددة بدرجة أفضل.

الجزائر.. مختبر لغوي شديد التعقيد

تأخذ المسألة في الجزائر صورة أكثر تعقيدا بسبب المشهد اللغوي الذي يجمع العربية الفصحى والدارجة الجزائرية واللغة الأمازيغية بتنوعاتها والفرنسية، إلى جانب حضور الإنجليزية المتزايد في بعض المجالات العلمية والتعليمية والتقنية. ويضاف إلى ذلك تناوب لغوي يومي يسمح للمتحدث بالانتقال بين أكثر من نظام لغوي داخل الجملة الواحدة وفق السياق وطبيعة الحديث.

ويصف بولعراق الجزائر بأنها حالة دراسية معقدة بالنسبة إلى تقنيات الترجمة الذكية، لأن الخوارزمية قد تواجه في عبارة واحدة العربية والدارجة وكلمة فرنسية وتعبيرا أمازيغيا، وقد تجد النص مكتوبا بالحروف العربية أو اللاتينية أو بنظام شائع على الشبكات يستخدم الأرقام للتعبير عن أصوات عربية لا تقابلها حروف لاتينية مباشرة.

ولا تمثل هذه الظاهرة اضطرابا لغويا يمكن للآلة تنظيفه ثم العودة إلى لغة «صافية»، بل تشكل استعمالا اجتماعيا نشأ داخل المجتمع وله وظائفه وسياقاته. ويستطيع المتحدث الجزائري اختيار كلمة فرنسية في موضع معين لا بسبب عجزه عن إيجاد كلمة عربية، وإنما لأن الكلمة داخل الاستعمال اليومي قد تحمل نبرة أو معنى اجتماعيا مختلفا.

وقد تستعير الدارجة كلمة فرنسية ثم تغير نطقها أو بنيتها أو معناها، وقد تحمل العبارة العربية الدارجة معنى لا يصل إليه من يفسر كلماتها وفق العربية الفصحى وحدها. وتجعل هذه التحولات القاموس غير كاف، وتحتاج النماذج إلى بيانات تمثل الاستعمال الفعلي داخل المجتمع بدل الاعتماد على الموارد العامة للغات الأصلية.

ويرى بولعراق أن أولى الصعوبات ترتبط بندرة الموارد الرقمية الموثوقة للدارجة الجزائرية وعدد من التنوعات الأمازيغية مقارنة باللغات واسعة الموارد، لأن نقص المدونات المتوازية والنصوص المراجعة والتسجيلات المصنفة يؤثر في قدرة النماذج على التعلم، خصوصا مع اختلاف طرق الكتابة وغياب نمط إملائي واحد في كثير من الاستعمالات غير الرسمية.

وتظهر منصات التواصل الاجتماعي حجم المسألة، إذ يبدأ مستخدم عبارته بالعربية، ثم ينتقل إلى الفرنسية، ويعود إلى الدارجة، ويكتب جزءا بالحروف اللاتينية، وقد يستخدم رقما داخل كلمة واحدة. وتحتاج الآلة هنا إلى تحديد اللغة والمعنى والسياق الاجتماعي في الوقت نفسه، بينما لا تساعدها الحدود التقليدية بين اللغات دائما على تفسير ما يحدث داخل الخطاب الجزائري.

البيانات اللغوية.. مورد استراتيجي للجزائر

يقود هذا الواقع إلى قضية أوسع من شراء البرامج أو الاشتراك في الخدمات الرقمية، إذ تحتاج الجزائر، وفق بولعراق، إلى بناء مدونات لغوية وطنية واسعة وموثوقة تغطي العربية والأمازيغية وكذلك الدارجة. وترتبط قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع اللغة بحجم البيانات المتاحة ونوعيتها ومدى تمثيلها لمختلف المناطق والأجيال وأنماط الاستعمال.

