الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تلك الأيام

في اليوم العالمي للمرأة ..نساء صنعن التاريخ بين الإيمان والفكر والنضال

Author
ربيعة خطاب 08 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في كل عام، ومع حلول اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تتجدد الذاكرة الإنسانية لاستحضار سير نساء صنعن التاريخ، ليس فقط بإنجازاتهن، بل بما حملنه من قيم الإيمان والعلم والشجاعة والصبر. وعند استحضار المرأة في الحضارة الإسلامية والجزائرية، تبرز أسماء لامعة تركت بصماتها في التاريخ الروحي والفكري والنضالي. من بين هذه الأسماء تقف أربع شخصيات نسائية شامخة: خديجة بنت خويلد، ورابعة العدوية، ولالة فاطمة نسومر، وحسيبة بن بوعلي؛ نساء جسّدن في عصور مختلفة صورة المرأة المؤثرة في مجتمعها وفي مسار التاريخ.

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها … سيدة التجارة وأم المؤمنين

عند الحديث عن النساء الرائدات في العالم الإسلامي، تتقدم خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوجة الرسول (ص) الصفوف باعتبارها واحدة من أعظم نساء الإسلام. وُلدت في مكة حوالي سنة 556 ميلادية في بيت شرف ونسب من قريش، ونشأت في بيئة تجارية جعلتها من أشهر تاجرات مكة في عصرها.

لم تكن خديجة امرأة عادية في مجتمعها؛ فقد عُرفت بالحكمة والذكاء وحسن التدبير، وكانت تدير قوافل تجارية تمتد إلى الشام واليمن. وقد اشتهرت بصدقها ونزاهتها حتى لُقبت بـ“الطاهرة”.

تزوجت خديجة من النبي محمد (ص) وعمرها أربعون سنة تقريباً، بينما كان عمره خمساً وعشرين سنة. ومنذ تلك اللحظة أصبحت شريكته في الحياة والدعوة، فكانت أول من آمن به عندما نزل الوحي عليه في غار حراء. وعندما عاد النبي مضطرباً بعد نزول الوحي، كانت خديجة أول من هدّأه وصدّق رسالته.

وقد لعبت دورا محوريا في بدايات الدعوة الإسلامية؛ إذ ساندت النبي نفسيا وماليا، ووقفت إلى جانبه في مواجهة تكذيب قريش واضطهادها للمسلمين. كما شاركته معاناة الحصار الذي فرضته قريش على بني هاشم في شِعب أبي طالب، حيث تحملت الجوع والمرض مع بقية المسلمين.

توفيت خديجة سنة 619 ميلادية عن عمر ناهز 65 عاماً، في عام عُرف في التاريخ الإسلامي بعام الحزن، بعد وفاة عم النبي أبو طالب بن عبد المطلب بفترة قصيرة. ودُفنت في مقبرة المعلاة، تاركة وراءها إرثاً من الوفاء والدعم الذي أسهم في تثبيت أركان الدعوة الإسلامية في بداياتها.

رابعة العدوية… فلسفة الحب الإلهي

بعد قرون من زمن خديجة، ظهرت في العالم الإسلامي شخصية روحانية فريدة هي رابعة العدوية، التي عُرفت بالزهد والعبادة العميقة، وأصبحت إحدى أشهر شخصيات التصوف الإسلامي.

وُلدت رابعة في مدينة البصرة في القرن الثامن الميلادي، وعاشت حياة صعبة في طفولتها قبل أن تتفرغ للعبادة والزهد. لكن تلك المعاناة لم تمنعها من التحول إلى رمز روحي وفكري في تاريخ التصوف.

اشتهرت رابعة بفلسفتها القائمة على الحب الإلهي الخالص، حيث كانت ترى أن العبادة يجب أن تكون بدافع الحب لله وليس خوفاً من النار أو طمعاً في الجنة. وقد تجسدت هذه الفكرة في دعائها الشهير:
“اللهم إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك حباً لك فلا تحرمني من رؤيتك”.

لقد أثرت أفكار رابعة العدوية في مسار الفكر الصوفي، وأصبحت رمزاً للروحانية العميقة. وقد أثنى عليها كبار العلماء والمتصوفة، من بينهم سفيان الثوري وابن الجوزي، اللذان اعتبراها من كبار الزهاد في عصرها.

