السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

في ذكرى رحيل “محمود درويش”.. سيّد الغياب يوقّع حضوره

Author
محمد ياسين رحمة 11 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في الذكرى الـ18 لرحيله، يحضر الشاعر الفلسطيني «محمود درويش» من الأثر الذي تركه في القصيدة العربية، فقد اختطفه الموت في 9 أوت 2008 بمستشفى «هيوستن»، عقب عملية جراحية على القلب. إلا أن الغياب لم يطفئ صوته؛ ظلت قصيدته تقول إن «أثر الفراشة لا يرى، أثر الفراشة لا يزول»، وظل واحدا من أكثر الشعراء المعاصرين رسوخا في الذاكرة الأدبية والثقافية العربية، بينما عبرت قصائده إلى أرجاء العالم بأكثر من 20 لغة.

وقد ظلت مقولته “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” تتردّد في مدى الأزمة وفي وعي الأجيال.. وسيبقى “مديح الظل العالي” يؤنس كل فلسطيني، ويقول له: “كم كنتَ وحدك، يا ابن أمِّي/ يا ابنَ أكثر من أبٍ/ كم كنتَ وحدك/ القمح مرّ في حقول الآخرين/ والماء مالح/ والغيم فولاذٌ، وهذا النجم جارح/ وعليك أن تحيا وأن تحيا/ وأن تعطي مقابلَ حبَّةِ الزيتون جِلدَك”.

في ذكرى رحيله، أصدر الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين جاء فيه: “سنة أخرى تحمل زهر غيابك وتسلم على بيتك.. في بروة البلاد العالية، ليسهر قمر عكا تحت سماءٍ ترتب الغيمات ألحانا متجددة في قيثارتك الرسولة بين شهيد ومولود يحبو نحو الضوء الفلسطيني”.

وأضاف البيان: “18 سنة وأنت تبدّل قمصانك حسب ألوان قوس قزح، وتقلّم أظفارك في كرمل الكروم، وتغسل بالشعر بحرنا من غير مديح فائض عن موج كسول. لا يغيب شعرك لننساك، ولا تغيب قصائدك عن منحدرات العنب في سهل العمر لنقول إننا تركناك وحيدًا لورد السلّم اللوبي أمام بوابة اللغة، بل أنت معنا يا محمود في انبساط الوجع على مد الوطن ومديده المنهك، وصوتك الفضي يغرس شجيرات النور على ضفاف الحلم الأكبر، ولا تأخير للفداء من أجل الخلاص، إنما الخذلان يعيق الوعد بحجارة التطبيع، وسكاكين التغافل المسموم”.

وواصل البيان بلغة مشبعة بروحٍ درويشية خالصة، وكلمات استمطرت معانيها من غيمات كان “محمود درويش” يرعاها في سماواته الشعرية، “وإلينا مواعيد أخرى لا ننساك فيها، فأنت لا تُنسى، وكيف؟ وصورك في كل مكان أمام عيوننا، وصوتك على المسموع برتقاله، والمسافر زيته، والحاضر بكل تفاصيلك الجديدة، لنشكر تكنولوجيا الحداثة على هذا الحضور البهي لحنجرتك الصافية والحالمة بحصادنا الأكبر، والبدر يحط على تلال البلاد خاتمة الألم الطويل، ويرتدي حرية تليق بالشهداء والأنبياء وسفر المتعبين”.

وختم البيان مناجاته لسيّد الغياب بهذا الوعد “نم يا محمود درويش قربنا بحراسة النرجس والفل، ونخلة تسهر على صوتك القادم كل مساء من آلة لا تسكت، وهذا انتظارنا سينتهي يوما لكي نصل بك والوطن إلى ما نريد، وإلى كل شيء يعجبنا”..

غسان زقطان: ثمة ما لا يمكن تعويضه

لسنوات طويلة نعمت بصداقة “محمود درويش”، كانت تلك ضربة حظّ يعود للشعر ولرام الله ولحسن الطالع فضل حدوثها، صداقة منحتني الكثير من كلّ شيء. وها هي تبدو من هنا مثل إقامة طويلة في “كتاب سحري”. هكذا تصبح هذه الجائزة امتدادا حميما للرفقة.

