قال: “طه حسين” شُعوبيٌّ ماكرٌ.. “محمد السعيد الزاهري” شيخٌ جزائري ليس كالآخرين

لا نغالي إذا زعمنا بأن “محمد السعيد الزاهري” كان من أكثر رجالات الفكر والإصلاح الجزائريين تميّزا وتأثيرا وتفاعلا مع القضايا العربية والإسلامية، بل هو يضاهي ويتفوّق على قمم الفكر والأدب العربي في عصره من أمثال: الرافعي والمازني والزيات وغيرهم. وبالإضافة إلى جمعه بين التّدريس والصحافة والنشاط السياسي، فقد كان ناقدا جريئا وصّفَ “طه حسين” بأنه “شعبويٌ ماكرٌ”. كما كان مُستشرفا بعيد النظر في قضايا مثل: فلسطين، وتغريب الفكر العربي، فقد كان أولّ مُسلم يهاجم المنظمة الصهيونية “كيرن هايسود”.

رغم غزارة الإنتاج الفكري والأدبي والصحفي للشيخ “محمد السعيد الزاهري”، المبثوث في الصحف التي أنشأها، وتلك التي كانت تصدر في الجزائر، بالإضافة إلى كبريات الصحف العربية آنذاك، فإن كشّافات الباحثين لم تُسلّط عليه الأضواء بما يكفي لاستجلاء تراث هذا الجزائري الوطني الثوري الذي كانت أولى الجرائد التي أصدرها سنة 1925 اسمها “الجزائر”، وكان شعارها، “الجزائر للجزائريين”.

ميلاد الزّاهري

وُلد “محمد السعيد الزاهري” في “ليانة”، بولاية بسكرة، واختلف مترجمو سيرته حول تاريخ ميلاده، فبينما يرى “عبد القادر السايحي”، في كتابه “روحي لكم”، بأنه وُلد سنة 1897، فإن الدكتور “صالح خرفي” يقول في كتابه “محمد السعيد الزاهري” بأنه مولده كان سنة 1900، ويذهب آخرون إلى أن ميلاده كان سنة 1899 مثل “عادل نويهض” في كتابه “معجم أعلام الجزائر”. وأما “سلميان الصيد” الذي عرفَ “الزاهري” معرفةً شخصية، فقد كتب مقالا صُحفيا عنه سنة 1987، أكّد فيه بأنه وُلدَ يوم الثلاثاء 25 شعبان سنة 1318 هجرية الموافق لـ 18 ديسمبر 1900، وكان رحيله سنة 1956.

طفلُ الأسئلة الكونية

ينتمي “الزاهري” إلى أسرة عريقة ولها علاقة وطيدة بالعلم الأدب، فقد أنجبت أعلامَ كثيرهم منهم: “محمد الهادي الزاهري” صاحب كتاب “شعراء الجزائر في العصر الحاضر”، والعلاّمة صاحب الصيت والشهرة في الملتقيات الفكرية والأدبية “زهير الزاهري”. وقد التحق بالكتاتيب، ثم تتلمذ على يدي علماء بلدته، منهم عمّه “عبد الرحمان الزاهري”. وقد كان “محمد السعيد الزاهري” فضوليًا شغوفا بطرح الأسئلة “الفكرية”، حيث يقول: ” كنت في صغري أسأل أمي مسائل كثيرة في الكون ومكونه، وكانت تجيبني كما تفهم، فإن سألتها عمّا ليس لها به علم أسكتتني كُرهًا، فأفرّ إلى جدتي لأمي أسألها عن تلك المسائل فأجدها أرفق بي لأنها لم تكن مسؤولة عن تربيتي”. وبعدها، التحق “الزاهري” بالشيخ “عبد الحميد بن باديس” وأخذَ عنه العلمَ، ثم قصد جامع الزيتونة ونال في نهايتها شهادة التّطويع.