وتشمل هذه الموارد الوثائق المؤسساتية والأعمال الأدبية والقواميس والمصطلحات والنصوص التاريخية والتسجيلات الصوتية والمحتوى المحلي الذي يستطيع الباحثون تنظيمه ومعالجته وفق معايير علمية. ولا تخدم هذه المادة الترجمة وحدها، بل تستطيع دعم التعرف إلى الكلام والبحث الآلي والتعليم الرقمي وحفظ التراث الشفهي وتطوير التطبيقات الموجهة للمستخدم الجزائري.

ويربط بولعراق بناء هذه الموارد بالسيادة اللغوية أيضا، لأن اللغة التي لا تمتلك بيانات كافية داخل البيئة الرقمية ستعتمد على أنظمة تعلمت عنها من مصادر محدودة أو لا تمثل كل تنوعها. وكلما ارتفع حضور الموارد المحلية الجيدة، تحسنت قدرة الباحثين والمؤسسات على تطوير نماذج وأدوات أقرب إلى الواقع اللغوي للبلاد.

وتبرز هنا مفارقة لافتة تتمثل في قدرة التقنية على المساهمة في حفظ الخصوصيات الثقافية إذا استخدمها الباحثون لهذا الغرض، رغم قدرتها أيضا على تسطيح تلك الخصوصيات عندما تعتمد على موارد محدودة. ويمكن للتعرف الآلي إلى الكلام أن يساعد في أرشفة التسجيلات، بينما تستطيع الرقمنة تحويل الوثائق القديمة إلى مواد قابلة للبحث ودعم بناء معاجم ومدونات لغوية واسعة.

لكن النجاح يحتاج إلى تمثيل حقيقي للتنوع، لأن جمع البيانات من منطقة واحدة أو فئة عمرية واحدة أو نمط لغوي واحد يجعل النظام يتعلم صورة ناقصة عن المجتمع. وترتبط جودة المورد اللغوي لذلك بتنوعه، وبالطريقة التي ينظم بها الباحثون المادة ويصنفونها ويراجعونها قبل استخدامها في التدريب أو الاختبار أو تطوير التطبيقات.

الجزائر والترجمة.. من النشاط المتفرق إلى سياسة معرفة

شهد سبتمبر الجاري الطبعة الثالثة من «شهر الترجمة في الجزائر» التي نظمتها أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي بوهران، بمشاركة باحثين وأكاديميين ومترجمين من الجزائر وعدد من الدول، وخصص البرنامج جانبا من نقاشاته للذكاء الاصطناعي وصناعة المصطلح وهندسة التواصل والترجمة الرقمية.

وجاءت التظاهرة بعد أشهر من ملتقى وطني نظمه المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر العاصمة يوم 15 فيفري 2026 حول «الترجمة والتعليمية». وناقش المشاركون واقع الترجمة في التعليم الجزائري وآفاقها في ظل الرقمنة والتطورات التكنولوجية، وطرحوا علاقتها باللسانيات التطبيقية وتعليم اللغات ومتطلبات سوق العمل وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال.

وتشير هذه الأنشطة إلى حضور الموضوع داخل الجامعة والمؤسسات اللغوية، لكن تحويل هذا الحضور إلى أثر مستدام يحتاج إلى الانتقال من المناسبات والندوات إلى برامج طويلة النفس. وتحتاج الترجمة العلمية إلى تحديد أولويات، والمصطلحات إلى تحديث مستمر، والموارد الرقمية إلى فرق تجمع المترجم واللغوي والمتخصص في المجال والباحث في الذكاء الاصطناعي.

ويرى الإعلامي والمترجم الصغير سلّام أن الترجمة في الجزائر تواجه تحديات متداخلة، في مقدمتها تطوير التكوين المتخصص، إذ يحتاج المترجم، حسب طرحه، إلى إتقان اللغات ومعرفة بالمجالات التي يعمل فيها، ومنها القانون والاقتصاد والطب والعلوم والتكنولوجيا، إلى جانب التحكم في أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

الصغير سلّام إعلامي مترجم
الصغير سلّام إعلامي مترجم

وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة لأن معرفة لغتين لا تكفي وحدها لترجمة نص متخصص؛ فقد يتقن شخص الفرنسية والعربية بدرجة عالية، لكنه يحتاج إلى معرفة قانونية عندما يترجم عقدا، وإلى أساس طبي عند معالجة تقرير صحي، وإلى إلمام بالمفاهيم الاقتصادية إذا عمل على وثيقة مالية، وبذلك يصبح التخصص جزءا من الكفاءة المهنية للمترجم.

