الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تلك الأيام

في ذكرى استشهاده الـ65.. الجيلالي بونعامة الرجل الذي حوّل الونشريس إلى معقل للثورة

Author
ربيعة خطاب 08 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ليلة 8 أوت 1961، كانت معركة غير متكافئة تدور في قلب البليدة، لكن رجال الثورة لم يكونوا يعرفون معنى الاستسلام. وبينما كانت القوات الاستعمارية تحاصر المكان بأعداد كبيرة وتستعين بوحدات المظليين والفرقة 11 للتدخل السريع التي جرى نقلها على عجل من كورسيكا، كان أحد أبرز قادة الثورة في الولاية الرابعة، الشهيد الجيلالي بونعامة المدعو سي محمد، يخوض مع رفاقه معركتهم الأخيرة. 

ولد الشهيد الجيلالي بونعامة المعروف باسم سي محمد يوم 16 أفريل 1926 في قلب الونشريس بدوار بني هندل بقرية موليار التي حملت اسمه بعد الاستقلال، ضمن بلدية برج بونعامة بولاية تيسمسيلت. ومنذ سنواته الأولى اصطدم بواقع الاستعمار، فالتحق بالمدرسة الابتدائية في مسقط رأسه قبل أن يطرد منها في جويلية 1939، ليجد نفسه مضطرا إلى العمل في منجم بوقايد، حيث بدأت تتشكل لديه مبكرا ملامح الوعي الاجتماعي والسياسي.

وفي سنة 1944، أدى الجيلالي بونعامة الخدمة العسكرية الإجبارية في الهند الصينية ضمن فرقة القناصة، قبل أن يتم تسريحه بسبب إصابته بمرض رئوي، ليعود إلى العمل في المنجم، لكنه لم يعد الرجل نفسه الذي غادره. فقد انخرط في صفوف نقابة المنجمين ثم التحق سنة 1946 بحركة انتصار الحريات الديمقراطية، قبل أن يصبح ممثلا لها، ثم اختير عضوا في المنظمة الخاصة، وهو ما وضعه في قلب النشاط السياسي السري المناهض للاستعمار.

وفي سنة 1948، وخلال فترة انتخابات النواب للمجلس الوطني الفرنسي، نظم بونعامة مظاهرة مناهضة للاستعمار، فاعتقل وحكم عليه بالسجن ستة أشهر. غير أن السجن لم يضع حدا لنشاطه، بل واصل تحركه بين العمال والمناضلين، إلى أن قاد سنة 1951 إضرابا لعمال منجم بوقايد استمر خمسة أشهر، وحقق صدى تجاوز حدود الجزائر ووصل إلى فرنسا، ليؤكد أن النضال العمالي كان أحد روافد المقاومة الوطنية التي سبقت اندلاع الثورة التحريرية.

وفي جويلية 1954، حضر الجيلالي بونعامة فعاليات مؤتمر هورنو في بلجيكا، وبعد عودته شرع في التحضير لاندلاع الثورة التحريرية بمنطقة الونشريس والشلف رفقة الشهيد أحمد عليلي المدعو سي البغدادي، وتحت إشراف الشهيد سويداني بوجمعة. ومع اقتراب اندلاع الثورة، كانت السلطات الاستعمارية تراقب تحركاته، إلى أن سارعت في 6 نوفمبر 1954 إلى اعتقاله وتدمير منزله، الأمر الذي دفع والديه إلى الفرار نحو الجبال خوفا من بطش القوات الاستعمارية.

بعد سجنه في الجزائر العاصمة وفرض الإقامة الجبرية عليه في وهران، تمكن بونعامة من الفرار والوصول إلى الشلف، ومنها التحق بصفوف جيش التحرير الوطني في جبل بيسا بمنطقة تنس، حيث سرعان ما فرض وجوده بفضل نشاطه وقدرته على التنظيم. وبالتعاون مع سي البغدادي، ساهم في تحويل جبال الونشريس إلى أحد أهم معاقل الثورة التحريرية، وأظهر قدرة كبيرة على إدارة المراحل الصعبة والتعامل مع الظروف العسكرية والسياسية المعقدة.

وبعد مؤتمر الصومام، وفي صيف 1957، عين سي محمد برتبة ملازم عسكري وعضوا في مجلس المنطقة الثالثة بالولاية الرابعة، حيث شرع في تشكيل وحدات قتالية محنكة وتنظيم عمليات نوعية ضد القوات الاستعمارية. كما عمل على تشكيل أفواج من الفدائيين والمسبلين، مستفيدا من معرفته بالتنظيم والعمل السري، وتمكن من إلحاق خسائر بالقوات الفرنسية عبر عمليات اعتمدت على الكمائن والمباغتة واستغلال طبيعة المنطقة الجبلية.