مع محمود درويش، لا تتعلّم الشعر، ولكنّك تهتدي إلى حكمة الإصغاء، الإصغاء إلى حركة الحياة والكائنات في سعيها الدؤوب للعيش، إلى أصوات الناس وهي تتدفّق في ممرات تاريخ هذه البلاد. والإصغاء إلى الكتابة، هناك بالضبط تكمن قوة محمود درويش، في القدرة على الإصغاء إلى شغف روحه ونبض شعبه ومعجزة أن تخلق إنسانا.

وحيث تتقاطع الجسور التي بناها لتصل بين هذه الجزر والممرات التي حفرها، تكمن فكرته عن الشعر، ويتبدّى خطابه الذي شكّل اعتراضا طويلا على السائد واليقين والمتوقّع والمنجز، على الرطانة والبلاغة المنتشية بذاتها، البلاغة التي تشكّلت عبر سوء تفاهم شامل مع الحياة وحقائقها.

الآن تبدو تلك الرفقة وحواراتها غير المنتهية، النصائح الصغيرة المتخفية، الكلام البسيط عن: الحياة وغايات اليوم والناس.. الوطن بزمنه كاملا وجغرافيّته كاملة.. الاحتلال قناع الفاشيّ وذراعه.

كيف يصبح المنفى ثقافة وينهض سؤال الطريق والبيت؟ المقاومة كضرورة أخلاقية، المقاومة غنيمتنا النبيلة التي انتزعناها من التاريخ؟ استنفاد الأشكال والبحث عن وصفة التوحيديّ والمشي على رؤوس الأصابع كي لا يجفل الحصان الوحيد في مرثية مالك ابن الريب؟

السؤال الصباحي عن شاعر شاب في القدس، الغارة الأخيرة على الشجاعية، البنت الصغيرة والأطفال الأربعة الذين ما زالوا يركضون على شاطئ غزة، اغتيال الفتيان في أسرّتهم وعبء الأمل. الضجر من السياسيين، الضجر الشديد من السياسيين. الضحك وقراءة النمائم في الصحف، كلّ هذا وسواه يتحوّل إلى مسؤولية يستحيل تفاديها.

لماذا اخترت الحفرة للسقوط مع العدوّ والجسر للحديث مع إدوارد سعيد؟

يذهب محمود درويش، ولا يجيب.

ثمة ما لن يتم تعويضه؛ غياب الشاعر.

كلمة قرأتها أثناء تسلمي لجائزة “محمود درويش”.

ليس لدي سوى ثلاث صور مع محمود رغم الرفقة الطويلة..

طه خليل: ذكرى الرحيل.. من أمجد ناصر إلى محمود درويش

التقينا في “برلين” منذ سنوات خلت، في أمسية شعرية ضمت العديد من الأسماء، وحين جاء دور عازف العود العراقي، “نصير شما”، وبدأ يعزف مقطوعات (غربية للغربيين كاستعراض فج)، أمسك بيدي محمود درويش – كنا نجلس متجاورين – وهمس لي: “قوم نطلع يا كردي هاد بدو جاك دريدا ليفهم عليه “، وغادرنا القاعة إلى البار.

هناك تحدثنا مطولا، وشعرت برهبة وهو يسألني عن رأيي بقصيدته التي ألقاها بعنوان “حالة حصار!”، فقلت له: حين قرأت عنوانها طننت أنها ستشابه “مديح الظل العالي” وحصار بيروت. فنظر إليّ وابتسم وقال لي بما معناه لم يقتلنا غير مثل ذاك الشعر!

ثم فهمت منه الكثير حول وظيفة الشعر، وأن الشعر ليس “حذار من جوعي ومن غضبي وإن جعت آكل لحم مغتصبي”!

يا الله، في تلك اللحظة شعرت أن هذا الرجل الكبير قد فتح لي نافذة وسيعة بحجم الكون لأرى منها الشعر والحياة والتعايش بين البشر ومواجهة صلف المعتدين بإنسانية تجعلهم يخجلون من فضيحة وجودهم، وشعرت من يومها أنني تغيرت وتبدلت، وأن الكبير “محمود درويش” قد أعطاني درسا سأفكر به كلما أردت الكتابة.

