في ذكرى رحيل “أبو العيد دودو”.. “الحمار الذهبي” يَحنُّ إلى “الدّعّاس”

قبل أيام حلّت ذكرى رحيل الأديب والمُترجم والأكاديمي “أبو العيد دودو” الذي وافته المنيّة يوم السادس عشر جانفي 2004، بعدما قضى عقودا طويلة في البحث والتأليف والتّدريس الجامعي، وقد أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤُلّفات التي أضاءت زوايا مجهولة من تاريخنا الوطني، وفتحت آفاق أمام العقل العلمي، وأسهمت في الرقيّ بالأدب الجزائري.

الدّعّاس فارسُ الفتوحات الإبداعية

اختار الدكتور “أبو العيد دودو” اسم “الدَّعَّاس” ليوقّع به كتاباته الدورية التي كانت تحت عنوان “صور سلوكية”، وينشرها في جريدة “الشعب”. و”الدّعّاس” في قواميس اللغة هو شديد الطّعن بالرّمح، ومن يترك آثارا على الطريق من شدة وقع أقدامه، وهو الرّجل المقدام في الحروب والشّدائد، ويُقال بأن “دودو” هو اسم “الدّلال” لـ “الدّعّاس”. ويبدو أن اختيار فقيدنا لهذا الاسم لم يكن “اعتباطيا”، بل كان يُعبّر عن شخصيّته العلمية والأدبية والإنسانية، فقد كان “دعّاسًّا” بحق، ترك آثاره عميقةً جليّةً في الأدب الجزائري والعربي، وقادته فتوحاته إلى ترجمة أعمال من الألمانية إلى العربية، لها قيمتها التاريخية والأدبية، حيث أنها كشفت عن مراحل من تاريخنا الوطني قبيل الاستعمار وخلال عقوده الأولى.

عودةُ “الحمار الذهبي” إلى “سوق أهراس”

وهو “دعّاسٌ” أيضا فقد أعاد “الحمار الذهبي” إلى مدينة “مادور”، التسمية القديمة لمدينة مداوروش بولاية سوق أهراس، وأكّد بأنها ليست رواية كاملة في التاريخ الأدبي العالمي فحسب، بل هي وثيقة تاريخية تشهد على عظمة الجزائر عبر العصور. كما أعاد تأصيل الهوية الجزائرية لكاتب الرواية الفيلسوف والكاتب “أفولاي” بالأمازيغية أو “لوكيوس أبوليوس” الذي حاولت بعض الأقلام العربية أن تُجرّده من هويته وتُلحقَه بانتماء آخر، رغم أن “أفولاي” (125م – 180م)، ابن سوق أهراس في القرن الثاني الميلادي، يُعبّر عن انتمائه بكل فخر واعتزاز قائلا: “لم يتملّكني في يوم من الأيام أيّ نوع من الشعور بالخجل من هويتي ومن وطني”.

هناك كُتّابٌ عرب آخرون ترجموا رواية “الحمار الذهبي” إلى اللغة العربية، مثل: الكاتب الليبي “علي فهمي خشيم” الذي ترجمها تحت عنوان “تحوُّلات الجحش الذهبي”، والكاتب التونسي “عمار الجلاصي” الذي ترجمها تحت عنوان “الحمار الذهبي أو التحولات”، غير أن ترجمة “أبو العيد دودو” تمتاز بأنها لم تتعامل مع الرواية كعمل أدبي فقط، بل تعاملت معها بالروح الجزائرية التي جمعت بين الكاتب والمُترجم، وما نتج عن ذلك من شغف “الشعور” بالمعاني التي تتجاوز “صناعة” صياغتها في قوالب الكلمات.

