الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

في يومهم العالمي.. الجزائر تعزّز منظومة الدعم لمرضى التوحّد

Author
صبرينة عيلان 02 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتزامن إحياء اليوم العالمي للتوحد (2 أفريل)، مع إطلاق وزارة التضامن الوطني إحصاء وطنيا شاملا، للأطفال المصابين بهذا الاضطراب، عبر كامل التراب الوطني، بالتوازي مع الشروع في إنشاء مراكز متخصّصة بشكل تدريجي في 4 ولايات هي: بشار، تيبازة، وهران وتبسة، على أن يتمّ توسيعها لاحقا وفقا للاحتياجات، بما يضمن تكفّلا متكاملا وتقريب الخدمات من الفئات المعنية.

يصادف الثاني من أفريل من كل عام “اليوم العالمي للتوعية بالتوحد”، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 2007 بهدف تعزيز الوعي، ودعم الأطفال والمراهقين المصابين بطيف التوحد لتحقيق الاستقلالية، وضمان إدماجهم الكامل في المجتمع. وتُعد هذه المناسبة محطة لتجديد الالتزام الدولي بتكافؤ الفرص، من التعليم إلى الرعاية الصحية وصولا إلى الاندماج الاجتماعي والمهني.

وخلال أكثر من 17 عاما، انتقل الخطاب العالمي حول التوحد من مجرد التوعية إلى ترسيخ مفاهيم القبول والدمج والاعتراف بالتنوع العصبي، باعتباره عنصرا فاعلا في بناء مجتمعات أكثر عدالة واستدامة. ويُحيى اليوم العالمي للتوحد، اليوم الخميس، تحت شعار “التوحد والإنسانية – لكل حياة قيمة”، في دعوة صريحة إلى تجاوز الصور النمطية وتعزيز كرامة الأشخاص المصابين بالتوحد وحقوقهم المتساوية.

وفي الجزائر، عرف ملف اضطراب طيف التوحد خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا، حيث لم يعد يُعالج بمنطق المبادرات الظرفية أو الرعاية الجزئية، بل أصبح جزءا من رؤية وطنية متكاملة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات، وتعتمد على التخطيط والتنظيم والتكفل المتخصص. ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا بضرورة الانتقال إلى سياسة عمومية شاملة تضمن مرافقة فعلية للأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم.

وقد تجسد هذا التوجه من خلال إطلاق إجراءات هيكلية، أبرزها إنشاء المركز الوطني للتوحد، الذي يمثل خطوة مفصلية في إعادة تنظيم منظومة التكفل. ويتولى هذا المركز إعداد البرامج والمناهج الوطنية، وتنسيق الجهود، مع التركيز على الكشف المبكر كأولوية لتحسين فرص التشخيص والتدخل. كما يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين والتأطير والمرافقة البيداغوجية والعلاجية.

مرحلة جديدة في رعاية المصابين بالتوحد
أكد الدكتور محمد بهاليل، مدير النشاط الاجتماعي بوزارة التضامن الوطني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في التعامل مع اضطراب طيف التوحد، تقوم على الانتقال من التشتت إلى التنسيق، ومن المعالجة الجزئية إلى التكفل الشامل. وأوضح أن التوحد أصبح محورا أساسيا في سياسة الإدماج الاجتماعي، بما يؤسس لمنظومة وطنية لا تترك أي فئة على الهامش.

محمد بهاليل

وأشار إلى أن إنشاء المركز الوطني للتوحد جاء تجسيدا لتعليمات رئيس الجمهورية، حيث أُسندت مهامه إلى وزارة التضامن الوطني ليكون هيئة مرجعية تتولى إعداد البرامج والمناهج الخاصة بالمصابين بالتوحد على المستوى الوطني، مع إعطاء أهمية خاصة للكشف المبكر باعتباره حجر الأساس في تحسين مسار التكفل.
كما أوضح أن المركز سيشرف على تنفيذ ومتابعة المخطط الوطني للتوحد، الذي يهدف إلى وضع رؤية شاملة ومندمجة عبر مختلف القطاعات. ويقع مقره بالجزائر العاصمة، مع دعمه بشبكة من المراكز الجهوية، حيث تقرر إنشاء أربعة مراكز لتقديم خدمات التكفل المباشر وتقريبها من المواطنين.
وأضاف أن هذه المراكز ستلعب دورا محوريا في مرافقة الأسر، وتوفير خدمات التشخيص والعلاج والتأطير، إلى جانب دعم جهود الكشف المبكر، مع الإشراف على إعداد البرامج الوطنية وتنسيق تدخلات مختلف الفاعلين لضمان انسجامها.