ويتوقف الصغير سلّام عند المصطلح بوصفه تحديا رئيسيا، خصوصا في المجالات العلمية والتقنية التي تنتج مفاهيم جديدة بوتيرة سريعة، لأن النقل الحرفي للمصطلح لا يحل المشكلة دائما. ويحتاج المترجم إلى تحديد المقصود داخل المجال ومعرفة الاستعمال السائد والحفاظ على الثبات عندما يتكرر المصطلح في الوثائق أو الأعمال العلمية.

ويدعو سلّام لهذا السبب إلى تطوير قواعد بيانات ومراجع ومكانز مصطلحية عربية متخصصة ومحدثة، وإتاحتها للمترجمين والباحثين والمؤسسات. ويمكن لهذه الموارد أن تخدم البشر والأنظمة الرقمية في الوقت نفسه، لأن القاعدة المصطلحية الدقيقة تساعد المترجم على توحيد اختياراته وتوفر مادة موثوقة تستطيع الأدوات التقنية الاستفادة منها.

ترجمة المعرفة إلى العربية.. وترجمة الجزائر إلى العالم

يطرح سلّام مسألة أخرى تتعلق بالتنسيق بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات والمترجمين والناشرين، ويرى أن العمل المتفرق حسب الطلب لا يكفي لبناء حركة ترجمة قادرة على خدمة التنمية العلمية والثقافية. ويحتاج الأمر، حسب تصوره، إلى رؤية تحدد المجالات ذات الأولوية وتربط الترجمة بحاجات البحث والتعليم والاقتصاد والتطور العلمي.

ويمكن لهذه السياسة أن تتحرك في اتجاهين متكاملين؛ ينقل الأول الإنتاج العلمي والتقني العالمي إلى العربية وفق برامج تختار الأعمال والمجالات ذات الأولوية، بينما ينقل الثاني البحث والفكر والأدب والإنتاج الثقافي الجزائري إلى لغات أخرى. وتحتاج الجزائر إلى الاتجاهين، لأن استيراد المعرفة وحده لا يجعل إنتاجها المحلي حاضرا داخل التداول الدولي.

ويمثل الاتجاه الأول قضية وصول إلى المعرفة، لأن الطالب والباحث والمهني يحتاجون إلى متابعة التطورات العلمية بلغات مختلفة، ولا تستطيع الترجمة وحدها حل كل مشكلات البحث، لكنها تقلل الحاجز اللغوي وتساعد في بناء مصطلحات عربية حديثة. ويزداد أثرها عندما ترتبط بالكتب المرجعية والمجلات العلمية والمحتوى التعليمي وقواعد البيانات المتخصصة.

ويتصل الاتجاه الثاني بحضور الجزائر خارج مجالها اللغوي المباشر، إذ تمتلك الجامعات ومراكز البحث والكتاب الجزائريون إنتاجا يحتاج إلى قنوات لغوية تصل به إلى قراء جدد. وتدخل ترجمة هذا الإنتاج إلى الإنجليزية والإسبانية والفرنسية ولغات أخرى ضمن تداول المعرفة وإدخال المرجع الجزائري إلى نقاشات علمية وثقافية دولية أوسع.

ويصبح الذكاء الاصطناعي مفيدا إذا ساعد في تخفيض الوقت والكلفة في المراحل الأولية، خصوصا عند معالجة كميات كبيرة من المواد، بشرط وجود مراجعة بشرية متخصصة. ويرى سلّام الصغير أن الاستخدام الفعال لهذه التقنيات يقوم على الجمع بين سرعة الأدوات الرقمية وخبرة المترجم في التدقيق وضبط السياق واتخاذ القرار اللغوي النهائي.

