الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

“قافلة الذاكرة الوطنية”.. مشروع وطني لتحصين الهوية الجزائرية

Author
صبرينة عيلان 21 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أصبحت مسألة الحفاظ على الذاكرة الوطنية وترسيخ الهوية الجماعية من أبرز الرهانات التي تواجه الدول، خاصة تلك التي تمتلك تاريخا ثوريا وحضاريا عريقا مثل الجزائر.

وبرزت تظاهرة “قافلة الذاكرة الوطنية” كمبادرة تحمل أبعادا ثقافية ووطنية واستراتيجية تتجاوز مجرد تنظيم زيارات ميدانية أو استحضار محطات من التاريخ، لتتحول إلى مشروع وطني يهدف إلى إعادة ربط الأجيال الجديدة، وخاصة أبناء الجالية الجزائرية بالخارج، بجذورهم التاريخية والثقافية والوطنية.

وفي هذا السياق، تنظم وزارة الشباب الجزائرية، بالتنسيق مع المجلس الأعلى للشباب، خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 20 ماي الجاري، تظاهرة وطنية لفائدة أبناء الجالية الوطنية بالخارج، وذلك في إطار إحياء اليوم الوطني للذاكرة المصادف لـ8 ماي من كل سنة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن استراتيجية الدولة الرامية إلى صون الذاكرة الوطنية وتعزيز مقومات الهوية والانتماء، من خلال إشراك 56 شابا وشابة من أبناء الجالية الجزائرية المقيمين بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، في برنامج ميداني وثقافي يمتد عبر سبع محطات تاريخية كبرى تشمل الجزائر العاصمة، بجاية، قسنطينة، قالمة، سطيف، تلمسان، ووهران، بهدف تمكين المشاركين من معايشة التاريخ الوطني عن قرب واكتشاف العمق الحضاري والنضالي للجزائر.

كما تأتي المبادرة في سياق الجهود المتواصلة للدولة الجزائرية الرامية إلى توطيد الروابط بين أبناء الجالية ووطنهم الأم، وتعزيز شعور الانتماء لديهم، بما يجعلهم شركاء فاعلين في مسار التنمية الوطنية وبناء الجزائر المنتصرة.

الذاكرة الوطنية.. من مادة أكاديمية إلى تجربة وجدانية حيّة

ويرى الدكتور محمد الصالح جمال، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه المبادرة تعكس إدراك الدولة الجزائرية لأهمية الذاكرة الوطنية باعتبارها أحد أعمدة الأمن الثقافي والرمزي، مؤكدًا أن “قافلة الذاكرة الوطنية” لا تقتصر على استذكار الماضي أو إعادة سرد تاريخ الثورة التحريرية، بل تسعى إلى تحويل الذاكرة إلى أداة لبناء الوعي الوطني وتعزيز الانتماء الجماعي، خاصة لدى أبناء الجالية الجزائرية المقيمين بالخارج.

وأوضح المتحدث أن الجزائر تراهن اليوم على توظيف الذاكرة الجماعية كوسيلة لتعزيز التماسك الوطني وحماية الهوية الجزائرية من محاولات الذوبان الثقافي، لاسيما في ظل التحولات الدولية الراهنة التي أصبحت فيها الهويات الوطنية عرضة لتأثيرات متعددة، سواء عبر الفضاء الرقمي أو من خلال الضغوط الثقافية والإعلامية العابرة للحدود.
وأكد الدكتور محمد الصالح جمال أن أحد أهم الأبعاد التي تقوم عليها “قافلة الذاكرة الوطنية” يتمثل في تحويل الذاكرة الوطنية من مجرد مادة أكاديمية جامدة أو أحداث محفوظة في الكتب، إلى تجربة إنسانية ووجدانية يعيشها الشباب بشكل مباشر.

