الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

قانون فرنسي جديد لإعادة التراث المنهوب.. خطوة نحو إنصاف الذاكرة الإفريقية!

Author
بثينة صايفي 17 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خطوة أثارت اهتماما واسعا داخل الأوساط السياسية والثقافية، صادق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على قانون جديد يهدف إلى تسهيل إعادة الأعمال الفنية والممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية إلى بلدانها الأصلية، وعلى رأسها الدول الإفريقية.

ويأتي هذا القانون ليُحدث تحوّلا في الإجراءات المعتمدة سابقا، حيث كان يتعين إصدار قانون خاص لكل قطعة أو مجموعة من القطع المراد استرجاعها، بينما يمنح التشريع الجديد للحكومة الفرنسية صلاحية إخراج هذه الممتلكات من “الملك العام” عبر مراسيم حكومية، بما يسرّع ـ نظريا ـ عمليات الإرجاع ويقلل من التعقيدات الإدارية والقانونية.

ويشمل نطاق هذا القانون القطع التي تم الحصول عليها بين سنتي 1815 و1972، وهي فترة تمتد من مرحلة التوسع الاستعماري الفرنسي إلى غاية دخول اتفاقية اليونسكو 1970 لحماية الممتلكات الثقافية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية حيّز التنفيذ، ما يعيد فتح النقاش حول إرث الحقبة الاستعمارية ومصير آلاف القطع المنهوبة.

 

خطوة نحو استرجاع الذاكرة المنهوبة

وفي هذا السياق ثمّن المحلل السياسي موسى بودهان إقدام الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على المصادقة على قانون جديد يهدف إلى تسهيل إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية من الدول الإفريقية، وعلى رأسها الجزائر، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل تطورا لافتا في التعاطي الفرنسي مع ملف الذاكرة التاريخية.

ويرى المتحدث أن هذا التوجه التشريعي يمكن أن يشكل مؤشرا إيجابيا في مسار طويل ومعقد لاسترجاع الذاكرة الوطنية والموروث الثقافي الذي فقدته الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي، سواء تعلق الأمر بالأعمال الفنية أو القطع الأثرية أو الوثائق التاريخية التي نُقلت خارج البلاد في سياق الهيمنة الاستعمارية.

موسى بودهان محلل سياسي
موسى بودهان محلل سياسي

وأضاف أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في بعدها القانوني، بل أيضا في رمزيتها السياسية، باعتبارها اعترافا ضمنيا بوجود خلل تاريخي في مسار انتقال الممتلكات الثقافية، وما ترتب عنه من فقدان جزء مهم من الهوية الحضارية للدول المستعمَرة سابقا.

وأوضح المتحدث أن الجزائر كانت من بين أكثر الدول تضررا من عمليات النهب الثقافي خلال الحقبة الاستعمارية، حيث تم نقل آلاف القطع الفنية والأثرية والمخطوطات إلى فرنسا، وهو ما أدى إلى إفراغ جزء كبير من الذاكرة المادية للبلاد.

وأشار في السياق ذاته إلى أن هذه الممتلكات لا تُعد مجرد مقتنيات فنية أو تاريخية، بل تمثل جزءا أصيلا من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، لأنها تعكس مسار حضارته وتاريخه ومقاومته للاستعمار.

وختم بالتأكيد على أن استرجاع هذا الموروث يُعد مطلبا تاريخيا وثقافيا لا يمكن التنازل عنه، باعتباره مرتبطا ارتباطا وثيقا بإعادة بناء الذاكرة الوطنية وصونها للأجيال القادمة، وترسيخ الوعي بتاريخ الجزائر في مواجهة محاولات الطمس أو التغييب.

 

الحذر من الوعود الفرنسية

ورغم ما تحمله المبادرات الفرنسية الأخيرة من مؤشرات إيجابية على مستوى الخطاب السياسي، إلا أن المتحدث شدد على ضرورة التعامل معها بقدر كبير من “الحيطة والحذر”، وعدم الإفراط في التفاؤل قبل رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وأوضح أن التجربة التاريخية في التعامل مع هذا الملف تُظهر أن التصريحات السياسية، مهما كانت عالية المستوى، لا تكفي وحدها لضمان استرجاع فعلي وكامل للممتلكات الثقافية المنهوبة، ما لم تُترجم إلى آليات تنفيذ واضحة وإجراءات عملية قابلة للقياس والمتابعة.

