الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. تشريع للموت أم سقوط أخلاقي إضافي للكيان؟

Author
رائد ناجي 14 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في لحظات التوتر الكبرى، تُختبر الدول لا بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على الحفاظ على القانون والإنسانية في آنٍ واحد. فالقانون في جوهره ليس أداة انتقام، بل إطارٌ يحفظ التوازن بين العدالة والرحمة.

لكن ما يُطرح في الكيان المحتل تحت عنوان قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يفتح بابًا خطيرًا في تاريخ التشريعات المعاصرة؛ بابٌ تتراجع فيه العدالة أمام نزعة الثأر السياسي.

من الناحية القانونية، يشكّل هذا المشروع خروجًا واضحًا عن روح القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة التي وضعت قواعد صارمة لحماية الأسرى والمعتقلين في زمن النزاعات. فالأسرى، حتى في أكثر الحروب دموية، يتمتعون بضمانات قانونية لا يجوز المساس بها، لأن فلسفة القانون الدولي قامت أساسًا لمنع تحويل الحرب إلى مجزرة بلا ضوابط.

وعندما يتحول القانون إلى أداة لتصفية الخصم الأسير، فإننا نكون أمام تآكل خطير في منظومة القيم التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لكن المسألة لا تقف عند حدود القانون الدولي فحسب؛ فالقانون المقترح يعكس أيضًا أزمة داخلية عميقة في بنية الكيان الذي يسنّه. إذ أن تشريع الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين لا يهدف فقط إلى الردع، كما يروج له أنصاره، بل يندرج ضمن سياق سياسي يسعى إلى مخاطبة المزاج الشعبي المتطرف وإعادة إنتاج خطاب القوة. وهنا يصبح القانون أداة سياسية أكثر منه أداة عدالة، ويتحول البرلمان إلى منصة لتكريس الصراع بدل البحث عن تسويته.

والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل الإعدام يحقق الردع فعلاً؟ التجارب التاريخية تشير إلى العكس. فحركات التحرر الوطني، من الجزائر إلى جنوب إفريقيا، لم تتوقف بسبب الإعدامات، بل كثيرًا ما تحوّل الإعدام فيها إلى لحظة رمزية تعزز الرواية النضالية وتعمّق الشرخ الأخلاقي لدى الطرف الذي يمارسه.

وفي الحالة الفلسطينية، حيث تتشابك الهوية الوطنية مع فكرة المقاومة، قد يتحول هذا القانون إلى وقود جديد للصراع بدل أن يكون وسيلة لإخماده.

من زاوية أخرى، يضع هذا التشريع الكيان أمام اختبار أخلاقي وسياسي إضافي على الساحة الدولية. فالدول التي تدّعي الانتماء إلى المعسكر الديمقراطي تُقاس بمدى التزامها بقيم حقوق الإنسان، لا بقدرتها على فرض القوة. وإذا ما تم إقرار مثل هذا القانون، فإنه سيمنح خصوم الكيان مادة قوية للطعن في خطابها السياسي القائم على فكرة “الديمقراطية في الشرق الأوسط”.

ذلك أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات وبرلمان، بل منظومة قيم تتأسس على احترام الحياة الإنسانية حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.

الأخطر من ذلك أن هذا القانون قد يفتح الباب أمام سابقة قانونية خطيرة في النزاعات المعاصرة. فإذا أصبح إعدام الأسرى أمرًا مشروعًا تحت غطاء تشريعي، فما الذي يمنع أطرافًا أخرى في صراعات مختلفة من تبني المنطق ذاته؟ هنا يتحول القانون من أداة تنظيم للنزاعات إلى عامل يضاعف من وحشيتها.

إن تاريخ الصراعات الطويل يعلمنا أن الدول المنتقمة لا تبني سلامًا، بل تؤسس لدورات جديدة من العنف. فالسلام الحقيقي يبدأ حين تدرك الأطراف المتنازعة أن الإنسان – حتى عندما يكون عدواً – يبقى إنسانًا تحكمه حقوق أساسية لا يجوز التلاعب بها. وعندما تسقط هذه القاعدة، فإننا نكون قد دخلنا منطقة مظلمة من التاريخ حيث يصبح الموت لغة السياسة.

في النهاية، قد يبدو قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين للبعض انتصارًا تشريعيًا أو رسالة قوة، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة أعمق في فهم معنى وجودية الكيان والقانون، وتفند مزاعمه التاريخية وسردياته المختلفة، وخوفه على وحدويته المتهلهلة التي لطالما تغنى بقوته وتماسكه.

Author رائد ناجي
أكاديمي ومحلل سياسي فلسطيني