دودو.. الأديب المسرحي

إضافةً إلى رسالته العلمية التي انطلق في تأديتها، منذ ستينيات القرن الماضي، عندما التحق بمجال البحث الأكاديمي والتّدريس في الجامعة الجزائرية، فقد كان “أبو العيد دودو” مُبدعا أدبيا مُتميّزا قدّم للمكتبة العربية العديد من المُؤلّفات منها في مجال القصص: بحيرة الزيتون (1967)، دار الثلاثاء (1971)، الطعام والعيون (1998)، وفي مجال المسرحية: التراب (1968)، البشير (1981). كما حقّق بعض الكتب منها كتاب “التاريخ المنصوري” من تأليف محمد بن نظيف الحموي، وقدّم مجموعة من الدراسات النقدية، والبحوث عن أعلام وشخصيات من الجزائر، ورصيد من المقالات المُنوَّعة التي نشرها في الصحف والمجلات الجزائرية والعربية.

دودو.. مدرسةٌ في الترجمة من الألمانية

انفرد “أبو العيد دودو” بالترجمة من اللغة الألمانية إلى العربية، فهو مدرسة قائمة بذاتها في هذا الاتجاه، حيث قام بترجمة العديد من الكتب التي تجاوزت الأربعة والعشرين كتابا منها: ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا لـ “هاينريش فون مالتسان”، قسنطينة أيام أحمد باي لـ “فندلين شلوصر”، الأمير عبد القادر لـ “يوهان كارل بيرنت”، مذكرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر لـ “سيمون بفايفر”، الطب الشعبي الجزائري في بداية الاحتلال للطبيب الدنماركي “ألبر فون شونبيرغ”..

كلّ الكُتّاب مَعنيون بكتابة تاريخ الوطن

تتميز تلك الكتب المُترجمة بأنها ذات قيمة تاريخية كبيرة لما تحتويه من معلومات حول المجتمع الجزائري عموما خلال العقود الأولى من الاستعمار، ولعل تلك المعلومات ما كانت لتتوّفر لولا هذه الترجمات. غير أن فقيدنا لا يعتبر نفسه مُؤرّخا، بل هو يقدّم مساعدات للمؤرخين من خلال توفير مصادر باللغة الألمانية التي ليس لها مجالٌ للتداول في الجزائر بين الباحثين والدارسين وحتى الأدباء. وفي هذا السياق، أوضح “أبو العيد دودو” في مقدّمة كتابه “الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان 1830-1855″، قائلا: “إني أعتقد من واجب كل من يتقن لغة أجنبية أن يشارك في إعادة كتابة تاريخ بلاده بغضّ النظر عن ميدان اختصاصه. ومشاركته هذه تتم في نظري عن طريق عرض النصوص المكتوبة بهذه اللغة أو تلك، وتقديمها للمؤرخ المتخصص لتقويمها وربطها بقرائنها التاريخية، ثم مقارنتها بغيرها من النصوص لمعرفة مدى صحتها وموافقتها للوقائع التاريخية”.

المفكّر “عمّار بوحوش”: أبـو العيـد دودو كما عرفتــه

إن أبلغ وأصدق من يكتب عن “أبو العيد دودو” هو ابن بلدته ورفيقه الكاتب والمفكّر “عمّار بوحوش”، فقد نشر في موقعه الإلكتروني الخاص موضوعا بعنوان “أبـو العيـد دودو كما عرفتــه”، واخترنا أن نأخذ منه اقتباسات لإضاءة السيرة الذاتية لفقيدنا. يقول “بوحوش”: ولد أبو العيد دودو في عام 1934م بقرية أزيَّار، دُوَّار تمنجر، ببلدية الميلية (آنذاك) التابعة لولاية قسنطينة. ونظرا لوفاة والده، بلقاسم، وهو صغير، فقد قامت بتربيته والإشراف على تعليمه، والدته الفاضلة قدّور علجية. ولعل هذا الحرمان من والده وهو صبي، هو الذي دفعه إلى الاجتهاد في مدرسته القرآنية والسعي لكسب العلم والمعرفة، بحيث أنه كان متفوقا على زملائه في المدرسة، وهذا التميز في بداية حياته هو الذي جعل الناس في القرية يلتفتون إلى أبو العيد دودو ويظهرون اهتمامهم الكبير به.