وأضاف أن فرنسا، بحسب تعبيره، “عُرفت في أكثر من مناسبة بعدم احترام جميع التزاماتها الدولية أو تأويلها بشكل يخدم مصالحها السياسية”، وهو ما يفرض ـ حسبه ـ التعامل مع هذه الخطوات بنوع من التحفظ، إلى حين التأكد من مدى التزامها بتطبيق القانون الجديد بشكل شامل وغير انتقائي.

كما أشار إلى أن الخشية الأساسية تكمن في تحوّل هذه المبادرات إلى مجرد إجراءات رمزية أو سياسية تهدف إلى تحسين الصورة الدبلوماسية لفرنسا، دون أن تعالج جوهر القضية المرتبط بالذاكرة التاريخية وحقوق الدول التي تعرضت للنهب خلال الحقبة الاستعمارية.

وختم المتحدث بالتأكيد على أن أي تقدم حقيقي في هذا الملف يجب أن يقوم على مبدأ “الاعتراف + الاسترجاع الفعلي + الشفافية”، وليس فقط على إعلان نوايا أو خطوات جزئية، لأن قضية الذاكرة ـ كما قال ـ لا تحتمل الحلول الشكلية أو المؤقتة.

وأضاف أن أي تهدئة في العلاقات السياسية أو الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا لا ينبغي أن تكون على حساب ذاكرة الشهداء أو الحقوق التاريخية والثقافية للجزائريين، سواء تعلق الأمر بالأرشيف الوطني أو الجماجم أو الممتلكات الفنية المنهوبة.

 

ملف الجماجم والأرشيف… ذاكرة لا تسقط بالتقادم

وأكد المحلل السياسي موسى بودهان أن ملف الذاكرة التاريخية بين الجزائر وفرنسا لا يمكن اختزاله في جانب استرجاع الممتلكات الثقافية أو الأعمال الفنية فقط، بل يتعدى ذلك ليشمل ملفات أكثر حساسية، على غرار ملف جماجم قادة المقاومة والشهداء الجزائريين التي لا تزال محفوظة في بعض المتاحف الفرنسية.

وأوضح أن استمرار وجود هذه الرفات خارج أرض الوطن يمثل، حسب تعبيره، جرحا مفتوحا في الذاكرة الوطنية، ودليلا على حجم الانتهاكات التي رافقت فترة الاستعمار الفرنسي، معتبرا أن هذا الملف يعكس بوضوح “بشاعة الجرائم الاستعمارية” التي ارتكبت في حق الجزائريين خلال فترة الاحتلال.

وأضاف المتحدث أن هذه الجماجم ليست مجرد بقايا بشرية في سياق تاريخي، بل هي رموز لمقاومين وشهداء قدموا حياتهم في سبيل الدفاع عن الوطن، وهو ما يجعل استرجاعها قضية أخلاقية وإنسانية بقدر ما هي قضية تاريخية وسياسية.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن الجزائر تعرضت خلال الحقبة الاستعمارية لسلسلة من الجرائم والانتهاكات، شملت القتل الجماعي، والإبادة، والتهجير القسري، إلى جانب ممارسات قمعية طالت مختلف فئات المجتمع الجزائري، وهو ما خلّف آثارا عميقة في الذاكرة الجماعية للأمة.

ولفت إلى أن هذه الجرائم كانت من بين الأسباب التي دفعت الجزائر إلى تبني مقاربة قانونية لحماية ذاكرتها الوطنية، من خلال قانون تجريم الاستعمار الذي صادق عليه البرلمان الجزائري، والذي يهدف إلى تثبيت الحقيقة التاريخية والدفاع عن حقوق الشعب الجزائري في مواجهة محاولات الطمس أو التزييف.

وختم بالتأكيد على أن ملف الذاكرة يظل ملفا مفتوحا لا يسقط بالتقادم، لأنه مرتبط بالهوية الوطنية وبحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها الحقيقي، بعيدا عن أي تأويلات أو محاولات تقليل من حجم المعاناة التي عاشها الشعب الجزائري خلال فترة الاستعمار.

 

استرجاع الحقوق التاريخية مسؤولية جماعية

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث أن حماية الذاكرة الوطنية تُعدّ واجبا وطنيا ودستوريا، انسجاما مع ما ينص عليه الدستور الجزائري من ضرورة صون السيادة الوطنية وحماية التاريخ والتراث الثقافي للأمة.

وأشار إلى أن المادة 80 من الدستور الجزائري تنص على التزام كل مواطن بأداء واجباته تجاه الوطن والمشاركة في الدفاع عنه، موضحا أن هذا الدفاع لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل أيضا حماية التاريخ الوطني والهوية الجماعية وتراث الجزائر الثقافي.

وشدد المحلل السياسي على أن صيانة الذاكرة الوطنية تتطلب مواصلة الجهود لاسترجاع الأرشيف والممتلكات الثقافية المنهوبة، إلى جانب ترسيخ التاريخ الوطني لدى الأجيال الصاعدة وكتابته بطريقة صحيحة تحفظ تضحيات الشهداء والمجاهدين.

كما اعتبر أن حماية ممتلكات الجزائر داخل الوطن وخارجه ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية يتحملها كل المواطنين، باعتبارها جزءا من واجب المواطنة واحترام الدستور والقانون.

وفي ختام تصريحه، اعتبر المتحدث أن هذه القرارات قد تكون لها “انعكاسات إيجابية” على المستوى السياسي والدبلوماسي، خاصة إذا التزمت فرنسا فعليا بتنفيذ ما أعلنته بخصوص إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة.

وأضاف أن الشعب الجزائري سيتفاعل بإيجابية مع أي خطوة حقيقية تعيد له جزءا من ذاكرته وتاريخه، معربا عن أمله في أن تمضي فرنسا في تطبيق ما التزمت به “بشكل فعلي وصادق”.

 

القانون الفرنسي الجديد بين الانفتاح الظاهري وهيمنة كل حالة على حدة

وفي تصريحات صحفية قال الباحث الجزائري المتخصص في تاريخ الاستعمار، حسني قيتوني، إن القانون الجديد قد فتح، في رأيه، “ثغرة محدودة” داخل المنظومة القانونية الفرنسية، من خلال إنهاء مبدأ الحصانة المطلقة عن عدم قابلية أملاك المجال العام للتنازل، وهو ما كان يشكل عائقا أساسيا أمام عمليات استرجاع الممتلكات الثقافية.

غير أنه أوضح في المقابل أن هذه الثغرة تبقى، حسب تقديره، مقيّدة بجملة من الضوابط التي تمنح الجانب الفرنسي هامشا واسعا للتحكم في مسار الاسترداد، عبر اعتماد مبدأ “كل حالة على حدة”، وهو ما يجعل عملية الإرجاع خاضعة لتقديرات فردية بدل إطار شامل وملزم، كما أشار إلى وجود قيود جوهرية ضمن النص القانوني، يرى أنها قد تُستعمل عمليا للحد من تجاوب فرنسا مع المطالب، خصوصا الجزائرية منها.

وأضاف قيتوني أن الإشكال لا يقتصر على الجوانب التقنية أو القانونية المرتبطة بمبدأ عدم قابلية التصرف في الأملاك العامة، أو آلية دراسة كل ملف بشكل منفصل، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى استعداد فرنسا للاعتراف الكامل والواضح بجرائم الاستعمار.

واعتبر أنه ما دامت فرنسا، بحسب تعبيره، تتحصن خلف تبريرات قانونية لتفادي الإدانة الصريحة لتلك الجرائم، فإن أي تعديلات تشريعية، مهما كانت معقدة أو متطورة، ستظل عاجزة عن معالجة جوهر ملف الذاكرة، أو الاستجابة بشكل كامل لمطالب الشعوب التي تعرضت للنهب خلال الفترة الاستعمارية