بعدها بدأ يروي لي نكات عن الكرد ومواجهتهم لجيش “صدام”، ومن ثم تغيرت دفة الحديث وتحدثنا عن الشعراء الجدد أو الشباب في سوريا (كنا وقتها من الشباب والجدد)، وذكرت له اسم صديقي الشاعر الفلسطيني “عبد الله عيسى”، وحاولت أن أوحي له بأننا ثنائيان آخران؛ كردي وفلسطيني (ملمحا لثنائية محمود درويش وسليم بركات)، وفهم المقصد على الفور وقال لي: “شوف يا طه يا كردي، عبد الله صديق عزيز وشاعر مهم يعجبني بهذا الولد الفلسطيني أنه يتعامل مع اللغة كما لو أنها له فقط تخشاه ولا يخشاها، وحين تقول لي أنكما صديقان سأشعر الآن بغبطة لي ولكما”، وقال أكثر من ذلك لكنني نسيت وقد حكيت كل ما قاله إلى “عبد الله” يومها، ربما يتذكر أكثر مني.

وتحدثنا كثيرا، وتعلمت منه الكثير في تلك الليلة، إلى أن أنهى “شمة” معزوفاته وخرج الجمهور، وجاء “أمجد ناصر” ليكمل صارخا ومقهقها لي:” كردي في برلين كبدوي في لندن”. كان زمن الكبار، وزمن نشكر الدنيا على أننا التقينا مع هؤلاء فيها.

تحية إلى روح الكبيرين “أمجد ناصر” و”محمود درويش”. وتحية إلى صديقي وتوأم العزلة “عبد الله عيسى” وهو يناديني لزيارته في موسكو قبل أن ينال منا ظلام التربة الباردة.

ثائر أبو عطيوي: تجليات الوجد وأنشودة الحياة

إلى “محمود درويش”، ابن الطين، وابن البروة، والعود الجليلي، وزعتر الدراويش، ومنبت العشب الأخضر، والصورة الحاضرة، ولحن المعنى، وأنشودة البقاء.. ما دامت رحلة العطاء متجددة فينا.

في ذكرى رحيل “محمود درويش”، الشاعر الذي صنع من الأفق آفاقًا متعددة، منفردةً، متداخلةً، ومتشابكةً، ليكتمل نسيج الحروف ضمن كلمة تمنح الشعر واحةً في عالم تفرد بصناعته. “محمود درويش”، الذي أثبت حضوره الدائم في عالم الغياب، مسافرٌ عبر صهيل الكلمات، لغةً وأسلوبًا وشعرًا، ضمن قواسم مشتركة تمتاز بالسهل الممتنع، لتجعل عشاق الأدب والشعر يحلقون في ذات الأفق المتسع، الذي صنعه لهم بمدرسة شعره الفريدة، ذات البعد الإنساني العميق.

في ذكرى الرحيل، لا بد أن يكون للشاعر “محمود درويش” المكانة والحضور في حضرة تجليات الوجد وأنشودة الحياة، التي تعانق صهيل الروح في عليائها ومنتهاها، لتصرخ في الأفق الأخرس وعبثية الحياة: “ها نحن هنا”، معلنةً ميلادًا متجددًا عنوانه الأول والأخير محمود درويش.

ذاك الذي سافر وحده، مبتعدًا عن صخب الحياة العبثي المتناثر بين شظايا لغةٍ لم تعرف المستحيل، ليكون شعره ومفرداته البرهان والدليل في واقعٍ مضطرب، يبحث على الدوام عن عالم الفكرة والإنسان، بخطىً تدرك المكان والزمان، لتكون لها البوصلة والعنوان.

في ذكرى الرحيل، ودون تعريف، لأنه الشاعر الذي امتلك زمام الحروف، ومنح الكلمة في واحة الشعر لغةً وجمالًا وتشريفًا. نفتقده بشدة، لأنه سيد الحضور في عالم وجع الغياب، القريب من الوجدان، ولأنه الطارق على أبواب القلب دون استئذان أو عتاب، بل بوجع الغياب الحاضر فينا.. إلى روح “محمود درويش”، وردةٌ وسلام.

