الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

في وداع “أحمد قعبور”.. هكذا يرحلون!

Author
وحيد حمود 28 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

من دون شوشرةٍ، من دون ضجيجٍ أو صخب، يحملون صرخاتهم المختبئة تحت الجراح، يلفّون وشاح الموت حول أعناقهم وعلى السّكت يمضون. أحمد قعبور واحدٌ من هؤلاء!

هو ابن بيروت، ولد عام 1955، نشأ في أحيائها، تعلّم في مدارسها، وقف على مسارحها وغنّى لأول مرة وهو لم يبلغ العشرين من عمره وصدح صوته بقصيدة الشاعر توفيق زياد “أناديكم” فكانت كالتسونامي الذي جرف كل محاولات التخاذل، وشدّ على أيدي المقاومين في فلسطين، ثمّ في لبنان، ثم في كل أرضٍ يُدافع أهلها عنها. كانت تجربته الفنية تلك وليدة سياقٍ تاريخي مضطرّب، تزامن مع الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت سنة 1975 واستمرت حتى عام 1990، ومن ثمّ تصاعد وتيرة القضم في القضية الفلسطينية، وتمادي الوحش الصهيوني في اغتصاباته، فكان صوت “قعبور” انعكاسًا صادقًا لتلك المرحلة، وحاملًا لآلامها وآمالها في آنٍ معًا.

منذ بداياته، اتّخذ العبقري “قعبور” لنفسه خطًا فنيًّا واضحًا وملتَزِمًا، قائمًا على البساطة والصدق، بعيدًا عن التعقيد والتكلّف. لم يسعَ إلى الشهرة عبر التجارة بآلام الناس، بل قرّر أن يكون صوت الناس، صوت الأحرار والمقاومين والمهمّشين في الأحياء الشعبية، فكانت أغانيه قريبة من وجدانهم، تعبّر عنهم، وتخاطبهم بلغة مفهومة ومؤثّرة. وقد انعكس هذا التوجّه في اختياره للكلمات والألحان، حيث بدت أعماله وكأنها تنبع من الواقع مباشرة، من دون وسائط أو تلميع.

لقد استطاع العبقري “قعبور” أن يدخل في مسامات كل عربي، في العقول والألباب من خلال التزامه الغنائي وأدبه الملتزم، كتب ولحّن ومثّل وظلّ مثالًا للرجل المقاوم الحرّ بكل ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

السبعينيّ الفتى المقاوِم، استسلم في السادس والعشرين من آذار/ مارس للمرض، ومدّ إلى الموت يدًا، صافحه وهو يبتسم، وهمس في أذنه: “يا رايح صوب بلادي.. دخلك وصّل لي السلام”. لم يستطع أن يرى بلاده تُغتصب وهو على فراشه، كان سُعال الكلمات يتناثر في غرفته في لحظاته الأخيرة، يراقب نشرة الأخبار بعينين شاحبتين من الألم، والألم عنده يتضاعف، ألمٌ في الجسد من مرضٍ يفتك به، وألمٌ في الروح من مرضٍ يفتك بجسد الأمة جمعاء.

كان يريد الصراخ، لقد سمعته، أحسست بما أراد أن يقول، تلك الصرخة الصامتة التي هشّمت حنجرته أحسست بها، فهو الذي لم يترك الإنسان الحرّ وحيدًا، هو الذي حمل فلسطين في قلبه، وغرز الجنوب في روحه، ووقف على المسارح كمقاوِمٍ بالحرف واللحن والكلمة ليصرخ في وجوه الجماهير التي يقام بتخديرها: “أناديكم.. أشدّ على أياديكم”.

وليصرخ في آذان المقاومين في لبنان، في عيتا الشعب، وفي الخيام، وفي النبطية، وفي صور، وفي صيدا، وفي قانا، وفي شعث، وفي البقاع كله، وفي الجنوب كله، وفي فلسطين كلها، وفي غزّة تحديدًا، وفي الضفّة تحديدًا، ليقول بصوته المبحوح:

وأبوس الأرض.. تحت نعالكم

وأقول أفديكم

أيا من وقفت بوجه ظلّامك، يتيمًا عاريًا حافيا، إلا من صوتك الذي ألبسته الكرامة والشرف والعنفوان، لقد سبقتك أغنياتك وصعدت إلى مسارح الكون كلها، وسكنت أرواح الشعوب الثائرة في كل مكان، أنت الذي فقدتك الحياة ولم تفقد صوتك ومنهجك ونهجك الثوري الجامح.

نم في هدوء يا أحمد، فالمبدعون الشرفاء يرحلون بهدوء، من دون صخب وشوشرة، ساخطين على كل ما يحدث، على بلدٍ يقضمه الغول الصهيوني منذ أول آذار على مرأى الكوكب أجمع.

نم في سلام يا أحمد، وأخبر الله بكلّ شيء! أخبره ولا تخف، فالخائفون يتكاثرون.

↑