ويرتبط هذا التصور بسؤال أوسع حول موقع الترجمة داخل السياسة العلمية، لأن تعامل المؤسسة معها باعتبارها مهمة تأتي عند الحاجة فقط يبقي العمل متفرقا ويؤدي إلى إعادة إنتاج المصطلحات نفسها. ويستطيع التخطيط طويل الأمد ربط اختيار الكتب والمراجع بحاجات الجامعات ومراكز البحث والقطاعات الاقتصادية، ثم بناء أرصدة يمكن تحديثها باستمرار.

الجامعة أمام مترجم جديد

يغير هذا التحول طبيعة التكوين الذي يحتاجه طالب الترجمة، إذ لا يكفي النموذج التقليدي القائم على دراسة النظريات وإتقان لغتين أو ثلاث وحده أمام أدوات العمل الرقمية الحالية. ويحتاج الطالب إلى الجمع بين المعرفة اللغوية والتخصصية والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا من دون تحويلها إلى مصدر وحيد للحكم على النص.

ويحتاج التكوين الحديث إلى الجمع بين اللغة والثقافة والتخصص والمصطلحات وأدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب والذكاء الاصطناعي وأساليب التحقق من المعلومات، إلى جانب معرفة أخلاقيات المهنة. وقد يطرح استعمال نظام خارجي لمعالجة عقد أو ملف طبي أو وثيقة إدارية قضايا تتصل بالسرية وحماية البيانات قبل الوصول إلى سؤال جودة الترجمة.

ويحتاج سوق العمل بدوره إلى إعادة تعريف المهارات التي يبحث عنها، إذ قد تتراجع قيمة بعض المهام المتكررة التي تستطيع البرمجيات إنجازها بسرعة، بينما ترتفع أهمية المراجعة والتحرير اللاحق وضبط المصطلحات والتكييف الثقافي والتحقق من المصادر وإدارة المشاريع اللغوية. ويغير هذا التحول توزيع الوظائف داخل المهنة بدل اختزال مستقبلها في فكرة الاختفاء.

ويشير بولعراق إلى مهام بدأت تحتل مساحة أوسع، ومنها التحرير اللاحق للترجمة الآلية، والتكييف الثقافي، وإعادة الصياغة الإبداعية، وضبط المصطلحات، وتصميم الموجهات اللغوية، ومراقبة الانحيازات والسلامة اللغوية والأخلاقية. وتحتاج هذه الوظائف إلى مترجم يعرف التقنية من الداخل، لكنه يحتفظ بقراره المهني ولا يسلم للأداة بالحكم النهائي على النص.

وتقدم تجربة الأمم المتحدة صورة مبكرة لهذا النموذج، إذ يستخدم المترجمون أدوات متقدمة لاسترجاع الترجمات السابقة والمصطلحات والوصول إلى الترجمة الآلية، لكنهم يواصلون البحث والتحقق والتشاور حول المصطلحات الجديدة وتسجيل النتائج داخل قاعدة UNTERM. وتعتمد التقنية هنا على معرفة تراكمت عبر عمل بشري ومؤسسي طويل، ثم تساعد على استرجاعها وإعادة استخدامها.

وتطرح هذه التحولات على أقسام الترجمة في الجامعات سؤالا يتصل بالمناهج نفسها، إذ يحتاج الطالب إلى التدريب على اكتشاف الخطأ الذي تنتجه الآلة، لا على تشغيل الأداة وحدها. وقد تخفي سهولة الوصول إلى الترجمة الأولية ضعفا في القدرة على التقييم إذا لم يمتلك المترجم معرفة لغوية وتخصصية تسمح له بالتمييز بين الصياغة المقنعة والصياغة الدقيقة.

من يملك مسؤولية الخطأ؟

يصبح سؤال المسؤولية أكثر إلحاحا كلما زادت جودة النص الذي تنتجه الآلة، لأن المستخدم يستطيع اكتشاف الترجمة الركيكة بسرعة، بينما يصعب عليه اكتشاف خطأ داخل صياغة تبدو مقنعة ولا يراه سوى المتخصص. وقد يدفع الشكل السليم القارئ إلى قبول المحتوى من دون مراجعة أو تحقق إضافي، وهو ما يرفع أهمية التدقيق البشري في المجالات الدقيقة.