لالة فاطمة نسومر… أسطورة المقاومة الجزائرية

في التاريخ الجزائري، تبرز شخصية لالة فاطمة نسومر باعتبارها واحدة من أعظم النساء اللواتي قُدن المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر.

وُلدت لالة فاطمة حوالي سنة 1830 في منطقة القبائل قرب عين الحمام، في بيئة دينية محافظة. ومنذ صغرها عُرفت بالذكاء والقوة الروحية، ما جعلها تحظى بمكانة خاصة بين القبائل.

عندما بدأ الاحتلال الفرنسي التوسع في مناطق القبائل، ظهرت لالة فاطمة نسومر كقائدة روحية وعسكرية للمقاومة الشعبية. فقد شاركت في تنظيم المقاومة بين عامي 1854 و1857، وأسهمت في تعبئة القبائل لمواجهة الجيش الفرنسي.

كانت شخصيتها تجمع بين الإيمان والشجاعة، حتى اعتقد بعض أتباعها أن الله منحها قدرات خاصة مثل التنبؤ بالأحداث وشفاء المرضى. وقد أصبحت رمزاً للأمل والصمود في مواجهة الاستعمار.

لكن بعد سلسلة من المعارك العنيفة، تمكنت القوات الفرنسية من القبض عليها سنة 1857. ونُقلت إلى منطقة بني سليمان حيث ظلت سجينة حتى وفاتها سنة 1863.

ورغم النهاية المأساوية، بقيت لالة فاطمة نسومر رمزاً وطنياً في الجزائر، يجسد شجاعة المرأة وقدرتها على قيادة المقاومة في أصعب الظروف.

حسيبة بن بوعلي… زهرة الثورة الجزائرية

أما في القرن العشرين، فقد سطعت نجمة المناضلة الجزائرية حسيبة بن بوعلي، التي أصبحت إحدى رموز الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

وُلدت حسيبة في 18 يناير 1938 بمدينة الشلف، ونشأت في عائلة وطنية. ومع اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1954، التحقت بصفوف جبهة التحرير الوطني وهي لا تزال في سن مبكرة.

برز دورها بشكل خاص خلال معركة الجزائر سنة 1957، حيث شاركت في النشاطات السرية للثوار داخل العاصمة. وكانت مسؤولة عن نقل الرسائل والأسلحة والمساعدة في العمليات الفدائية.

وفي 9 أكتوبر 1957، حاصرت القوات الاستعمارية المنزل الذي كانت تختبئ فيه في حي القصبة بالعاصمة الجزائر العاصمة. وبعد رفضها الاستسلام، فجّر الجيش الفرنسي المنزل، ما أدى إلى استشهادها وهي في التاسعة عشرة من عمرها.

تحولت حسيبة بن بوعلي بعد استشهادها إلى رمز للشباب الجزائري ولتضحيات المرأة في سبيل الحرية والاستقلال.

إن استحضار سير هؤلاء النساء في اليوم العالمي للمرأة لا يقتصر على مجرد التذكير بالتاريخ، بل هو تذكير بدور المرأة في صناعة الحضارة. فقد جسدت خديجة بنت خويلد نموذج المرأة الداعمة وصاحبة الحكمة الاقتصادية، بينما مثلت رابعة العدوية البعد الروحي والفلسفي للمرأة في الحضارة الإسلامية.

أما في الجزائر، فقد تحولت المرأة إلى رمز للنضال الوطني، كما جسدته لالة فاطمة نسومر في القرن التاسع عشر، وواصلته حسيبة بن بوعلي خلال الثورة الجزائرية في القرن العشرين.

هذه النماذج التاريخية تؤكد أن المرأة لم تكن يوماً هامشية في التاريخ الإسلامي أو الجزائري، بل كانت شريكة أساسية في بنائه، سواء في ميادين التجارة والفكر والروحانية أو في ساحات المقاومة والتحرير.

وفي زمن تتجدد فيه النقاشات حول دور المرأة ومكانتها في المجتمع، تبقى هذه الشخصيات شاهداً على أن المرأة، حين تتسلح بالإيمان والعلم والإرادة، قادرة على صنع التاريخ وترك أثر لا يمحوه الزمن.