التكوين والتأطير ركيزة أساسية

وفي سياق دعم الموارد البشرية، تم تنظيم دورات تكوينية لفائدة المعلمين والمؤطرين، شملت ثلاث ورشات متخصصة، تناولت آليات المرافقة، والجانب الأرطوفوني لتطوير القدرات اللغوية، إضافة إلى العمل البيداغوجي التطبيقي. وتهدف هذه المبادرات إلى تزويد المؤطرين بأدوات عملية تعزز جودة التكفل، وتدعم إدماج الأطفال في المسار التعليمي والاجتماعي.

وتنسجم هذه الخطوات مع التوجه العالمي الذي يربط بين جودة التأطير ونجاح سياسات الإدماج، حيث يشكل الاستثمار في الكفاءات البشرية عنصرا حاسما في تطوير الخدمات وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

من جهته، أكد مراد بن أمزال، المدير العام لحماية الأشخاص المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة بوزارة التضامن الوطني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجهود الوطنية تركز على تعزيز التوعية بحقوق المصابين بالتوحد، ودعم الأسر، وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

مراد بن أمزال

وأوضح أن مرافقة الأسر تمثل عنصرا أساسيا في نجاح عملية التكفل، من خلال توفير الدعم النفسي والتربوي، وتمكين الأولياء من أدوات متابعة أبنائهم ومساعدتهم على تحقيق التقدم والاستقلالية.
وأشار إلى أن إنشاء المركز الوطني والمراكز المتخصصة جاء في إطار استكمال المسار القانوني والتنظيمي، مؤكدا أن هذه الخطوات تمثل مكسبا مهما يعزز من جودة التكفل ويضمن استمراريته. كما أوضح أن التوسع في إنشاء المراكز سيتم تدريجيا، حيث تشمل المرحلة الأولى ولايات بشار، تبسة، تيبازة ووهران، مع إمكانية التوسع لاحقا حسب الاحتياجات. وأضاف أن الوزارة باشرت عملية إحصاء شامل للأطفال المصابين بالتوحد، بهدف تحديد الاحتياجات بدقة وتوجيه الموارد بشكل فعال، بما يضمن توفير خدمات ملائمة لهذه الفئة.

نحو منظومة وطنية متكاملة

تعكس هذه الجهود توجها واضحا نحو بناء منظومة وطنية متكاملة، ترتكز على التخطيط، التكوين، والتنسيق بين مختلف القطاعات، وتشمل مراكز متخصصة، برامج تأهيل، دعما للأسرة، وتعزيزا للتوعية المجتمعية. كما تسعى هذه المقاربة إلى تمكين المصابين بالتوحد من تطوير قدراتهم والمشاركة الفعالة في المجتمع.
وفي السياق الدولي، تؤكد المقاربات الحديثة أن إدماج التنوع العصبي يمثل رافعة للتنمية المستدامة، إذ يعزز الإبداع والابتكار ويُسهم في بناء مجتمعات أكثر مرونة وشمولية. ويبرز في هذا الإطار دور الهيئات الدولية، مثل معهد التنوع العصبي، الذي يعمل عبر أكثر من 100 دولة على دعم حقوق الأشخاص ذوي التوحد، وتعزيز حضورهم في مجالات التعليم والعمل والصحة.

كما يشدد الخبراء على أن الانتقال من مقاربة قائمة على العجز إلى مقاربة تركز على الإمكانات، يمثل تحولا جوهريا في فهم التوحد، حيث يُنظر إلى الاختلاف العصبي كعنصر تنوع إنساني ينبغي دعمه لا تهميشه.

وتؤكد هذه الرؤية أن نجاح سياسات الإدماج لا يرتبط فقط بتوفير الهياكل والخدمات، بل أيضا بتغيير النظرة المجتمعية، وتعزيز ثقافة القبول والتنوع، بما يضمن بيئة حاضنة تسمح لكل فرد بتحقيق إمكاناته.

وفي ظل هذه الديناميكية، تواصل الجزائر تعزيز برامجها التكوينية والتوعوية، مع التركيز على تحسين جودة الخدمات وتطوير أساليب التكفل، بما يواكب المعايير الدولية ويستجيب لاحتياجات هذه الفئة.

وبذلك، لم يعد ملف التوحد مسألة ظرفية، بل أصبح جزءا من رؤية استراتيجية لبناء مجتمع أكثر شمولا وعدالة، يضمن لكل أفراده فرصا متكافئة، ويعزز إدماجهم في مختلف مناحي الحياة، في انسجام مع التوجهات العالمية التي ترى في التنوع قوة، وفي الإدماج شرطا أساسيا للتنمية.