جريدةٌ شعارُها: “الجزائر للجزائريين”

جرّد “محمد السعيد الزاهري” قلمه للكتابة سنواتَ إقامته في تونس (1917 – 1924)، وكانت “النهضة” هي أولى الجرائد التي تنشر له، وكانت أولى كتابته قصيدةً عنوانها “رسائل تهنئة” وذلك بمناسبة عيد الميلاد الرابع للجريدة. كما نشر في جرائد تونسية أخرى منها “الوزير”، بالإضافة إلى النشر في جرائد جزائرية. وعند عودته إلى الوطن أصدر جريدة “الجزائر” وكان شعارها “الجزائر للجزائريين” وتُعتبر امتدادا لجريدة “الإقدام” التي كان يُصدرها، باللغتين: العربية والفرنسية منذ 1919، حفيد الأمير عبد القادر، الأمير “خالد بن الهاشمي” (1875 – 1936) الذي أبعدته السلطات الاستعمارية من الجزائر إلى فرنسا سنة 1923، ثم انتقل إلى الاستقرار في مدينة الإسكندرية بمصر. وقد نشرت جريدة “الإقدام”، قبل إغلاقها، إعلانا عن ميلاد جريدة الجزائر، حيث جاء فيه: “نستطيع اليوم بكل سرور أن نبشّر قراءنا الفطناء، بأن صحيفتهم هذه ستطلع عليهم في العهد القريب باللسانين العربي والفرنسي، باسم آخر غير اسم الإقدام، فقد اخترنا أن يكون “الجزائر”، في حجم بقدر هذا مرتين، ثم تأخذ بعد ذلك في النمو بحسب الظروف إلى أن تصير صحيفة كبرى، ويتكفل بالقلم العربي حضرة صديقنا الشيخ محمد السعيد الزّاهري المتطوع بالجامع الأعظم بالزيتونة بتونس، وتكون الجريدة  أيضا تحت إشرافه، أما مواضيع الجريدة فستكون مقصورة على ما ينفع الناس”.

الجنرال فرانسوا والجندي رشيد

حول جريدة “الجزائر”، كتب الشيخ “عبد الحميد بن باديس”، في جريدة المنتقد، قائلا: “جريدة سياسية أدبية أخلاقية اجتماعية تصدر بالجزائر لصاحبها الشاعر الشيخ السعيد الزّاهري، جلا علينا العدد الأول منها مقالات بليغة في متانة التعبير وسمو الفكر، ونبالة المقصد، وثقة لبلوغ الغاية، وجدير بها إذا كان السعيد واضعها أن يكون السعد طالعها “. ويعتبر بعض الدارسين بأن تلك كانت من أوائل الصحف ذات الاتجاه الوطني الإصلاحي، مثلما ذهب إلى ذلك المؤرّخ “بلقاسم سعد الله”. وفي عددها الثاني، نشر “الزاهري” قصّة بعنوان: ” المساواة، فرانسوا الرشيد”، انتقد فيها شعار” المساواة والحرية والعدالة” الذي ترفعه فرنسا منذ ثورتها عام 1789. وتروي القصة مسيرة طفلين من حيّ واحد، حيث كان “الأوّل إسبانيّاً في الأصل قد تجنّس أبواه بجنس الفرنسيّين، وكان الثاني جزائريّ الأصل والفصل ولم يزل أبواه مؤمنين”، وقد “تربّيا جميعاً يلعبان ألاعيب واحدة، ثمّ أرسلا معاً إلى دار تربية الصّبية فكانا تُربّيهما أمّ واحدة تناغيهما مناغاة واحدة”. وتتواصل الأحداث إلى أن يلتحقا بالجيش، وقد “مشت الأيّام واللّيالي عليهما وفرانسوا كذلك يتسامى في الرّتب، رتبة رتبة، والرّشيد قاعدٌ مكانه لا يعلوه ولو قيد أظفور حتّى ارتقى فرانسوا إلى وظيفة سامية: وظيفة كولونيل جنرال قائد عامّ، فأصبح صاحب الأمر والنّهي في الجيش الذي يضمّ الرّشيد بين جناحيه وهو ما زال مطلق جنديّ”. وانتهت القصة بموت رشيد من الحزن والكبد على الاحتقار والتمييز وعدم المساواة التي أبقته جنديا بينما ارتقت بصديقه ليصير جنرالا.

جائزة لمن يُرثي بطل الرواية

لاقت القصة صدى كبيرا لدى القرّاء، وأدّت إلى إغلاق جريدة “الجزائر”، لما تضمنته من جرأة في فضح السلطة الاستعمارية. وقد بادر الشيخ “عبد الحميد بن باديس” إلى نشر إعلان في جريدة المنتقد عن مسابقة شعرية يفوز فيها الشاعرُ الذي يتفوّق في رثاء “رشيد” الذي مات في آخر القصة. وعلى إثر هذا الإعلان، قامت السلطات الفرنسية بإغلاق جريدة “المنتقد”.