بهاء رحال: معنى ألا يموت الشاعر!

ليس أمرا عاديا أن نرثيك، وليس من الطبيعي لأيّ منا أن يكتبك في صفة الغياب، وأنت وحدك من أجاد الرثاء في حضرة الآخرين، كما في حضرة نفسه التي استبق غيابها، فأنشد لروحه التي رآها تمشي خلف النعش محلقة، تطوف بين منفى وآخر، في محطات العمر وقطار الزمن، كأنه كان يرى ولادة أخرى في ربيع آخر يدركه قبل صيف، وبعد موت يبشر بالولادة، والولادة سر الحياة بعد موت في الخريف، حين تتساقط أوراق الأشجار، فتغطي الأرض لتحرسها من مطر الشمال، ثم تنبت ثانية من جديد، – كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة – وكما تعيد الأشياء تشكيل ذاتها بذاتها في موسم الحصاد، حين تكون الأرض حبلى بالحب.

أيّ أرض تخلو من قصيدتك

عطشى،

فمن يروي تراب الحب بيننا

بعد الغياب..

صمت ينادي من خلف جدار الصمت، والوقت تاريخ ولادة، لا تاريخ موت، كأن بيننا وعدا أخيرا وصلاة عند باب القيامة، بصوتك المخملي، تتلو علينا كلام نشيدنا الوطني: “سجل أنا عربي”، وتقرأ لنا تراتيل حبك: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وتمنحنا حق الرجوع في الحنين للبلاد: “لماذا تركت الحصان وحيدا”، وتعود بنا إلى تلك المنصة، حيث جاوزت الوداع حين ابتسمت لحيفا: “ليس أجمل من هكذا موت”، وتأخذنا مرات ومرات في مواجهة مع تلك الجندية الحمقاء: “هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟”، وتخرجنا لحكمتك بكامل صدقها: “كم كذبنا حين قلنا نحن استثناء”، وتدربنا على تحمل الوقت: “بكوب الشراب المرصع باللازورد، انتظرها”، وتمنحنا فصلا كاملا لا يموت ولا يُنسى: “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”.

بعد شوطٍ من الكتابة، أعود كمن يعود إلى حضن حديقة امتلأت بالزنابق، لا أعرف إلى أين وصلت، وماذا كتبت؟! وهل حقا بدأت؟! أم تقمصت بعض الكلام الذي هو له، كان يقوله وهو المصاب بالأمل، فيرتعش قلبه وينطق القلم، كان يكتبه ليدوننا ولنعيده من بعده يوم يكون الغياب، حالة لا مفر منها ولا هرب، هذا الكلام له، كلام الواقعي يمتطي حصان القصيدة واللغة، وكيف أطاعته؟! كعاشق وصل السبيل وارتشف منه حبات فرح سقى بها عرش الزمان، وكيف أطاعها؟! يوم قدم قلبه كاملا في حضرة الغياب، لكنه عاد باسمه الأفقي الشكل والتكوين، عاد يطبع قبلة على خد القصيدة، عاد يبكي زمانا لم نعد فيه عذارى يوم استبحنا دمنا بأيدينا، ووقفنا نشهد فرقتنا وانقسامنا.

هذي البلاد

بلاد الطيبين، صورة كاملة

لمن ينشدون حقهم

في الحياة…

في 9 أغسطس غيب الموت عاشق فلسطين، وأحد فرسانها الكبار، شاعر المقاومة والحب، شاعر الأرض والإنسان والقضية، شاعر الوجود في ملحمة الأسطورة، الشاعر الكبير محمود درويش، هذا الاسم الذي علا نجما يضيء سماء القصيدة، ولن يموت يوما؛ لأنه حفظ سر البقاء، فخلد للأبد.

في 9 أغسطس فقدت البلاد عاشقها، فبكت يوم عاد في كفن، عاد لحضن أمه الأرض التي حملها في قلبه وهنا على وهن، ومضى يجول في المنافي بحثا عن عناق، عن وطن لم يجد ختمه في جواز السفر، لكنه وجده محفورا في دمه، فنام حيث استراح جسدا وروحا في آن، ومضى يكتبنا من عليائه ويلقي علينا السلام، هذا السلام حين يمر.