ويلفت بولعراق إلى أن النموذج لا يتحمل مسؤولية قانونية أو مهنية عن النتيجة بالطريقة التي يتحمل بها المترجم أو المؤسسة مسؤولية الوثيقة التي تعتمدها. وتصبح هذه المسألة شديدة الأهمية في العقود والأحكام والتقارير الطبية والوثائق الرسمية، حيث قد ينتج عن خطأ صغير أثر مادي أو قانوني كبير بالنسبة إلى الأشخاص المعنيين.

ويعني ذلك أن المؤسسات تحتاج إلى سياسات واضحة تحدد الحالات المناسبة لاستخدام الترجمة الآلية، والحالات التي تحتاج إلى مراجعة بشرية، والمواد التي ينبغي أن يتولى متخصص معالجتها كاملة. ولا توجد إجابة واحدة تناسب كل المجالات، لأن ترجمة رسالة سياحية قصيرة لا تحمل مستوى المخاطر نفسه الذي تحمله ترجمة تقرير طبي أو بند في اتفاق دولي.

وتقدم المفوضية الأوروبية مثالا مباشرا عندما تنبه إلى أن جودة الترجمة الآلية قد تختلف بين النصوص والأزواج اللغوية، وتمنع الاعتماد على خدمتها الآلية لترجمة تشريعات الاتحاد بدل النسخ القانونية الرسمية. ويوضح هذا الفصل بين الاستخدامات أن النقاش الأكثر فائدة يتعلق بالمجال والرقابة والغرض، بدل اختزاله في قبول الذكاء الاصطناعي أو رفضه.

ولا تتوقف المسؤولية عند صحة المصطلح، لأن السرية تشكل جانبا آخر من العمل المهني، إذ قد يحتوي العقد أو الملف الطبي أو الوثيقة الإدارية معلومات لا يجوز إدخالها إلى خدمة خارجية من دون معرفة طريقة تعاملها مع البيانات. ويضيف هذا الجانب إلى مهارات المترجم الحديثة معرفة أساسية بشروط استخدام الأدوات التي يعتمد عليها.

هل يحمي الذكاء الاصطناعي اللغات أم يدفعها إلى الهامش؟

تحمل التقنية احتمالين متعاكسين؛ إذ تستطيع مساعدة اللغات محدودة الموارد عبر الرقمنة والتعرف إلى الكلام وبناء المعاجم والترجمة، لكنها قد توسع الفارق إذا تركز الاستثمار في اللغات التي تمتلك أصلا أكبر قدر من البيانات والمستخدمين والأسواق. وتتوقف النتيجة على السياسات والموارد والبحث العلمي ونوعية المشروعات التي تختارها المجتمعات والمؤسسات.

وفي الحالة الجزائرية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحثين في جمع التراث الشفهي وتحويل التسجيلات إلى نصوص وفهرسة الوثائق وبناء قواعد بيانات ودراسة الاختلافات اللهجية وإنتاج أدوات تخدم العربية والأمازيغية والدارجة. وتحتاج هذه الإمكانات إلى مشاريع منظمة وبيانات موثوقة وإشراف علمي يضمن جودة المادة وتمثيلها لمختلف البيئات اللغوية.

ولا يتعلق الرهان بحفظ الماضي وحده، لأن الموارد التي يجمعها الباحثون اليوم قد تصبح أساسا لتطبيقات المستقبل في التعليم والإدارة والإعلام والخدمات الرقمية. ويستطيع الاستثمار في البيانات اللغوية أن يخدم الذاكرة الثقافية والتطور التقني في الوقت نفسه، شرط أن ينطلق من تصور يعتبر اللغة موردا معرفيا يحتاج إلى بناء مستمر.