“البرق”.. لخدمة الوطن

بكل عزيمة وإصرار واصل “الزاهري” مسيرته “الإعلامية، فأصدر “البرق” سنة 1927، وكانت صحيفة اجتماعية أدبية انتقادية سياسية اقتصادية فكاهية، شعارها: “خدمة الوطن والمصلحة العامة واستثمار المال”، وقد كتب فوق عنوانها عبارة: “تسامحوا فيما بينكم، فإنه لا سبيل للاتحاد كالتسامح”. وقد ذكر “الزاهري” في افتتاحيتها الأولى بأن محاور الجريدة هي: “الاشتغال بالتجارة، وبالأسعار والبورصة، وأن تكون الجريدة لسان حال الأمة المُعبّر عن آلامها وآمالها، وملاحقة الأشخاص البارزين بالنقد إن أضروا بالمصلحة العامة للأهالي، والاعتناء بالأدب”.

“الوفاق”.. لنصرة فلسطين

كما أصدر “الزاهري”، سنة 1938، صحيفة “الوفاق” وهي أسبوعية سياسية اجتماعية “تنتصر للحريات الديمقراطية وتُعبّر عن حال “كتلة الجمعيات الإسلامية” التي كان يرأسها، وكانت تركّز على قضية فلسطين في دوراتها، وتندّد بالصهيونية. ويُذكرُ أن “الوفاق” كانت تتلقّى وتنشر مراسلات ونشرات الهيئات الفلسطينية مثل: اللجنة المركزية للدفاع عن فلسطين، نشرة المكتب العربي القومي في فلسطين، اللجنة الفلسطينية العربية في مصر، المكتب العربي القومي في دمشق، مراسلات عرب فلسطين.

وممّا كتبه “الزاهري” حول الإجرام البريطاني بحق فلسطين والبلدان العربية عموما، قولَه: “تعطلت الأعمال، وانتشرت المجاعة بين العرب، وتكاثرت بينهم الأمراض، وارتكبت السلطات العسكرية الإنجليزية، من فضائع التخريب والتدمير ونسف المنازل بالديناميت، ومصادرة الأموال والحيوانات وإتلاف الأمتعة والأقوات، وتمزيق مصاحف القرآن الكريم، ما تخجل منه الإنسانية، ويكاد السماوات يتفطرن منه، فأصبحت فلسطين قاعا صفصفا وخرابا شاملا، وكانت حقولا وزروعا خضراء وجنات تجري من تحتها الأنهار، وكم من قرية عربية قد أهلكتها القوى الإنجليزية المسلحة، وأنزلت بأهلها العرب كل لون من ألوان التنكيل والتقتيل، نُسفت منازلهم ودورهم، اعتقلت الرجال وشردت النساء والشيوخ والأطفال وجعلتهم يهيمون..”.

جريدة “عصى موسى”

وفي سنة 1947، أصدر جريدة “المغرب العربي” وهي “اللسان المعبر عن كل مسلم في الجزائر أو خارجها، فهي بهذا الحال لسان العروبة والإسلام”. وأصدر “الزاهري” أيضا جريدة “عصى موسى” سنة 1950، ولكنه أسند شؤون إدارتها إلى غيره ليُفلت من الرقابة، لا سيما كما تزعم بعض المصادر، وأنها كانت جريدة مُوجهة ضد جريدة “الشعلة “التي كانت تُصدرها “جمعية العلماء المسلمين”، بعد توقف صحيفة “البصائر”، وكان يُوقّع كتاباته بأسماء مُستعارة مثل: حاضر، مسترق السمع، مصلح.. ويُذكرُ بأن “الزاهري” كان من مؤسّسي الجمعة، ولكنه انسحب منها.

الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير

ترك “محمد السعيد الزاهري” كتابا واحدا مطبوعا عنوانه: “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”، وهو عبارة عن مجموعة مقالات متنوعة نشرها، أواخر العشرينات، في مجلة “الفتح” المصرية، وقد قام صاحبها “مُحبُّ الدين الخطيب” بطباعة الكتاب، ثم أعيد طبعه بعد عامين في سوريا، وفي سنة 1932 أعاد “الزاهري” طبعه في الجزائر. وقد لاقى الكتاب رواجا كبيرا، وتحدّث عنه أعلام الفكر والأدب، آنذاك، مثل: أمير البيان “شكيب أرسلان”.