لقد استفاد أبو العيد دودو، عندما كان يواصل دراسته بمعهد عبد الحميد ابن باديس، من رعاية الشيخ أحمد حماني، والشيخ الزاهي وجميع الأساتذة بالمعهد الذي كان شغلهم الشاغل هو تكوين نشء جديد في المعهد لكي يحافظوا على اللغة الوطنية والقيم الإسلامية، بحيث لا ينسلخ أبناء الجزائر عن عقيدتهم الإسلامية. وعندما قررت جمعية العلماء إرسال الطلبة المتفوقين بالمعهد إلى المشرق العربي لمواصلة دراستهم العالية هناك، استفاد أبو العيد دودو من هذا القرار، وكان نصيبه هو الالتحاق بدار المعلمين العليا ببغداد. (تخرّج منها عام 1956 حاملا شهادة الليسانس في الأدب العربي. ثم التحق، في السنة نفسها، بقسم الدراسات الشرقية في جامعة فيينا بالنّمسا، حيث نال درجة الدكتوراه في شهر مارس 1961، وبقي مُدرّسا بها إلى غاية عام 1969 حيث عاد إلى الوطن).

وبعد عودته إلى الجزائر، في آخر الستينات من القرن العشرين والتحاقه بجامعة الجزائر، شرع الأستاذ أبو العيد دودو في نشر العديد من المقالات الخاصة بالجزائر والتي كانت جاهزة في معظمها، حيث كان قد كتبها عندما كان في “فيينا” (النمسا) ولم يتمكن من إرسالها إلى المجالات والجرائد الجزائرية. وحسبما فهمت منه، فقد كان يحظى بتشجيع كبير من السيد مولود قاسم (وزير الشؤون الدينية) الذي كان يعرفه جيد المعرفة لأن مولود قاسم كان موجودا بفيينا أيام الثورة الجزائرية. وكما هو معروف، فإن وزارة الشؤون الدينية كانت تشرف على إصدار مجلة “الأصالة” التي أسندت رئاسة تحريرها إلى السيد عثمان شبوب. كما كان يحظى أبو العيد دودو بدعم معنوي قوي من الدكتور طالب الإبراهيمي (وزير التربية والتعليم آنذاك) ويشجعه على الكتابة في مجلة “الثقافة” التي كان يشرف عليها الدكتور حنفي بن عيسى، بعد أن تم تعيينه وزيرا للثقافة في عهد الرئيس هواري بومدين. واستفاد أيضا الدكتور أبو العيد دودو من تسهيلات في نشر دراساته وأبحاثه في “المجاهد الأسبوعي”، و”المجاهد الثقافي”، والقسم الثقافي لجريدة “الشعب” اليومية.

دعوة إلى إعادة تثمين أعمال “دودو”

من الأمور المُهمّة التي كشفها الكاتب “عمار بوحوش” في مقاله هو الرصيد الوثائقي باللغة الألمانية حول الجزائر الذي كان يمتلكه فقيدنا، حيث يقول: “وعندما زرته في بيته بحي “الأسفوديل” ابن عكنون، عام 1970 أطلعني على عشرات الوثائق التي جلبها معه من النمسا وألمانيا، وأكد لي بأنه ينوي ترجمتها إلى العربية ونشرها في الجزائر، لأنه يوجد فراغ كبير في الميدان الثقافي، وخاصة في نشر الأبحاث الخاصة بالجزائر والتي كتبها علماء ومفكرون نمساويون وألمانيون عن الجزائــر”. وفي هذا الاتجاه، تدعو “الأيام نيوز” إلى إعادة تثمين الرصيد المعرفي المطبوع والمخطوط للكاتب “أبو العيد دودو”، وإعادة إحيائه وبعثه. كما تدعو الباحثين الجزائريين إلى تجديد منهج فقيدنا والبحث في أرشيفه الشخصي، وأيضا في البحث عن الأرشيف الجزائري في لغات أخرى غير متداولة مثل اللغة الألمانية.