وترتبط «السيادة اللغوية» التي يتحدث عنها بولعراق بالقدرة على إنتاج البيانات وإدارتها وتطوير الخبرة الوطنية اللازمة لمعالجتها، لأن المجتمع الذي يوثق لغاته ويبني موارده ويطور باحثيه يستطيع المشاركة في صناعة الأدوات التي ستتعامل معه. أما المجتمع الذي يهمل هذه الموارد، فيبقى معتمدا على نماذج صنع الآخرون الجزء الأكبر من بياناتها وأولوياتها.

المترجم لا يغادر المشهد.. بل يغير مكانه

من السهل تقديم النقاش في صورة مواجهة بين الإنسان والآلة، لكن الواقع المهني أكثر تركيبا، لأن المترجمين استخدموا الحاسوب والقواميس الإلكترونية وذاكرات الترجمة وقواعد المصطلحات منذ سنوات طويلة. ويأتي الذكاء الاصطناعي ليزيد حجم المهام التي تستطيع الأداة إنجازها داخل مسار مهني عرف التكنولوجيا قبل ظهور النماذج التوليدية الحالية.

ويتعلق المتغير الأهم بتوزيع الوقت والجهد، إذ يستطيع المترجم ترك جزء أكبر من البحث المتكرر واسترجاع الجمل وإنتاج المسودة الأولى للأداة، ثم تخصيص وقت أكبر للمراجعة والمقارنة والتحقق. ولا تتحقق هذه الفائدة تلقائيا، لأن تصحيح نص آلي ضعيف قد يستهلك وقتا أكبر من ترجمة النص من البداية، خصوصا في المواد الدقيقة أو الإبداعية.

وتختلف النتيجة بين لغة وأخرى ومجال وآخر؛ فقد تقدم الأداة أداء قويا في نص تقني متكرر بين لغتين تمتلكان موارد ضخمة، ثم تتراجع أمام نص أدبي أو لهجة محلية أو مجال شديد التخصص. لذلك يحتاج المترجم إلى تقييم الأداة نفسها، ومعرفة الحالات التي توفر فيها الوقت والحالات التي تضيف فيها طبقة جديدة من الأخطاء.

وتصبح هذه القدرة جزءا من المهنة الحديثة، لأن المترجم الجيد لن يكون الشخص الذي يرفض التقنية ولا الشخص الذي يقبل كل ما تنتجه، بل سيحتاج إلى معرفة ما تستطيع الأداة فعله وأين تتراجع وكيف يتحقق من اقتراحاتها ومتى يعود إلى المصدر والمصطلح والمتخصص بدل الثقة في جملة تبدو مقنعة من الناحية الأسلوبية.

ويرى الصغير سلّام أن تحويل الترجمة في الجزائر إلى مسار منتظم لنقل المعرفة يحتاج إلى رؤية تجمع تطوير التكوين ودعم الترجمة المتخصصة وتحديث الموارد المصطلحية وتشجيع المشاريع التي تنقل المعرفة من العربية وإليها، إلى جانب أطر واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المهنة وربط الترجمة بمنظومة البحث العلمي والثقافة والاقتصاد.

«قوة أن تكون مفهوما».. سؤال أكبر من الترجمة

يختصر شعار اليوم العالمي للترجمة لعام 2026 جزءا كبيرا من هذا النقاش، لأن «قوة أن تكون مفهوما» تتصل بقدرة الإنسان على الوصول إلى المؤسسة والخدمة والمعرفة من دون أن يضيع المعنى في الطريق، وبقدرته أيضا على التعبير عن تجربته بلغته والوصول بها إلى الآخرين، وهو ما يجعل الترجمة عنصرا أساسيا في المشاركة وتداول المعرفة.

وتبرز المفارقة عند مقارنة هذا الشعار بالثورة التقنية الحالية، إذ يستطيع هاتف صغير اليوم إنجاز عمليات ترجمة كان تنفيذها يحتاج قبل عقود إلى وقت وجهد كبيرين، ومع ذلك يبقى العالم بعيدا عن مساواة لغوية حقيقية. وتوجد آلاف اللغات خارج الجزء الأكبر من الإنترنت، بينما تدخل مجتمعات كاملة عصر الذكاء الاصطناعي بموارد رقمية أقل من غيرها.