كتب الشيخ “عبد الحميد بن باديس” حول الكتاب قائلا: “عرفنا الشيخ السعيد الزاهري شاعرا خنذيذا وعرفناه كاتبا رحب البيان، وعرفناه في هذا الكتاب، داعية إسلاميا كبيرا، فقد خاض في مسالة الحجاب والمرأة الجزائرية ومسألة الإسلام والتغريب والشبيبة المتعلمة، فأبان من الحقائق، وأقام من الحجج ما لا يلقاه أشد الخصوم – إذا أنصف – إلا بالإكبار والتسليم، وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة الشبيه بالروائي، سهلٌ جذابٌ، لا تستطيع إذا تناولت أوّله أن تتركه قبل أن تأتي على آخره”. وأما مجلة “المجمع العلمي العربي” في دمشق، فكتبت: “فكرة التبشير الإسلامي نشأت مع الفتح الإسلامي جنبا إلى جنب.. وجاء اليوم كاتب الجزائر محمد السعيد الزاهري فكساها ثوب العصر الحاضر، وخلع عليها أسلوب الرواية الرائع”.

شيخ جامع القرويين المغربي: لو كانت الأرض تدور لسقط كل من عليها

من نماذج الكتابات التي كان “الزاهري” ينشرها في الجرائد والصحف المصرية، نُورد هذا المقتطف من مقال عنوانه “في المغرب الأقصى” نشرته جريدة “المعرفة المصرية” في الأول نوفمبر 1932، جاء فيه: “وقعت محاورة طريفة بين المسيو جيروم طارو وبين شيخ الجماعة في فاس محاورة طريفة لم يذكرها طارو في كتابه عن فاس، وهو أحوج ما يكون إليها، وقد ذكر محاورات جرت له مع وزير العدلية وغيره فيما كتب عن الرباط. وهي محاورات حول دوران الأرض، أنكر فيها معالي الوزير المغربي، أن تكون الأرض هي التي تدور، وأتى بحجج على ذلك هي في غاية السخف والتفاهة، مثل قوله: لو كانت الأرض هي التي تدور، كما يُقال، لسقط كل من عليها من إنسان وحيوان ودور وقصور، ولهوى كل ذلك في مكان سحيق.. وشيخ الجماعة في فاس هو شيخ جامع القرويين”.

طه حسين شُعوبيٌّ ماكرٌ

كتب “الزاهري”، في جريدة الصراط سنة 1933، مقالا بعنوان: “الدكتور طه حسين شعوبي ماكر”، جاء فيه: “للأستاذ طه حسين غاية واحدة يسعى إليها من يوم ظهر على المسرح إلى هذا اليوم، وهي محاربة العروبة والإسلام، لا يفتأ يعمل لها، ولا يفتر في طلبها، فهو شعوبي ماكر يعرف كيف يستر (شعوبيته) ويعرف كيف يخفي غرضه وهواه عن كثير من شبابنا الأغرار الذين لا يكادون يُدركون مراميه البعيدة إلاّ ما كان منها مثل هذا الطّعن الصّريح المكشوف.

لقد أوتي طه حسين كلّ وسيلة من وسائل الفتنة والإغواء، فأسلوبه سهل جذّاب، وموضوعاته التي يكتب فيها هي الحبّ والهوى وما إلى الحبّ والهوى ممّا يشوّق الشّاب ويستهويه، وهو يدخل على الشّبّان لا من باب العقل والإدراك ولكن من باب العواطف والشّهوات، يقودهم من أهوائهم وشهواتهم إلى حيث يريد لهم من الهلاك والرّدى، وإلى حيث يسلبهم دينهم وإيمانهم ويستلّ منهم النّخوة والاعتزاز بالعروبة كما تُستلّ الشّعرة من العجين، ثمّ يملأ نفوسهم ظُلمة وكراهيّة لآبائهم ولعروبتهم، ويجعلهم يهيمون حبّا وغراما بالغرب وبكلّ شيء غربي وينفرون من العرب والإسلام ومن كلّ ما هو عربي إسلامي، وبالجملة فالأستاذ طه حسين من أكبر أعوان الاستعمار على احتلال عقول أبناء العرب، وهو من أقدر العاملين على توجيه شبابنا في الاتّجاهات التي يريدها لهم غُلاة المُستعمرين.