وفي صيف العام نفسه، تولى الجيلالي بونعامة قيادة المنطقة الثالثة التي كانت تشمل وادي الشلف وجبال الونشريس والظهرة وزكارة وجزءا من سهل سارسو. وبفضل تنظيمه السياسي والعسكري والاجتماعي، تحولت المنطقة إلى مجال بالغ الصعوبة بالنسبة للقوات الاستعمارية التي لجأت في كثير من الأحيان إلى القصف الجوي، في محاولة للحد من نشاط وحدات جيش التحرير الوطني وانتشارها.

وخلال مسيرته العسكرية، خطط سي محمد ونفذ رفقة رجاله عددا من العمليات النوعية، من بينها القضاء على وحدة آليات قرب ناربو، وإبادة كتيبة فرسان شمال شرق ثنية الحد وأسر قائدها، إلى جانب عملية لامارتين التي أسفرت عن أسر نحو 30 جنديا. كما قاد بنفسه فيلق العمليات بالونشريس، ونصب كمينا لقافلة على الطريق الرابط بين الأصنام وموليار، أسقطت خلاله طائرتان.

وفي أفريل 1958، تمكن الجيلالي بونعامة من تنظيم عملية فرار جماعية لعناصر بلحاج وإلحاقهم بصفوف جيش التحرير الوطني، كما تم القضاء على قائدهم كوبيس. وفي السنة نفسها عين عضوا في مجلس الولاية الرابعة برتبة رائد عسكري إلى جانب العقيد سي امحمد بوقرة قائد الولاية، ليواصل بعد ذلك تصعيد دوره القيادي داخل الثورة.

وبعد استشهاد العقيد سي امحمد بوقرة، تولى سي محمد قيادة الولاية الرابعة في صيف 1960، ليبدأ مرحلة جديدة ركز خلالها على إعادة تنظيم صفوف جيش التحرير الوطني في المناطق الجبلية التي أخلاها الاستعمار من سكانها، إلى جانب تنظيم العمل الثوري داخل المدن. ولم يكن بونعامة ينظر إلى العمل العسكري بمعزل عن العمل الشعبي، بل كان يدرك أن استمرار الثورة يحتاج إلى شبكة واسعة من الاتصالات والمعلومات والدعاية والتعبئة.

وفي هذا السياق، أعد سي محمد لإطارات جيش التحرير الوطني ما عرف باسم “دليل الفدائي”، وهو مجموعة من المبادئ الأساسية لحرب العصابات، تحولت لاحقا إلى مرجع للمجاهدين. كما أسس جهازا للدعاية شديد الفعالية في البليدة، مستفيدا من بعض مطابع المدينة وبمساعدة عدد من مستخدمي البلدية وأعوان مستشفى الأمراض العقلية، وحرص على توزيع المناشير التي تشرح مراحل الكفاح وتعبئ السكان وتوضح أهداف الثورة.

وفي آخر مراحل حياته، اتجه نشاطه أيضا نحو الإعلام الثوري، حيث عمل على بث حصص إذاعية بهدف تعبئة الشعب وتوعيته، بالتوازي مع إعادة تنظيم الخريطة العسكرية للولاية الرابعة. كما ألحقت المنطقة المستقلة التي تضم العاصمة والساحل والمتيجة بالولاية الرابعة وأطلق عليها اسم المنطقة السادسة، واختار قلب مدينة البليدة مركزا لقيادة الولاية وتنفيذ عدد من الخطط الجريئة.

ومن أبرز المحطات التي ارتبطت بقيادته تنظيم مظاهرات 11 ديسمبر 1960 ومظاهرات جويلية 1961، التي حملت رسائل سياسية وشعبية واضحة ضد المشاريع الاستعمارية الرامية إلى تقسيم الجزائر، وأكدت تمسك الجزائريين بوحدة البلاد واستقلالها.

وفي ليلة 8 أوت 1961، كانت النهاية. فقد تمكنت القوات الاستعمارية من محاصرة المكان الذي كان يوجد فيه سي محمد وعدد من رفاقه، مستعينة بوحدات المظليين وحامية البليدة، قبل أن تدعمها الفرقة 11 للتدخل السريع التابعة للرئاسة، والتي نقلت على وجه السرعة من كورسيكا إلى موقع المعركة. ورغم الحصار الكبير، واجه الجيلالي بونعامة ورفاقه القوات الفرنسية بمقاومة شرسة، وكبدوا القوات المهاجمة خسائر معتبرة في الأرواح وعشرات الجرحى، قبل أن يستشهد سي محمد ورفاقه في واحدة من آخر المعارك الكبرى التي خاضها قادة الثورة قبل استقلال الجزائر.

↑