ولهذا لا يكفي الاحتفال بقدرة الآلة على ترجمة عدد متزايد من اللغات، لأن السؤال الأهم يتعلق بجودة حضور كل لغة داخل هذه الأنظمة، ومن ينتج بياناتها ويحدد مصطلحاتها ويصحح أخطاءها، وقدرتها على التعبير عن ثقافتها داخل النموذج من دون الخضوع الدائم لقوالب صنعتها لغات أكثر قوة في البيئة الرقمية.

ويحمل هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، بما تملكه من ثراء لغوي يجعلها ميدانا مناسبا للبحث في الترجمة ومعالجة اللغة، لكنه يفرض في الوقت نفسه عملا كبيرا في بناء الموارد. وتمثل العربية والأمازيغية والدارجة والتناوب اللغوي الواقع الذي تحتاج التقنية إلى تعلم التعامل معه إذا أرادت خدمة المستخدم الجزائري بدقة.

ويحتاج هذا المسار إلى الجامعات ومراكز البحث والمجلس الأعلى للغة العربية والمؤسسات المعنية باللغة الأمازيغية والهيئات الثقافية والمترجمين والناشرين وخبراء الذكاء الاصطناعي. وتستطيع كل جهة إنتاج جزء من المورد المطلوب، لكن القيمة الأكبر تظهر عندما ترتبط الجهود بمشاريع طويلة الأمد تسمح بتبادل البيانات والمصطلحات والخبرات وفق قواعد علمية واضحة.

وبعد نحو نصف قرن من توصية اليونسكو بشأن حماية المترجمين، وتسع سنوات على قرار الأمم المتحدة الذي خصص 30 سبتمبر للاحتفاء بالترجمة، تجد المهنة نفسها أمام تحول لا يتعلق بأداة جديدة وحدها، بل بإعادة صياغة العلاقة بين اللغة والمعرفة والتكنولوجيا، وبالدور الذي سيؤديه الإنسان عندما تستطيع الآلة إنتاج الكلمات بسرعة هائلة.

ولا تكمن الإجابة في إقصاء أحد الطرفين، لأن الآلة تتقدم في السرعة ومعالجة الأحجام الكبيرة واسترجاع الأنماط، بينما يحتفظ الإنسان بمسؤولية الاختيار والتأويل وتقدير المقام والثقافة والأثر. وكل تحسن في قدرة الآلة على إنتاج نص سلس يزيد أهمية القدرة البشرية على اكتشاف ما يبدو صحيحا في ظاهره لكنه لا يؤدي المعنى المطلوب داخل سياقه.

وفي الجزائر، تستطيع هذه المرحلة أن تتحول إلى فرصة إذا انتقل الاهتمام من استهلاك أدوات الترجمة إلى المشاركة في بناء مواردها، عبر إنشاء المدونات والقواميس وقواعد المصطلحات، ورقمنة التراث اللغوي، ودعم البحث في العربية والأمازيغية والدارجة، وتطوير تكوين المترجمين، وهي أعمال تحدد موقع اللغات الوطنية داخل الجيل المقبل من التقنيات.

ويبقى التحدي مزدوجا، ويتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع انتقال المعرفة إلى الجزائر، وبناء الأدوات والموارد التي تساعد المعرفة الجزائرية على الوصول إلى الخارج. وتحتاج البلاد إلى ترجمة ما ينتجه العالم وإلى نقل إنتاجها العلمي والفكري والثقافي نحو لغات أخرى، حتى تتحرك المعرفة في الاتجاهين ويصبح المترجم طرفا في إنتاجها وتداولها.

ويعود يوم الترجمة هنا إلى جوهره المرتبط بانتقال المعنى بين البشر، لأن القضية لا تتعلق بعدد اللغات التي تستطيع الآلة الانتقال بينها، ولا بالزمن الذي تحتاجه لترجمة كتاب، وإنما بقدرة الترجمة على الحفاظ على المعنى والسياق والخصوصية الثقافية عند الانتقال من لغة إلى أخرى، مع بقاء مسؤولية الإنسان عن النص الذي يصل في النهاية إلى الطرف الآخر.

 

↑