وأشار إلى أن المبادرة تسمح للمشاركين، خاصة أبناء الجالية الجزائرية بالخارج، بالاحتكاك المباشر بالفضاءات التاريخية والمعالم المرتبطة بالكفاح الوطني والثورة التحريرية، ما يجعل التاريخ يتحول من مجرد معلومات نظرية إلى تجربة شعورية مرتبطة بالهوية والانتماء.

وأضاف أن التنقل بين المدن التاريخية والالتقاء بالشخصيات الوطنية وزيارة المواقع الرمزية يخلق نوعًا من الارتباط العاطفي العميق بالوطن، وهو ما يساعد الشباب على فهم تاريخ الجزائر ليس فقط باعتباره ماضيًا انتهى، بل باعتباره أساسًا لفهم الحاضر والمشاركة في بناء المستقبل.

وأوضح أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات الحديثة في مقاربة قضايا الذاكرة، حيث لم تعد الدول تتعامل مع الذاكرة باعتبارها أرشيفا تاريخيا فقط، بل كعنصر استراتيجي في بناء الهوية الوطنية وتعزيز الانسجام المجتمعي.

“الأمن الثقافي”.. رهان الدولة الجزائرية في مواجهة تحديات العولمة

وأشار المتحدث إلى أن “قافلة الذاكرة الوطنية” تحمل بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز الجوانب الثقافية والتربوية، لأنها تدخل ضمن ما يُعرف اليوم بمفهوم “الأمن الثقافي والرمزي”.

وأوضح أن العولمة والتطور الرقمي خلقا فضاءً مفتوحًا تتنافس فيه الهويات والثقافات، ما يجعل الدول مطالبة بحماية ذاكرتها الجماعية وقيمها الوطنية من التآكل أو التشويه.

وأضاف أن الجزائر، بحكم تاريخها الثوري وتجربتها التحررية، تدرك جيدًا أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية باعتبارها أحد عناصر حماية السيادة الوطنية وتعزيز الوحدة الداخلية.
وأكد أن الدولة الجزائرية تسعى من خلال هذه المبادرات إلى ترسيخ قناعة لدى الشباب بأن الانتماء الوطني ليس مجرد ارتباط جغرافي، بل هو ارتباط بالقيم والتاريخ والتضحيات المشتركة التي صنعت الدولة الجزائرية الحديثة.

كما أشار إلى أن حماية الذاكرة الوطنية تمثل اليوم جزءًا من الأمن القومي للدول، لأن فقدان الارتباط بالتاريخ والهوية قد يؤدي إلى هشاشة ثقافية وفكرية لدى الأجيال الجديدة، خاصة في ظل التدفق الكبير للمحتويات الرقمية العابرة للحدود.

وأكد الدكتور محمد الصالح جمال أن وزارة الشباب والمجلس الأعلى للشباب يسعيان، من خلال هذه التظاهرة، إلى بناء جسر تواصلي دائم بين الشباب الجزائري داخل الوطن وخارجه، عبر توظيف الذاكرة الوطنية كوسيلة للتوعية والتكوين الوطني.

وأوضح أن من بين الأهداف الأساسية للقافلة تعزيز الثقافة التاريخية لدى الشباب، خاصة في ظل انتشار المعلومات السطحية أو المغلوطة عبر المنصات الرقمية، ما يجعل من الضروري تقديم رواية وطنية موثقة ومتوازنة تستند إلى حقائق التاريخ ورمزية الثورة التحريرية.

وأضاف أن المبادرة تسعى كذلك إلى غرس قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية الجماعية، من خلال التأكيد على أن بناء الجزائر الجديدة هو امتداد طبيعي لتضحيات جيل الثورة والتحرير.

وأشار إلى أن الشباب اليوم لا يُطلب منهم فقط حفظ التاريخ أو استذكار رموزه، بل فهم معانيه وتحويله إلى طاقة إيجابية للمشاركة في التنمية الوطنية والمساهمة في بناء المستقبل.

كما اعتبر أن اهتمام الدولة بالشباب والجالية الجزائرية بالخارج يعكس رؤية جديدة تعتبر هذه الفئات شريكًا أساسيًا في المشروع الوطني، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو الدبلوماسي.
القافلة تعيد بناء العلاقة الوجدانية بين الشباب ووطنهم الأم
وأوضح المتحدث أن “قافلة الذاكرة الوطنية” تلعب دورًا محوريًا في تعزيز ارتباط أبناء الجالية الجزائرية بالخارج بوطنهم الأم، خاصة لدى أبناء الجيلين الثاني والثالث ممن نشؤوا في بيئات ثقافية مختلفة.
وأشار إلى أن الحفاظ علىالهوية الوطنية لدى أبناء الجالية أصبح تحديًا حقيقيًا في ظل الاندماج الثقافي داخل دول المهجر، وهو ما يجعل مثل هذه المبادرات ضرورية لإعادة بناء العلاقة الوجدانية والثقافية مع الجزائر.
وأضاف أن القافلة تمنح الشباب فرصة لاكتشاف الجزائر من الداخل، بعيدًا عن الصور النمطية أو المعرفة الافتراضية، من خلال زيارة المدن التاريخية والاحتكاك المباشر بالموروث الثقافي والحضاري الوطني.

وأكد أن هذا النوع من التجارب يخلق ارتباطا عاطفيا أعمق بالوطن، لأن الشباب يشعرون بأنهم جزء من تاريخ جماعي وذاكرة مشتركة، وليسوا مجرد أفراد يعيشون خارج الحدود الجغرافية للبلاد.

كما شدد على أن إشراك أبناء الجالية في مثل هذه التظاهرات يحمل رسالة سياسية ورمزية قوية مفادها أن الجزائر تعتبر جاليتها بالخارج جزءًا أصيلًا من نسيجها الوطني وشريكًا في مستقبلها التنموي والثقافي.

لماذا تم اختيار المدن السبع؟ محطات تاريخية تعكس تنوع الذاكرة

وحول اختيار المدن السبع ضمن برنامج القافلة، أوضح الدكتور محمد الصالح جمال أن الأمر يحمل دلالات تاريخية ووطنية عميقة تعكس تنوع الذاكرة الجزائرية ووحدة الهوية الوطنية في آن واحد.

وأشار إلى أن الجزائر العاصمة تمثل القلب السياسي والتاريخي للدولة الجزائرية، بينما تجسد سطيف وقالمة الذاكرة المرتبطة بمجازر الثامن ماي 1945، التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية.

وأضاف أن قسنطينة تعكس البعد الحضاري والعلمي والثقافي للجزائر، في حين تبرز بجاية وتلمسان العمق الحضاري المتوسطي والإفريقي للدولة الجزائرية عبر التاريخ.
أما وهران، حسب المتحدث، فتجسد البعد الثقافي والانفتاح الحضاري الذي ميز الغرب الجزائري عبر مختلف المراحل التاريخية.

وأكد أن الرسالة الأساسية التي تسعى القافلة إلى إيصالها تتمثل في أن الجزائر ليست فقط تاريخ مقاومة وثورة، بل هي أيضا تاريخ حضارة وتنوع ووحدة وطنية.
وأكد محمد الصالح جمال أن الرسالة الأعمق التي تحملها “قافلة الذاكرة الوطنية” تتمثل في دعوة الشباب إلى استلهام قيم التضحية والوحدة والعمل الجماعي التي ميزت الثورة التحريرية الجزائرية، وتحويلها إلى قوة لبناء المستقبل.

وأوضح أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية لا يعني البقاء أسرى للماضي، بل فهم التاريخ واستثماره في تعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ الهوية الجماعية في مواجهة مختلف التحديات.

وأضاف أن الجزائر، من خلال هذه المبادرات، تؤكد أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ بحماية الذاكرة الجماعية وتعزيز وعي الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها وقيمها الوطنية، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة للتفكك والضياع الثقافي.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية